روايه فقدت توأمي بقلم مني السيد

لمحة نيوز

ولادتي كانت صعبة جداً، حرفياً كنت بين الحياة والموت. خلفت بنتين زي القمر، توأم، "آية" و"أروى".
كانوا نسخة مني، حتى ورثوا عني "اختلاف لون العينين"، واحدة عينيها ملونة والتانية سوداء، ميزة نادرة خلتني أحس إنهم حتة من روحي قبل ما يكونوا حتة من جسمي.

بقلم منــي الـسـيد 
لكن الفرحة ما كملتش.. البنات اتأخدوا مني فوراً للحضانة، وأنا دخلت في دوامة عمليات جراحية صعبة وفترة نقاهة طويلة. لما فقت أخيراً، الصدمة كانت فوق احتمالي.. الدكاترة قالوا لي: "البقاء لله.. التوأم توفوا سكتة قلبية مفاجئة."
ما لحقتش حتى أودعهم ولا أحضر جنازتهم. ومن يومها، متوفرة على روايات و اقتباسات حياتي اتدمرت؛ جوزي سابني وطلقني في عز وجعي، وبقيت لوحدي تماماً.
خمس سنين عدوا وأنا كل يوم بحلم بيهم.. بسمع صوت عياطهم في ودني، وكأنهم بينادوا عليا: "يا ماما تعالي خدينا". الدكاترة النفسيين قالوا لي ده مجرد "وهم" ناتج عن الصدمة والجرح اللي ما لئمش.
عشان أهرب من الذكريات، سيبت بلدي ورحت القاهرة، واشتغلت مساعدة في حضانة أطفال كبيرة. وفي أول يوم شغل ليا، شفت اللي خلى قلبي يقف.. بنتين توأم، نسخة طبق الأصل مني.
حتى اختلاف لون العينين كان هو هو!
البنات أول ما شافوني، اتسمروا مكانهم، وفجأة جريوا عليا بكل قوتهم وهم بيصرخوا: "ماما! يا ماما! أخيراً جيتي؟ إحنا كنا بنادي

عليكي كل يوم عشان تيجي تاخدينا!"
رجليا ما شالتنيش.. عقلي بيقولي مستحيل، بناتي ماتوا وشبعوا موت، والورق الرسمي بيقول كده. لكن قلبي كان بيدق بسرعة غريبة، متوفرة على روايات و اقتباسات والبنات متبتين فيا كأني فعلاً أمهم اللي غابت.
قضيت اليوم كله معاهم، مش قادرة أسيبهم، وكل دقيقة بتعدي بتأكد إن ملامحهم هي ملامحي. لحد ما جه ميعاد الروح، والأم جت تستلمهم.
البنات رفضوا يمشوا معاها، واضطريت أهديهم بالعافية. ما قدرتش أمسك لساني، كان لازم أسألها، قلتلها بصوت مرعوش: "يا مدام، البنات سكر، بس سبحان الله.. فيه شبه غريب وبيني وبينهم، لدرجة إنهم افتكروني مامتهم!"
لكن الكلمة وقفت في زوري.. لما ركزت في وش الست دي، الدنيا لفت بيا. أنا عارفاها! الست دي كانت الممرضة اللي كانت مسؤولة عني يوم الولادة في المستشفى!
ولما نطقت وقالت لي: "أصلهم بيحبوا يتخيلوا كتير يا حبيبتي، يلا يا آية يلا يا أروى.."

بقلم منــي الـسـيد 
ركبي خبطت في بعضها.. نفس الأسماء اللي كنت هسميها لبناتي! وقتها عرفت إن الحكاية وراها سر أسود، وإن ولادي ما ماتوش.. ولادي اتسرقوا.

متوفرة على روايات و اقتباسات
الجزء الثاني: الحقيقة العارية
وقفت قدام باب الشقة، قلبي بيدق لدرجة إني كنت حاسة إن الجيران سامعين صوته. فتح الباب، وظهر "باهر".. طليقي. أول ما شافني، وشه بقى بلون الحيطة،

وهمس برعب:
"كريمة؟! أنتي إيه اللي جابك هنا؟"
ومن وراه ظهرت "إلهام"، الست اللي شفتها في الحضانة، وكانت شايلة طفل رضيع. بصت لباهر ببرود وقالت:
"كويس إنك جيتي يا كريمة.. أهي وصلت يا باهر، عشان نخلص من الكذبة الكبيرة دي."
دخلت الشقة وأنا مش شايفة قدامي غير الصور اللي مالية الحيطان؛ صور "باهر" و"إلهام" في فرحهم، وصور "آية" و"أروى" معاهم في كل مناسبة.. كأنهم عيلة طبيعية، وأنا اللي كنت "الغريبة" أو "الميتة".
إلهام بصت لي وقالت بجمود:
"البنات دول بناتك يا كريمة.. البنات اللي قالوا لك إنهم ماتوا في المستشفى."
باهر صرخ فيها: "أنتي بتقولي إيه؟ أنتي اتجننتي؟"
طلعت موبايلي وإيدي بترتعش وقلت بصوت حاد: "قدامك دقيقة واحدة يا باهر.. يا تنطق بالحقيقة، يا إما هطلب النجدة حالاً. البنات دول بناتي ولا لأ؟"
هنا باهر انهار وقعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، وبدأ يحكي "المصيبة".
اتضح إنه  قبل ما أحمل، ولما ولدت "آية" و"أروى"، حسبها بالورقة والقلم؛ مصاريف ولادة، وعلاج طويل ليا، ونفقة لو اطلقنا.. متوفرة على روايات و اقتباسات قرر إنه مش عاوز يدفع تمن "حياتي".
استغل إني كنت غايبة عن الوعي في العمليات، واتفق مع دكتور وممرضة أصحابه، وزوروا شهادات الوفاة. البنات خرجوا من المستشفى باسم "إلهام" كأنهم بناتها هي، وأنا فوقت على كذبة "موتهم" اللي
صدقتها خمس سنين.
إلهام كملت الحقيقة المرة: "أنا وافقت في الأول، بس لما خلفت ابني ده، مابقتش طايقة وجود بناتك في بيتي.. كنت عاوزة باهر ليا ولابني وبس. عشان كده ورّيت البنات صورتك، وقلت لهم إنك مامتهم الحقيقية، وإنهم لازم يدوروا عليكي."
سمعت صوت خطوتهم على السلم الداخلي.. "آية" و"أروى" جريوا عليا وحضوني.
"كنا عارفين إنك هتيجي يا ماما.. إحنا كنا بنصلي لربنا كل يوم عشان يبعتك لينا."
بست راسهم وقلت لهم: "أنا هنا يا حبايب قلبي.. ومش هسيبكم تاني أبداً."
في اللحظة دي، طلبت البوليس.
باهر اتقبض عليه بتهمة تزوير وخطف، وإلهام اتخدت للتحقيق متوفرة على روايات و اقتباسات ، والدكاترة اللي باعوا ضميرهم واتسببوا في وجع قلبي 5 سنين، اتحكم عليهم وشغلهم ضاع.
الفصل الأخير: شمس جديدة
النهاردة عدى سنة على اليوم ده.
"آية" و"أروى" معايا في حضانتي، بنصحى مع بعض وننام في حضن بعض. عايشين في بيت ماما، البيت اللي فيه "المرجيحة" وشجرة الليمون اللي أروى دايماً بتحاول تتسلقها.
خمس سنين عشتهم وأنا فاكرة إن أجمل حاجة في حياتي انتهت قبل ما تبدأ، الوجع كان مقنعني إن مفيش أمل.
لكن الحقيقة "صبرت" لحد ما ظهرت في عيون بنتين، واحدة عينيها ملونة والتانية سوداء.. جريوا لحضني في يوم عادي جداً في حضانة، عشان يرجعوا لي روحي اللي كانت ضايعة.
والمرة دي.. أنا مش هسيبهم
أبداً.

النهاية بقـلم منـي السـيد 

تم نسخ الرابط