اعتنيت
المحتويات
طفل صغير.
قال
حضرتك تعرفي الست اللي في الصورة؟
ابتسمت.
قلت
دي أختي.
سألني
كانت طيبة؟
ضحكت والدموع في عيني.
كانت أطيب مما تتخيل.
قال
أنا نفسي أبقى زيها.
نظرت إليه وقلت
مش لازم تبقى زيها.
خليك أنت بس خليك إنسان كويس.
هز رأسه.
ثم ركض إلى زملائه.
راقبته وهو يبتعد، وشعرت أن رسالة زينب أصبحت أكبر من عائلتنا.
لم يعد اسمها مرتبطًا بالماضي فقط.
أصبح مرتبطًا بالمستقبل.
وفي تلك الليلة، اجتمع أبناء زينب التسعة في بيتها.
قال ياسين
فاكرين لما كنا أطفال ومش عارفين هنعيش إزاي؟
ضحكت مريم.
إنت كنت أكتر واحد بيخاف.
قال
وأنتِ كنتِ أكتر واحدة بتزعق.
ضحك الجميع.
ثم ساد الصمت للحظات.
قال خالد
لو ماما كانت موجودة، كانت هتفرح بينا.
قال ياسين
أكيد.
ثم أضاف
بس أهم حاجة إننا ما ننساش هي كانت عايزة إيه.
نظر الجميع إليه.
قال
كانت عايزة نعيش.
مش نقضي عمرنا في الحزن عليها.
وافق الجميع.
وفي اليوم التالي، وضعوا أمام صورة زينب لوحة جديدة.
كتبوا عليها
سنكمل الحياة كما تمنيتِ لنا.
مرت أعوام أخرى.
وأصبح لأبناء زينب أحفاد كثيرون.
وكان كل حفيد يعرف قصة جدته.
لكنهم لم يعرفوها كقصة حزينة.
كانوا يعرفونها كقصة امرأة تركت أثرًا جميلًا.
وفي إحدى المناسبات، وقفت زينب الصغيرة أمام الأطفال وقالت
يمكن أنتم ما شوفتوش جدتي.
لكن كل مرة تساعدوا فيها حد، أنتم بتخلوا جزء من رسالتها يعيش.
ثم سألتهم
مين فيكم مستعد يساعد شخص محتاج؟
رفع الأطفال أيديهم جميعًا.
ابتسمت.
وقالت
إذن الحكاية لسه مستمرة.
وفي تلك اللحظة، نظرت إلى صورة جدتها.
ثم قالت بهدوء
وعدك يا جدتي مش هننساه.
وهكذا استمرت الأسرة.
لم تعد الحكاية مجرد ذكرى لامرأة رحلت.
أصبحت طريقًا اختار كل جيل أن يسير فيه بطريقته.
وكان أجمل ما في الأمر أن أحدًا لم يعد يخاف من نهاية الحكاية.
لأنهم فهموا أخيرًا أن بعض الحكايات لا تنتهي
بل تنتقل من شخص إلى آخر، حتى تصبح جزءًا من حياة أشخاص لم يعرفوا أصحابها أبدًا.
وهكذا ظل اسم زينب حاضرًا.
في المدرسة.
وفي المركز.
وفي البيت القديم.
وفي قلوب أبنائها وأحفادها.
وفي كل طفل وجد فرصة جديدة للحياة.
وكانت تلك أجمل نهاية يمكن أن تحصل عليها حكاية بدأت بالفقد
وانتهت بالأمل. مرت سنوات أخرى، وأصبح بيت زينب القديم مكانًا تجتمع فيه العائلة كل أسبوع.
وفي أحد الأيام، اقترح ياسين فكرة جديدة.
قال لإخوته
إحنا ساعدنا أطفال كتير، بس في أطفال لسه محتاجين فرصة.
قالت مريم
نعمل إيه؟
أجاب
نبدأ برنامج لتعليم الأطفال مهن وحرف تساعدهم يعتمدوا على نفسهم.
وافق الجميع.
وبدأوا بالفعل.
تعلم الأطفال النجارة، والخياطة، والرسم، والبرمجة، والطبخ، وغيرها من المهارات.
وكان لكل طفل ملف يحمل اسمه وحلمه.
ومن بين الأطفال كان هناك ولد اسمه سليم.
كان عمره عشر سنوات، وكان قليل الكلام، لكنه كان يحب إصلاح الأشياء.
أعطاه ياسين صندوق أدوات صغيرًا.
وقال
جرب.
بعد عدة أشهر، أصبح سليم يصلح ألعاب الأطفال وأثاث المركز.
وفي يوم قال لياسين
أنا لما أكبر عايز أفتح ورشة وأشغل أطفال زيي.
ابتسم ياسين.
وقال
يبقى أنت فهمت الرسالة.
مرت الأعوام.
كبر سليم وأصبح شابًا.
افتتح ورشة فعلًا، وكان أول قرار اتخذه أن يوفر تدريبًا مجانيًا للأطفال الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف التعليم.
وعندما سأله أحدهم عن سبب ذلك، قال
زمان حد آمن بيا وأنا صغير، وأنا دوري أؤمن بغيري.
وصلت كلماته إلى أبناء زينب.
فقال ياسين
شايفين؟ الخير لما يبدأ، بيكمل لوحده.
وفي أحد الأيام، قررت الأسرة إقامة احتفال بمرور خمسين عامًا على بداية المركز.
اجتمع مئات الأشخاص.
كان بينهم أطفال أصبحوا شبابًا، وشباب أصبحوا آباء، وأشخاص عادوا بعد سنوات ليحكوا كيف تغيرت حياتهم.
وفي وسط الاحتفال، صعد آدم إلى المنصة.
قال
أنا واحد من أولاد المركز.
ثم نظر إلى صورة زينب.
رغم إني ما كنتش من أولادها التسعة، لكنها أثرت في حياتي.
وأضاف
يمكن الإنسان ينسى المساعدة اللي أخدها، لكن عمره ما ينسى الشخص اللي صدق إنه يستحق فرصة.
صفق الجميع.
ثم صعدت سلمى، التي أصبحت فنانة معروفة.
كانت تحمل لوحة جديدة.
وضعتها أمام صورة زينب.
كانت اللوحة لشجرة ضخمة، جذورها امرأة واحدة، وفروعها مئات الأطفال.
قالت
دي زينب بالنسبة لي.
ثم أضافت
جذر واحد لكن فروعها ما لهاش نهاية.
تأثر الجميع.
أما أنا، فكنت أجلس في الصف الأول.
كنت أشعر أنني أرى أختي في كل قصة.
وفي نهاية الحفل، وقف ياسين أمام الجميع.
قال
إحنا بدأنا بتسعة أطفال.
لكن النهارده عندنا آلاف الأشخاص اللي مروا من هنا.
والرسالة واحدة.
ثم قال
مفيش طفل صغير على الدنيا لازم يصدق إن مستقبله انتهى.
صفق الجميع طويلًا.
وبعد الحفل، ذهب ياسين وحده إلى غرفة الذكريات.
جلس أمام صورة أمه.
وقال
ماما، إحنا كبرنا.
لكن لسه فاكرين كل كلمة قلتيها.
ثم ابتسم.
ويمكن أجمل حاجة حصلت إننا ما بقيناش محتاجين نحكي للناس عنك.
الناس بقت تعرفك من خلال اللي عملناه.
وفي الخارج، كان أحفاد زينب يلعبون في الحديقة.
وكانت شجرتها ما زالت واقفة.
اقترب طفل صغير من الشجرة وسأل
هي الشجرة دي اتزرعت إمتى؟
قالت له زينب الصغيرة
من زمان جدًا.
سأل
مين زرعها؟
ابتسمت.
جدتي.
قال
كانت بتحب الشجر؟
ضحكت.
كانت بتحب الحاجة اللي تكبر مع الوقت.
نظر الطفل إلى الشجرة.
ثم قال
زي الأطفال؟
ابتسمت.
بالضبط.
جلس الطفل تحت الشجرة.
وبدأ يرسمها.
وفي تلك اللحظة، فهمت أن الحكاية لم تعد بحاجة إلى نهاية.
لأن كل جيل كان يضيف إليها فصلًا جديدًا.
جيل يتعلم.
جيل يساعد.
جيل يربي.
وجيل يترك أثرًا لمن يأتي بعده.
وفي آخر الليل، أغلقت العائلة أبواب البيت.
لكن أنوار المركز ظلت مضاءة.
لأن هناك دائمًا طفلًا يحتاج إلى فرصة.
وكانت اللافتة أمام المبنى تقول
هنا تبدأ الحكايات من جديد.
وتحتها جملة أصغر
ما دام الخير ينتقل من قلب إلى قلب، فلا توجد نهاية للحكاية.
وهكذا بقي اسم زينب حيًا.
ليس لأن الناس يتذكرون وفاتها
بل لأنهم يتذكرون حياتها.
ولأنها تركت وراءها عائلة لم تسمح للحزن أن يكون آخر فصل.
فكان آخر ما قاله ياسين لأبنائه قبل أن يغادر المركز تلك الليلة
خليكم فاكرين حاجة واحدة.
إحنا مش ورثة اسم زينب بس.
إحنا ورثة رسالتها.
ثم أغلق الباب.
وبقيت شجرة زينب واقفة في الظلام، تحمل أغصانها فوق البيت والمركز، وكأنها تقول للجميع
الحكاية مستمرة. مرت عشر سنوات أخرى.
تغيرت أشياء كثيرة، لكن شجرة زينب ظلت واقفة في مكانها، تكبر كل عام، مثلما كبرت العائلة من حولها.
أصبح ياسين في عمر كبير، وأصبح أبناؤه هم المسؤولين عن إدارة المركز والمدرسة.
أما زينب الصغيرة، فقد أصبحت مديرة المؤسسة، وكانت تعتبر ذلك مسؤولية كبيرة وليست مجرد تكريم لاسم جدتها.
وفي أحد الأيام، دخلت عليها طفلة صغيرة اسمها نور.
كانت في الثامنة من عمرها، تحمل دفتر رسم قديم.
قالت نور
ممكن أقعد هنا؟
ابتسمت زينب
طبعًا.
جلست نور وبدأت ترسم.
وبعد قليل، نظرت زينب إلى الرسم.
كانت الطفلة قد رسمت بيتًا كبيرًا، وبجواره شجرة، وتحت الشجرة عدد كبير من الأشخاص.
سألتها
مين دول؟
قالت نور
دي عيلتي.
سألتها زينب
فين عيلتك؟
قالت
مش عندي عيلة حقيقية.
ثم أشارت إلى الرسم.
بس نفسي يكون عندي ناس أفضلهم.
تأثرت زينب، لكنها لم تظهر حزنها.
قالت
العيلة مش دايمًا بتبدأ بالقرابة.
أحيانًا بتبدأ بشخص يقرر يفضل موجود.
رفعت نور عينيها إليها.
إنتِ هتفضلي موجودة؟
قالت زينب
أيوه.
ومرت الأيام.
بدأت نور تتغير.
أصبحت أكثر ثقة.
تفوقت في دراستها.
وكانت كلما نجحت في شيء، تذهب إلى زينب وتخبرها.
وبعد سنوات، أصبحت نور من المتفوقات في مدرستها.
وفي يوم تخرجها من الجامعة، عادت إلى المركز.
كانت تحمل شهادة في يدها.
وقالت
أنا رجعت.
ابتسمت زينب
كنتِ عارفة إنك هترجعي.
قالت نور
أنا ما رجعتش عشان أشكرك.
سألتها زينب
أمال؟
قالت
رجعت عشان أشتغل هنا.
ضحكت زينب.
إنتِ اتخرجتي عشان تشتغلي في المركز؟
قالت نور
أنا اتخرجت عشان أقدر أساعد أطفال زيي.
نظرت زينب إلى صورة جدتها.
وقالت
هي كانت هتفرح بيكي.
مرت سنوات أخرى.
وأصبح نور لها دور أساسي في المؤسسة.
كانت تتابع الأطفال الجدد، وتساعدهم في التعليم، وتكتب خططًا لمستقبلهم.
وفي أحد الأيام، اكتشفت نور غرفة قديمة لم يدخلها أحد منذ سنوات.
كانت مليئة بالملفات والصور.
وبين الأوراق وجدت رسالة قديمة جدًا.
كان مكتوبًا عليها
إلى الشخص الذي سيجد هذه الرسالة.
فتحتها.
كان خط زينب واضحًا.
بدأت تقرأ
لو وصلت الرسالة دي إلى شخص من أحفادي أو إلى شخص يعمل في المكان بعدي، عايزة أقول له حاجة.
ما تحاولش تحافظ على المكان زي ما هو.
خليه يكبر.
غيره.
طوره.
خليه يناسب الأطفال اللي هييجوا بعدنا.
لأن الحياة بتتغير، واحتياجات الناس بتتغير.
وفي نهاية الرسالة
المهم إن الفكرة تفضل زي ما هي.
قرأتها نور أكثر من مرة.
ثم ذهبت إلى زينب الصغيرة.
قالت
لقيت حاجة.
وأعطتها الرسالة.
قرأتها زينب، ثم ابتسمت.
قالت
دي فعلًا جدتي.
سألت نور
هنعمل إيه؟
قالت زينب
هننفذ كلامها.
وبدأوا مشروعًا جديدًا.
أنشأوا قسمًا لتعليم التكنولوجيا للأطفال.
ثم قسمًا لتدريبهم على المهارات العملية.
ثم برنامجًا لمساعدة الأطفال على اكتشاف مواهبهم.
ومع كل مشروع جديد، كانوا يضعون في المدخل صورة صغيرة لزينب.
ليس لتذكير الناس بالماضي.
بل لتذكيرهم بسبب البداية.
وفي أحد الأيام، جاء ياسين إلى المؤسسة.
كان يمشي ببطء، لكنه كان سعيدًا.
دخل إلى قاعة الأطفال.
وجدهم يتعلمون على أجهزة الكمبيوتر.
نظر إلى زينب وقال
جدتك لو شافت ده، كانت هتندهش.
ضحكت.
كانت هتسألنا ليه اتأخرنا.
ضحك ياسين.
ثم جلس وسط الأطفال.
قال لهم
مين فيكم عايز يبقى مهندس؟
رفع طفل يده.
ومين عايز يبقى دكتور؟
رفعت طفلة يدها.
ومين عايز يعمل حاجة محدش عملها قبل كده؟
رفع طفل صغير يده وقال
أنا.
ضحك الجميع.
قال ياسين
يبقى أنت اللي إحنا مستنيينك.
في المساء، اجتمع أفراد العائلة تحت شجرة زينب.
كانوا كبارًا في السن، وأطفالًا، وأحفادًا، وأحفاد أحفاد.
قال أحد الأحفاد
هو إحنا هنفضل نعمل ده لحد إمتى؟
نظر إليه ياسين.
ثم ابتسم.
لحد ما ييجي جيل بعدنا يقول نفس السؤال.
ضحك الجميع.
ثم قالت زينب الصغيرة
والجيل ده هيرد بنفس الإجابة.
نظروا إلى الشجرة.
كانت أغصانها قد أصبحت واسعة جدًا.
فقال
متابعة القراءة