روايه فـخ البيـت بيـتك بقلـم منـي السـيد
«إنتي عايشة في شقتي، ومنعمة في خيري.. معقول كمان عايزاني أدفع تمن الأكل والشرب؟!»
نطقها "أيمن" ببرود وهو باصص في موبايله، وكأن الكلمة عادية وما بتهدش سقف البيت فوق راس مراته "ليلى".
«يا ليلى افهمي»، كرر جملته وكأنه بيشرح بديهيات لطفلة صغيرة: «إنتي قاعدة معايا في ملكي، لا بتدفعي إيجار ولا نور ولا مية.. يبقى منطقي جداً إن مصاريف الأكل عليكي إنتي، ولا أنا غلطان؟ إحنا متجوزين يعني بنشيل بعض، وأنا شايل عنك بند السكن تماماً.»
ليلى اتسمرت مكانها قدام البوتاجاز، المعلقة الخشب في إيدها كأنها اتجمدت، وعقلها مش قادر يستوعب اللي لسه سامعاه من "جوزها". السفرة وراها كانت غرقانة في أطباق فاضية، والحوض كوم مواعين ما بيخلصش. التلاجة كانت مواربة، بتبين رفوف شبه خاوية: برطمان مايونيز، بيضتين، وحتة جبنة ناشفة. ريحة البصل المحمر كانت مالية المطبخ، بس معاها ريحة تانية بدأت تظهر.. ريحة خذلان، وانكسار حلم "بيت الزوجية" اللي كانت فكراه أمان.
أيمن كان قاعد على السفرة، بيهز رجله بانتظام وهو بيلعب في الموبايل. قميصه مكوي، شعره متسرح بدقة، متوفرة على روايات و اقتباسات وإيده ناعمة ومترتبة. راجل وسيم، الشخص اللي اختارته يشاركها العمر. مرفعش عينه فيها وهو بيرمي الكلام السم ده، كأنه بيعلق على حالة الجو.
ليلى لفت ببطء، لسه ماسكة المعلقة وضاماها لصدرها. مريلة المطبخ اللي لابساها—وكانت هدية من والدتها يوم "الصباحية"—عليها رسومات كرز صغيرة بتضحك.. مريلة "الزوجة السعيدة".
«إنت بتقول إيه يا أيمن؟» صوتها
تنهد أيمن بضيق، ساب الموبايل وبصلها بملل:
«بقول إني مش فاهم إنتي بتشتكي من إيه؟ إنتي هنا ملكة في شقة تمنها ملايين، عايشة "بلاش". وفرتي الإيجار اللي كنتي بتدفعيه زمان في شقتك القديمة.. فمش معقول كمان تستخسري تمن اللقمة اللي بناكلها سوا في بيتنا.»
فلاش باك (البدايات)
ليلى كانت عايشة في شقة "إيجار قديم" في مصر الجديدة، كانت مملكتها الصغيرة، بتدفع إيجارها ومصاريفها، ومرتبها من دار النشر بيكفيها ويفيض. أيمن لما اتقدم لها، كان بيبان "كريم المشاعر" وذوق جداً.
«ليه تضيعي فلوسك في إيجار؟» قالها أيمن قبل الفرح: «أنا شقتي جاهزة في التجمع، واسعة وهتكون مملكتك. إحنا لازم نوفر عشان نبني مستقبلنا.»
ليلى ما فكرتش كتير.. وافقت، واتجوزوا في فرح جميل. ويوم النقل، الحاجة زينب (حماتها) وصتها: «يا ليلى يا بنتي، الشقة شقتك، وعايزينها دايماً عمرانة بخيرك.»
ليلى بدأت تفرش روحها في كل ركن. ستاير رقيقة، رصت كتبها، وعلقت صور فرحهم في كل حتة.
«إنتي حولتي الشقة لعش حب بجد»، كان أيمن بيقولها وهو بيحضنها.
«مش مضايقك إني بغير في الديكور؟»
«أبداً.. اعملي اللي تحبيه، البيت بيتك يا حبيبتي.»
الواقع المر
بعد شهرين جواز، بدأت ليلى تلاحظ إن مرتبها (15 ألف جنيه) بيخلص في أول 10 أيام. أيمن "أكيل" جداً، بيحب اللحمة والطيور والحلويات والفاكهة أنواع.
«اللحمة غليت قوي يا أيمن»، كانت بتقوله.
«يعني أموت من الجوع في
كانت بتسكت، وتنزل تجيب أحسن الأنواع من جيبها.
أيمن كان بيقبض ضعف مرتبها، بس فلوسه كانت لنفسه: أحدث "لابتوب"، اشتراكات ألعاب، خروجات مع صحابه في أماكن غالية. ولما تطلب منه مساعدة في مصاريف البيت، يتحجج بأقساط الشقة أو يقولها: «ما إنتي اللي بتخلصي فلوسك في السوبر ماركت، متبذرة!»
ليلى كانت بتصحى الفجر تحضر الفطار، تروح شغلها، وترجع تقف في المطبخ للساعة 7 عشان "الأستاذ" يلاقي الغدا سخن. وهو؟ مبيشيلش حتى طبق من قدامه.
المواجهة الكبرى
في اليوم ده، ليلى رجعت هلكانة، دخلت لقت أيمن ممدد على الكنبة.
«العشا إيه النهاردة؟»
ليلى رمت شنطتها بتعب: «مفيش عشا يا أيمن.. مفيش مليم في المحفظة، والتلاجة مفيهاش غير مية.»
أيمن اتعدل بضيق: «إيه الإهمال ده؟ فين فلوسك؟»
«في بطنك يا أيمن! في منظفات البيت، في أكل لوزة القطة، في الفطار اللي بتاخده معاك الشغل.. ممكن بقى تطلع فيزا المشتريات بتاعتك وتجيب لنا أكل؟»
بقلم منــي الـسـيد
وهنا نطق جملته الرصاصة:
«وأجيب ليه؟ إنتي عايشة في شقتي يا ليلى.. ببلاش. أنا اللي شايل السكن، وإنتي عليكي المعيشة. ده المنطق والأصول، ولا عايزاني أدفع في الناحيتين وانتي تتفرجي؟»
ليلى حست إن كيانها كـ "زوجة" اتهان. هي مش شريكة، هي "نزيلة" بتدفع تمن إقامتها "خدمة وأكل".
«أصول؟» صرخت فيه والدموع في عينها: «الأصول إن الراجل هو اللي بيصرف على بيته ومراته، والست لو ساعدت تبقى جدعنة منها.. مش تفرض عليا إني أصرف مرتبى كله عشان حضرتك توفر فلوسك لنفسك!
هز أيمن كتافه ببرود: «أمي عملت كده مع أبويا وعمرها ما اشتكت.»
ليلى ما نامتش الليلة دي. شالت صور الفرح من على التلاجة، متوفرة على روايات و اقتباسات وبصت لشكلها في المراية.. لقت نفسها دبلت.
على الفجر، ليلى كانت خدت قرارها. لمت هدومها في الشنطة الكبيرة، وحطت "لوزة" في شنطتها.
أيمن صحي لقاها عند الباب.
«إيه ده؟ رايحة فين على الصبح؟»
«رايحة بيتنا يا أيمن.. بيت أبويا اللي مبيعايرنيش باللقمة.»
«انتي مجنونة؟ عايزة تطلقي عشان خناقة على أكل؟»
«لا.. عايزة أطلق عشان اكتشفت إني متجوزة "صاحب سكن" مش "زوج".. إنت متبصليش كإنسانة، إنت باصصلي كصفقة موفرة ليك. خلي الشقة تشبع بيك، وخلي فلوسك تنفعك.»
النهاية
ليلى رجعت لبيت أهلها في الضاهر. والدها استقبلها بحضن كبير، وأمها طبطبت عليها وقالتلها: «يا بنتي الراجل اللي يحاسب مراته على اللقمة ميتعاشرش.»
بعد شهور، ليلى استردت عافيتها النفسية، ورجعت شقتها القديمة اللي كانت مأجراها، متوفرة على روايات و اقتباسات ورجعت تحوش وتعيش لنفسها.
في يوم، وهي في دار النشر، زميلها "أحمد" جاب لها كتاب جديد: «الكتاب ده فيه فصل عن "الاستقلال"، فكرت فيكي وأنا بقرأه.»
ابتسمت ليلى وحست لأول مرة إنها حرة.. متوفرة على روايات و اقتباسات مش بس من أيمن، لكن من فكرة إن الست لازم تستحمل "الإهانة" عشان متخربش بيتها.
البيت الحقيقي هو اللي فيه "رحمة"، مش اللي فيه "دفاتر حسابات".
هل تحب أن نعدل مشهد النهاية ليكون أكثر حدة في المواجهة، أم أن هذا الهدوء في الرحيل
بقلم منــي الـسـيد