روايه مفاجأة رجوعي للبيت

لمحة نيوز

داني وقف مكانه مش قادر يستوعب الجملة اللي ضربته في دماغه زي الطوبة دول ولادك يا دانيال.. مسجلين باسمك في شهادات الميلاد!
حاسس إن الأرض مش ثابتة تحته، وإن كل اللي عاشه في 9 سنين فجأة اتقلب في ثانية واحدة.
بص لأمه صفية اللي كانت واقفة قدامه، عينيها مليانة دموع وخوف وارتباك، وقال بصوت مكسور
إزاي يا أمي؟ أنا ماكنتش هنا أصلاً إزاي يبقى ليا أولاد؟ وإيه الورق ده؟
الطفلين واقفين وراها، واحد ماسك التاني، وبصين له بفضول وخوف بسيط، كأنهم مش فاهمين إيه اللي بيحصل، بس حسّين إن في حاجة كبيرة بتحصل حوالين اسمهم.
صفية خدت نفس طويل، وقعدت على الكرسي القديم جنب الباب، وقالت
اقعد يا داني لازم تسمع للآخر.
داني قعد غصب عنه، قلبه بيدق، ومش عارف يصدق ولا يرفض يسمع.
قالت صفية
من حوالي 6 سنين، حصل حادث كبير في البلد هنا بيت اتحرق في آخر الشارع، والبيت ده كان فيه طفلين اتنين اتقذوا بصعوبة. مكنش في حد يعرف لهم أهل، ولا اسم، ولا أي حاجة. الحكومة جابتهم عندي فترة مؤقتة لحد ما يتم البحث عن أهاليهم وأنا وقتها كنت عايشة لوحدي ومكنتش قادرة أسيبهم في الشارع.
سكتت لحظة ومسحت دموعها وكملت
وأنت كنت مسافر، ومش عارف عني حاجة تقريبًا كانوا بييجوا يسألوني عليهم من الرعاية الاجتماعية، وأنا كنت بخاف يتنقلوا لدار ويتعذبوا هناك فحاولت أساعدهم

بأي طريقة قانونية أقدر عليها.
داني قاطعها بسرعة
بس إزاي اتسجلوا باسمي؟!
صفية نزلت عينيها وقالت
أنا مكنتش قاصدة أعمل كده من غير ما تفهم بس كان في ورق بيتطلب وجود اسم أب عشان الإجراءات تمشي، ووقت ما اتأخرت الأخبار عنك، كانوا بيقولوا لازم مسؤول قانوني واضح وأنا استخدمت اسمك لأنك ابني، واسمك كان الوحيد اللي عندي ثابت في الورق وماكنتش متوقعة إنك تتأخر كل السنين دي.
داني سكت، عينه بتلف بين أمه والطفلين، والغضب جواه بيخبط في الحيرة.
قال
يعني أنا دلوقتي أبوهم في الورق بس؟
صفية هزت راسها بسرعة
لا يا داني هما مش كده. أنا ربيتهم كأنهم أمانة، وكل يوم كنت بدعي إنك ترجع وتقرر بنفسك. أنا عمرى ما قلت لهم إنك أبوهم الحقيقي كنت بقولهم إنك مسافر شغل وهترجع.
في اللحظة دي، الطفل الأكبر قرب منه بخطوات صغيرة، وقال بصوت بريء
هو حضرتك دانيال؟ تيتة بتقول إنك راجع من السفر إحنا كنا بنستناك.
الكلمات دخلت قلبه بطريقة غريبة، خليط بين وجع وحنية وارتباك.
بص له داني وسأله بهدوء
اسمك إيه؟
قال الطفل
آدم وده أخويا سليم.
داني ابتسم ابتسامة متوترة، مش فاهم ليه قلبه بيرتجف بالشكل ده، كأنه شاف نفسه فيهم.
سليم كان لسه ماسك طرف هدوم أخوه، وبص له وقال
هو إحنا هنفضل مع تيتة ولا هتروح بينا مكان تاني؟
الجملة دي كسرت حاجة جواه.
داني بص لأمه وقال
ليه
ماقولتيليش في التليفون؟ ليه سيبتي الموضوع يكبر كده؟ أنا كنت هرجع في أي وقت لو كنت عارف!
صفية بصت له بحزن وقالت
كنت بتقول هترجع لما تخلص شغلك وكل مرة كنت بتأجل. وأنا كنت بخاف أضغط عليك، وبخاف كمان أخسر الولاد دول لو اتنقلوا لدار كنت في نص نارين يا ابني.
سكت داني، وبص للبيت اللي كان بيحلم يرجعله يلاقيه زي ما هو، بس لقى جواه حياة جديدة مش عارف يبدأها إزاي.
قام وقف، وراح ناحية الشباك، وبص على الشارع القديم اللي ما اتغيرش كتير، وقال بصوت واطي
أنا كنت فاكر إني راجع أرتاح طلعت راجع أبدأ من أول وجديد.
مر يومين وداني كان قاعد في البيت بيتفرج على كل تفصيلة في حياة الأطفال ضحكهم، لعبهم، أسئلتهم الكتير، خوفهم الأول منه، وبعدها فضولهم، وبعدها تعلقهم التدريجي.
كان بيصحى الصبح يلاقي سليم نايم جنبه على الكنبة، وآدم بيحاول يرسم له رسومات صغيرة ويقول ده بيتنا لما نبقى عيلة كاملة.
كل حاجة كانت بتتغير جواه بدون ما يحس.
وفي يوم، قرر يروح يشوف الأوراق بنفسه، وفهم الحقيقة الكاملة الأطفال كانوا فعلاً ضحايا حادث قديم، وكل الإجراءات كانت قانونية مؤقتة باسم رعاية، وإن أمه كانت مجرد وصي مؤقت لحمايتهم، وإن اسمه اتحط كحل إداري عشان يسهل الاستلام والتسجيل في غيابه.
رجع البيت وهو مش غضبان لكنه متلخبط أكتر.
دخل على أمه وقال
أنا شفت
الورق فهمت كل حاجة.
صفية بصت له بقلق
وإيه قرارك؟
سكت لحظة طويلة، وبص للأطفال اللي كانوا بيلعبوا في الأرض، وقال
أنا سافرت 9 سنين عشان أبقى راجل عنده حاجة بس واضح إن الحاجة الحقيقية كانت هنا.
قرب من الأطفال، وجثا على ركبته قدامهم وقال
أنا مش عارف أكون أبوكم فجأة بس لو تسمحولي، أتعلم أكون حد في حياتكم.
آدم ابتسم وقال
يعني هتفضل معانا؟
سليم جري عليه وحضنه بدون تردد.
وفي اللحظة دي، داني حس إن كل الفلوس والمناصب والنجاح اللي كان شايله، مايساويش لحظة حضن واحدة.
عدت شهور وداني بدأ يعيد ترتيب حياته. ما بقاش بس راجع من سفر، بقى أب بيتعلم كل يوم، وابن بيرجع لأمه، ورجل بيبني بيت جديد بمعنى مختلف تمامًا.
وفي آخر مشهد في القصة، كان قاعد في نفس البيت القديم، بس المرة دي الأطفال نايمين حواليه، وأمه قاعدة بتبص عليهم بابتسامة هادية.
داني قال بهدوء
أنا رجعت من الغربة بس طلع أجمل غربة كنت فيها هي اللي علمتني أرجع لنفسي هنا.
وابتسم لأول مرة بصدق من قلبه.
بعد ما داني استقر لأول مرة مع الأطفال في البيت القديم، كان فاكر إن الحياة أخيراً بدأت تهدى لكن الهدوء ده ما استمرش كتير.
في صباح يوم عادي، وهو قاعد في البلكونة بيشرب قهوة، سمع خبط عنيف على الباب.
صفية بصت له بقلق وقالت
مش مطمناني الخبطة دي
داني قام وفتح الباب، لقى راجل
لابس بدلة رسمية ومعاه ملف كبير، ووراهم ستينيات شاب واقف شكله
 

تم نسخ الرابط