روايه جوزي مفهمني بقلم اماني سيد
رجعت من الشغل، رجلي مش شيلاني، والشنط في إيدي تقيلة كأنها جبال. طلعت السلم درجة درجة وأنا بنهج، وكل خطوة كنت بحسها بتاخد من عمري سنة. دماغي كانت مشغولة بحسابات صغيرة… يا ترى الـ200 جنيه اللي فاضلين في المحفظة يكفّوا لآخر الأسبوع إزاي؟ أجيب بيهم أكل؟ ولا أدفع بيهم مواصلات الشغل؟ ولا أوفرهم يمكن نحتاجهم في حاجة فجأة؟
فتحت باب الشقة بهدوء… لقيته قاعد قدام التليفزيون، حاطط رجل على رجل، وماسك الريموت يقلب بين القنوات وكأنه ملك متوج على عرشه.
أول ما شافني قال بنبرة متعبة:
"الدنيا بقت غالية أوي… الواحد مش عارف يعيش."
حطيت الشنط على الترابيزة وأنا بحاول أخبي تعبي، وسألته:
"تحب أعملك شاي؟"
رد من غير ما يبصلي:
"اعملي… يمكن يروق دماغي شوية."
دخلت المطبخ وأنا بحاول أقنع نفسي إن ده طبيعي… إن التعب ده جزء من الحياة… وإننا الاتنين بنتحمل المسؤولية سوا.
طول الوقت كان بيكرر نفس الجملة:
"الشغل ده ستر لينا… الـ3000 جنيه اللي بقبضهم ما بيعملوش حاجة. لازم تعافري معايا عشان نعيش مستورين."
وكنت بصدقه.
كنت بنزل الشغل كل يوم، أركب مواصلات زحمة، أرجع متبهدلة، وأقول لنفسي:
"معلش… أهو بيعمل اللي يقدر عليه."
كنت بحاول
أقلل الأكل… أقلل الخروج… أقلل حتى احتياجاتي أنا.
عدت سنتين على الحال ده.
سنتين وأنا شايلة نفسي بالعافية، ومقتنعة إن ده نصيبي.
لحد ما اللحظة دي جت.
في يوم عادي جدًا… موبايله رن وهو في الحمام.
الرسالة نورت الشاشة.
لقيت مكتوب:
"تم إيداع 10,000 جنيه في حسابكم."
وقفت مكاني.
عشرة آلاف؟
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قولت يمكن قريت غلط… يمكن مكافأة في الشغل… يمكن رسالة بالغلط.
لكن الفضول غلبني.
فتحت الرسائل القديمة… وقلبي بيدق في ودني.
لقيت تحويلات شهرية ثابتة.
7000 جنيه.
كل شهر.
لواحدة اسمها "وردة".
إيدي بدأت ترجف… وعقلي مش قادر يستوعب.
أنا اللي كنت بتمرمط في الشغل عشان أوفر تمن الأكل…
وهو بيحول أغلب فلوسه لست تانية!
خرج من الحمام… وأنا واقفة قدامه والموبايل في إيدي.
قلت بصوت طالع بالعافية:
"العشرة آلاف دول إيه؟ والسبعة آلاف اللي بتتحول كل شهر دي إيه حكايتها؟"
بصلي بضيق وقال:
"إنتي بتفتشي في موبايلي؟"
قلت وأنا بحاول أتمالك نفسي:
"أنا بسأل…"
رد ببرود:
"دي مساعدة لست أرملة… والصدقة بتطرح بركة."
الكلام كان بسيط… لكن قلبي قال إن فيه حاجة غلط.
حسيت إن الحقيقة أكبر من كده بكتير.
بعد شوية قال
لبس جاكته وخرج.
وقتها لاحظت إن موبايله سايبه على الترابيزة.
وقفت قدامه لحظة… مترددة.
لكن في الآخر فتحته.
دخلت على الصور.
لقيت صور كتير لست اسمها "وردة".
صور في مطاعم…
صور في أماكن فسح…
صور كلها ضحك وسعادة.
كل صورة كانت بتقول حاجة واحدة…
إن في حياة كاملة أنا ماكنتش أعرف عنها حاجة.
قعدت على الأرض والموبايل في إيدي… والدموع نازلة من غير صوت.
كل حاجة في حياتي عدت قدام عيني.
الأيام اللي كنت برجع فيها تعبانة…
الليالي اللي كنت أوفر فيها في الأكل…
الهدوم اللي مأجل شراءها عشان الفلوس.
كل ده كان بيحصل… وهو عايش حياة تانية.
لكن فجأة…
الدموع وقفت.
مش عارفة ليه… بس جوايا حصل تحول غريب.
القهر اتحول لبرود.
مسحت دموعي… وقمت.
قعدت أفكر بهدوء لأول مرة.
أنا اشتغلت سنتين.
كنت بقبض 4000 جنيه.
أدي البيت 3000 زي ما هو قال.
وأعيش أنا بالباقي بالعافية.
يعني أنا اللي كنت شايلة نص البيت…
وهو كان مخبي الحقيقة كلها.
فتحت الموبايل تاني.
بس المرة دي مش عشان أعيط.
صورت كل حاجة.
الرسائل…
التحويلات…
الصور…
كل دليل ممكن يثبت الحقيقة.
وبعدين رجعت الموبايل مكانه زي ما كان.
تاني يوم…
صحيت بدري.
روحت شغلي عادي
ضحكت مع زمايلي… اشتغلت… وكأن مفيش حاجة حصلت.
لكن في طريق الرجوع…
غيرت طريقي شوية.
ورحت مكتب محامي.
قعدت قدامه وحكيتله كل حاجة.
وريتله الصور والرسائل.
بص فيهم شوية… وبعدين رفع عينه وقال بهدوء:
"إنتِ تقدري تاخدي حقك كامل."
الكلمة دي خلتني أحس إن الأرض رجعت ثابتة تحت رجلي.
رجعت البيت وأنا هادية… هدوء غريب.
بالليل هو رجع كأن مفيش حاجة حصلت.
بصلي وقال بسخرية:
"لسه زعلانة؟ كنت فاكر الموضوع هيعدي."
بصيتله بهدوء وقلت:
"عندك حق… هو فعلًا عدى."
ومديتله ظرف على الترابيزة.
فتحه…
وشه اتغير فجأة.
كانت ورقة طلاق… ومعاها دعوى نفقة.
بصلي بصدمة وقال:
"إنتي اتجننتي؟!"
ابتسمت لأول مرة من قلبي وقلت:
"لا… أنا فوقت."
وقفت قدامه بثقة عمري ما حسيتها قبل كده.
وقلت:
"اصرف فلوسك زي ما تحب… وساعد اللي تحب… بس المرة دي مش من تعبي أنا."
سكت… وكان واضح إنه ما كانش متوقع ده.
مشيت ناحية الباب.
وقبل ما أخرج… لفيت وبصيتله آخر مرة وقلت:
"الست اللي اتعودت تتعب… لما بتفوق… بتعرف تعيش بكرامة."
قفلت الباب ورايا.
وأنا لأول مرة من سنين… حاسة إن الحمل اللي كان فوق صدري اختفى.
بدأت حياتي من جديد.
اشتغلت… ووفرت… وبعد سنة فتحت
وبقيت عايشة مرتاحة…
أكتر بكتير من أيام ما كنت متجوزة.
لأن أحيانًا…
الخروج من حياة غلط
هو أول خطوة لحياة صح.