روايه كـفايه تحكـم.. بقلم منــال عـلـي
"أنا مش قولت لك مية مرة تعرفيني لما تروحي للدكتور؟!"
حماتها اقتحمت الشقة زي العاصفة، بعد ما "فاعله خير" واحدة من الجيران الحشريي وبلغتها إنها شافتنى في العيادة.
"أنا مش منبهة عليكي تبلغيني قبل ما تخطي عتبة البيت؟ إيه اللي خلاكي تخبي ومتنطقيش؟!".. صوت "الست روحية" كان عالي وشق سكون المساء في الشقة وكأنه سرينة إنذار.
بقلم منــال عـلـي
منى وقفت مكانها مذهولة، والشنطة لسه في إيدها. كانت لسه واصلة من عيادة النسا، ومعاها الخبر اللي مستنياه.. هي حامل! تلات شهور.. لسه في الأول خالص، مفيش حاجة باينة، بس جواها روح جديدة وصغيرة بتبدأ تتكون. كان نفسها ترتاح شوية وتعمل كوباية شاي، وتقعد تفكر بهدوء إزاي تبلغ جوزها بالميعاد.. بس طبعاً حماتها، كالعادة، بتظهر في الوقت اللي مفيش حد يتوقعها فيه متوفره على روايات واقتباسات حماتها روحية كانت واقفة في نص الطرقة بـ "التايير" الرمادي بتاعها، اللي بيخليها شبه مديرة مدرسة قديمة وصارمة. وفي إيدها الميدالية.. مفاتيح الشقة الخاصة بيها، اللي بتخليها تدخل في أي وقت على مزاجها. كانت عينيها بتفحص منى بنظرة كلها لوم وكأنها عاملة مصيبة. بقلم منال علي
"صباح الخير يا طنط"، قالت منى وهي بتحاول تبلع ريقها بالعافية. "ده كان كشف عادي والله.. مفيش حاجة تقلق."
"مفيش حاجة تقلق؟!".. الست روحية قربت منها خطوة، وريحة عطرها القوية خنقت المكان. "إنتي شايلة حفيدي وتقوليلي مفيش حاجة؟ الدكتور قال إيه؟ والتحاليل فين؟ وليه أعرف من الجيران إنك كنتِ هناك؟"
منى
"وريني التحاليل دي"، قالتها بلهجة أمر مفيهاش نقاش.
"التحاليل شالها الدكتور عنده في الملف"، ردت منى بهدوء.
"ما تشتغلنيش بيا يا منى! الدكاترة بيدوا نسخ! إنتي مخبية إيه بالظبط؟ الواد فيه حاجة؟"
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل أحمد. هو طويل وعريض، بس أول ما شاف أمه.. هيبته "راحت" وبان عليه الارتباك.
"ماما؟ إيه اللي جابك من غير ما تقولي؟"
"جاية أشوف الهانم! اللي شايفة إن ملوش لزوم تعرفني بحالتها!" قالتها بنبرة درامية وكأنها هتعيط. "يا أحمد، راحت للدكتور ومقالتش! وكمان مش عاوزة توريني التحاليل!"
أحمد بص لمراته وبعدين لأمه.. منى شافت الصراع في عينيه، ما بين إنه يحميها وبين خوفه من زعل أمه. وكالعادة، الخوف هو اللي كسب.
"يا منى.. خلاص بقى، ورّي ماما الورق عشان تطمن وتهدى. إيه المشكلة يعني؟"
الكلمة دي وجعت منى أكتر من أي اتهام. حست إن في حاجة انكسرت جواها فعلاً. بقلم منــال عـلـي
"يا أحمد، دي خصوصيات طبية.. مش من حق حد يشوفها غيرنا."
"مش من حق حد؟!".. الست روحية رفعت إيديها للسما. "إنتي شايلة وريث العيلة وبتقولي كدة؟ ده لولاي أنا كان زمانك لسه بتلفي في شقق الإيجار!"
وهنا طلع السلاح المعتاد: الشقة. الشقة اللي اشترتها من خمس سنين وكتبتها باسم ابنها، بس فضلت محتفظة بالمفاتيح، وحولتها لقفص دهبي بتتحكم فيه فيهم.
"ماما خلاص بقى.." أحمد حاول يهديها بتردد.
"خلاص إيه؟ لازم تعرف مقامها!
منى حست ببرود غريب سكن قلبها. تلات سنين وهي صابرة، وبتحاول تمشي الدنيا عشان خاطر "البيت". بس دلوقتي، ومع النفس الجديد اللي جواها.. حست إن "خلاص" هي الكلمة الوحيدة اللي باقية.
"عندك حق يا ست روحية"، قالت منى بصوت هادي بس قوي جداً. "معاكي حق.. الشقة شقتك، وإنتي اللي اشتريتيها. بس في حاجة إنتي مش واخدة بالك منها."
بصتلها في عينيها مباشرة:
"خلال التلات سنين اللي فاتوا، أنا اللي بدفع الفواتير، وأنا اللي بملى البيت أكل وشرب، وأنا اللي بصلح أي حاجة تبوظ، وأنا اللي جددت المطبخ والحمام وفرشت العفش ده كله من تعبي. لو حسبناها بالورقة والقلم، أنا صرفت على الشقة دي قد ما إنتي دفعتي فيها بالظبط."
وش الست روحية احمر من الغضب: "إنتي بتعدي عليا فلوسي يا منى؟"
"مش فلوسك.. دي فلوسي أنا. أنا اللي بشتغل وبتعب. ابنك مرتبه 5 ألف، وأنا بدخل 30 الف.. وكله بيروح للبيت ده."
"يا أحمد! سامع مراتك بتذلني إزاي؟!" صرخت الست روحية.
أحمد فضل ساكت وعينه في الأرض.
"أنا تعبت يا أحمد"، قالت منى. "تعبت من التحكم، ومن الدخول المفاجئ، ومن إني لازم أقدم كشف حساب عن كل نَفَس باخده."
"مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل! اطلعي بره!" صرخت الحماة. "بس الحفيد هيفضل هنا! ده ابني مش هسيبك تاخديه!"
دي كانت القشة اللي قطعت حبال الصبر.
"الطفل ده مش حاجة بتتساب أو تتاخد يا طنط.. وموش ملك لحد غير أمه."
"نشوف المحكمة هتقول إيه! أنا فلوسي ومعارفي يهدوا جبال!"
"ماما كفاية!" أحمد صرخ أخيراً.
بس منى
"دي كل الفواتير والإيصالات بتاعة التلات سنين. المجموع نص مليون جنيه."
وطلعت ورقة تانية:
"وده عقد شقة إيجار أنا أجرتها من أسبوع. صغيرة.. بس بتاعتي. محدش يدخلها من غير إذني. هكمل حملي فيها بسلام."
أحمد ذهب: "أجرتي شقة؟ إمتى؟ وليه؟"
"لما مامتك دخلت المرة اللي فاتت من غير استئذان. عرفت إني مش هعرف أعيش كدة."
بصتله بوضوح: "أنا مش هكون لوحدي، هكون مع ابننا. السؤال هنا: إنت هتكون معانا؟"
السكوت ساد المكان.
"إنتي بتخيريني يا منى؟" سأل بوجع.
"بخيرك تبني عيلتك.. أو تفضل هنا مع مامتك. أنا عندي شغلي، وعندي فلوسي، وعندي كرامتي."
شالت شنطتها واتجهت للباب.
"قدامك لحد بكرة يا أحمد.. فكر إيه الأهم: رضا مامتك ولا عيلتك."
ومشيت.
أحمد وقف ساكت، وبص لأمه وقال: "مش هترجع.. عشان هي أقوى مني."
وبعد صراع طويل، لم هدومه وقال: "أنا رايح لمراتي.. رايح لعيلتي."
ساب أمه في الشقة الواسعة، اللي فجأة بقت هادية وفاضية بشكل يوجع.
تاني يوم، راح لمنى. وقفت تبص له كتير، وبعدين قالت: "جيت يا أحمد."
"سامحيني.. إديني فرصة أكون الراجل اللي تستحقيه."
سكتت شوية، وبعدين قالت: "اتفضل ادخل.. خلينا نتكلم."
مر شهرين.. الست روحية مكلمتهمش. فضلت مستنية.. بس هما مرجعوش.
أما أحمد، كان بيبص لموبايله أحياناً وهو بيفكر في أمه، وبعدين يبص لمنى وبطنها اللي بدأت تبان، ويعرف إنه اختار الطريق الصح.
والست روحية، فضلت قاعدة في شقتها الفاضية، مستنية رنة تليفون مش هتيجي.. وعرف في أعماقها إنها خسرت