روايه زهرة الربيع
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
أوضتي عبارة عن "حجرة" تحت السلم، مفيهاش شباك، والكهرباء فيها يا دوب.
بيتهم ٥ غرف: غرفة ليهم، وغرفة لأختي، وغرفة صالون، وغرفة هدوم لمرات أبويا، وغرفة "متحف" لأختي.. وأنا "القبو".
الباب خبط وفتحت ليلى: "يا نور، غسلتلك شوية عنب، كلي يا حبيبتي."
العنب كان دبلان ومنشف، افتكرت أختي لما دقت منه وقالت "ياع! ده حامض ومزز!"
الحاجات اللي أختي بتحبها بياكلوها، واللي هي بترميها بيجيبوهولي.
رمت الـ ٢٠٠٠ جنيه في إيدي وقالت: "معيش غيرهم، دول اللي قدرت أطلعهم لك."
بصيت لضوافرها اللي لسه عاملة مانيكير أحمر صارخ، وقلت ببرود: "مش عايزة شفقة."
أبويا دخل خطف الفلوس من إيدي:
"انتي بتدلعها كتير يا ليلى! من هنا ورايح، مفيش جنيه هيطلع من البيت ده، عشان تعرف قيمتها!"
ورمى طبق العنب على الأرض وداس عليه برجله:
"مفيش أكل النهاردة، خليكي جعانة عشان تتعلمي الأدب!"
كنت بلملم هدومي وأنا بعيط، موبايلي رن تاني، رقم البنك.
"يا فندم هل حضرتك الأستاذة نور؟ الوديعة اللي باسمك ومبلغها ٨٠٠ ألف جنيه من ١٠ سنين، محتاجة تجدديها؟"
"انتوا متأكدين؟ أنا مكنش عندي غير ٨ سنين وقتها!"
رد الموظف: "الأستاذة 'سعاد' (أمي) هي اللي حطت المبلغ باسمك.
سعاد.. اسم أمي.
حضنت صورتها اللي تحت المخدة، وقلت بصوت واطي:
"ممكن أسحب المبلغ ده دلوقتي؟"
مسحت دموعي، وخدت بطاقتي، وخرجت من باب البيت..واللي عملته علمهم درس عمرهم ما هينسوه ......
خرجت من باب البيت وأنا حاسة ببركان بيغلي جوايا، مش بس من الظلم، لأ، من "الاستحقاق" اللي في عينيهم. ركبت أول تاكسي، مش للسكن، لكن للبنك الرئيسي. هناك، اتأكدت إن المبلغ حقيقي.. أمي كانت عبقرية، سابتلي "طوق نجاة" في الوقت اللي كانوا هما بيحاولوا فيه يغرقوني.
سحبت المبلغ، وقررت إن الانتقام مش بس بالفلوس، الانتقام باللي هيحرق قلبهم أكتر: "حرمانهم من كل حاجة بيفتخروا بيها."
رجعت البيت بليل، ولقيتهم قاعدين بيجهزوا شنط سفرهم عشان حفلة أختي. أبويا شافني بـ "الشنطة القديمة" اللي مشيوني بيها، فضحك بسخرية:
"إيه يا ست نور؟ رجعتي ليه؟ نسيتي اللبن الفاسد؟"
بصيتله ببرود، ورميت ورقة "كشف الحساب" اللي طبعتها من البنك على الطاولة قدامهم. ساد الصمت، ليلى وسعت عينيها وبصت للرقم، وأبويا اتنحت في مكانه، الدم هرب من وشه.
بدأت أتحرك في البيت زي القاضي اللي بيصدر الحكم. طلعت أوراق تانية من شنطتي: "ده عقد ملكية البيت ده، اللي أمي اشترته بفلوسها،
فجأة، تحول المشهد تماماً. "ليلى" اللي كانت بتتمختر، رمت نفسها على الأرض ومسكت في رجلي وهي بتنتحب:
"نور يا حبيبتي.. يا بنتي! انتي عارفة إني كنت بحبك، ده كان هزار، واللبن ده.. والله كنت فاكرة إنه طازة! سامحينا يا نور، إحنا أهلك، ده أبوكي يا بنتي!"
أبويا، اللي كان من دقيقة بيحاول يرفع إيده يضربني، فجأة وشّه اصفر، وبدأ صوته يترعش:
"نور.. يا بنتي.. اسمعيني.. إحنا غلطنا، كان شيطان ودخل بينا. بصي، أنا هكتبلك تنازل عن كل حاجة، وهعامل أختك زيك، بس بلاش الفضيحة دي، بلاش تطردينا في الشارع، احنا عيلتك!"
بصيتلهم وهما في الحالة دي، وحسيت بنشوة غريبة. وقفت قدامهم، وأنا في قمة هدوئي:
"عيلتي؟ فين 'العيلة' لما كنت بشتغل بليل وأنا لسه طفلة؟ فين 'العيلة' لما كنت باكل العنب الدبلان بتاعكم؟ فين 'العيلة' لما كنتوا بتستخسروا فيا ٢٠٠٠ جنيه عشان أشيل شامة مشوهة وشي، وبتدفعوا أضعافها في حفلات وتذاكر؟"
أختي وقفت في ركن وبدأت تعيط وتتوسل: "نور، أنا ماليش ذنب، والنبي بلاش تطلعينا من البيت!"
رديت عليها بصوت حاد: "البيت ده كان لازم يبقى فيه 'متحف' ليكي،
أبويا حاول يقرب مني تاني، فرفعت تليفوني:
"لو قربت خطوة واحدة، الفيديو ده، اللي سجلته لكل كلمة قولتوها دلوقتي عن استغلالكم ليا، هينتشر في كل مكان، وهبلغ الشرطة عن التهديدات اللي اتعرضت لها. قدامكم ساعة واحدة، تلموا فيها هدومكم الشخصية وبس. أي قطعة أثاث أو دهب زيادة.. هعتبره سرقة."
سيبتهم غرقانين في انهيارهم، وطلعت أوضتي -اللي كانت القبو- ولميت حاجتي البسيطة. قبل ما أمشي، بصيت لليلى اللي كانت بتحاول تلم دهبها:
"سيبيه.. الدهب ده اللي اشترتيه بفلوس أمي، مكانه هنا، هيتباع ويتحط في حساب تعليمي. اطلعي بهدومك وبس."
مشيت وسبتهم في البيت اللي كان يوماً ما "سجن"، وأنا حاسة إن الوزن اللي كان على صدري اتزاح. بعد شهر، كنت في عيادة كبرى، شلت الشامة، ووشي بقى صافي.
أما هما؟ فسمعت إنهم اضطروا يسكنوا في غرفة واحدة في منطقة شعبية، وأبويا بقى بيشتغل في الورشة اللي كان بيتنمر على أصحابها، وليلى بقت بتمسح السلالم عشان تعيش.
"الدرس اللي اتعلموه مش إن الفلوس بتغير الناس، الدرس إن الظلم له أوان، والقدر لما بيحط في إيدك السلاح، مش لازم