نـدم بـعد سنـوات كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

لما شفت مراتي وهي حامل في الشهر التامن واقفة بتغسل المواعين لوحدها الساعة عشرة بالليل… مسكت الموبايل وكلمت أخواتي التلاتة وقلت جملة خلت البيت كله يسكت…

بقلم منــي الـسـيد 
لكن رد الفعل الأقوى… كان من أمي نفسها…متوفرة على روايات و اقتباسات أنا عندي أربعة وتلاتين سنة. ولو حد سألني إيه أكبر ندم في حياتي، مش هقول الفلوس اللي ضاعت ولا الفرص اللي راحت مني في الشغل.
أكتر حاجة تقيلة على قلبي… حاجة هادية، بس مؤلمة.
إني سيبت مراتي تتعب وتتوجع جوه بيتي.
والأصعب من كده… إني ماكنتش قاصد أجرحها.
بس ببساطة… ماكنتش شايف.
أو يمكن كنت شايف… بس اخترت ما أفكرش.
أنا أصغر ولد في عيلة مكونة من أربع إخوات.
تلات بنات كبار… وبعدهم أنا.
أبويا توفى وأنا لسه مراهق، ومن ساعتها أمي، الحاجة فاطمة عبد الحميد، شالت البيت كله لوحدها.
أخواتي وقفوا جنبها كتير، وده حقهم يتقال. اشتغلوا وساعدوا في مصاريف البيت وربوني كمان.
يمكن علشان كده… اتعودت من وأنا صغير إنهم هم اللي بياخدوا القرار.
هم اللي يحددوا إيه يتصلح في البيت.
وإيه يتجاب من السوق.
وأحيانًا حتى حاجات المفروض تخصني أنا.
إيه أدرس.
وأشتغل فين.
وأصحب مين.
عمري ما اشتكيت.
كنت شايف إن ده طبيعي…
دي العيلة.
كبرت على كده… وعشت سنين كتير بنفس الطريقة.
لحد ما اتجوزت مريم.
مريم حسن مش ست صوتها عالي ولا بتحب المشاكل. مش من النوع اللي

يزعق علشان يكسب أي نقاش.
بالعكس… هادية جدًا.
صبورة… يمكن زيادة عن اللزوم.
أنا أصلاً حبيتها علشان كده.
علشان طريقة كلامها الهادية.
وإنها بتسمع قبل ما ترد.
وابتسامتها اللي كانت بتظهر حتى لما الدنيا تبقى صعبة.
اتجوزنا من تلات سنين.
وفي الأول الدنيا كانت ماشية كويس.
أمي عايشة معانا في البيت، وأخواتي بييجوا على طول. متوفرة على روايات و اقتباسات ده طبيعي في بلدنا. العيلة دايمًا داخلة طالعة.
خصوصًا يوم الجمعة.
كنا غالبًا بنتلم كلنا حوالين سفرة واحدة.
نأكل… ونحكي… ونفتكر أيام زمان.
مريم في الأول كانت بتعمل كل حاجة علشان ترضيهم.
تطبخ.
تعمل الشاي.
وتسمع باحترام كلام أخواتي حتى لو قعدوا بالساعات يتكلموا.
أنا كنت شايف ده طبيعي.
لكن بعد فترة… بدأت ألاحظ حاجات صغيرة.
كلام يبان هزار… بس هو مش هزار خالص.
أختي الكبيرة سلوى كانت تقول:
— مريم بتطبخ حلو… بس لسه قدامها كتير علشان توصل لطبيخ ماما.
وترد أختي نادية وهي بتبص لها بابتسامة مصطنعة:
— ستات زمان كانوا بيعرفوا يشتغلوا بجد.
مريم كانت بس توطي راسها… وتكمل غسل المواعين.
وأنا؟
كنت سامع كل ده.
بس ماكنتش بقول حاجة.
مش علشان موافق…
لكن علشان اتعودت إن الأمور تمشي كده.
من حوالي تمن شهور… مريم قالتلي إنها حامل.
الفرحة اللي حسيت بيها وقتها صعب أوصفها.
حسيت كأن البيت كله بقى له مستقبل جديد.
أمي عيطت من الفرحة.
وأخواتي بان
عليهم إنهم مبسوطين.
لكن مع مرور الشهور… حاجة بدأت تتغير.
مريم بقت تتعب بسرعة.
وده طبيعي.
بطنها كانت بتكبر كل أسبوع.
ومع كده… كانت لسه بتحاول تساعد في كل حاجة.
تطبخ لما أخواتي يجوا.
تحط الأكل.
تشيل السفرة.
كنت بقولها:
— ريحي شوية يا مريم.
فترد دايمًا بنفس الجملة:
— ولا حاجة يا أحمد… دي كام دقيقة بس.
لكن "الكام دقيقة" دول… كانوا بيتحولوا لساعات.
الليلة اللي غيرت كل حاجة كانت يوم سبت.
أخواتي التلاتة كانوا عندنا على العشا.
زي كل مرة، السفرة اتملت أطباق وكبايات وملاعق وبقايا أكل ومناديل.
بعد ما خلصنا أكل…متوفرة على روايات و اقتباسات هما راحوا على الصالون يقعدوا مع أمي.
ضحكهم كان واصل للمطبخ وهم بيتفرجوا على مسلسل.
أنا خرجت البلكونة شوية أشوف حاجة في عربيتي تحت.
ولما رجعت المطبخ…
وقفت مكاني.
مريم كانت واقفة قدام الحوض.
ضهرها منحني شوية.
وبطنها الكبيرة بتخبط في رخامة المطبخ.
إيديها مبلولة… وبتحاول تغسل جبل من المواعين.
بصيت على الساعة اللي في الحيطة.
كانت عشرة بالليل.
البيت هادي… غير صوت المية بس.
وقفت أبص لها كام ثانية.
واضح إنها ماخدتش بالها إني واقف.
كانت بتتحرك ببطء…
وكل شوية تاخد نفس تقيل.
فجأة كباية زلقت من إيدها وخبطت في الحوض.
غمضت عينيها لحظة…
كأنها بتحاول تجمع قوتها علشان تكمل.
في اللحظة دي حسيت بحاجة بتضغط على صدري.
غضب…
وكسوف من نفسي.
لأني فجأة
فهمت حاجة كنت بتجاهلها بقالى كتير.
مراتي… واقفة لوحدها في المطبخ.
بينما كل عيلتي مرتاحة.
وهي شايلة مش بس هم المواعين…
شايلة كمان ابننا اللي بيكبر جواها.
خدت نفس عميق.
طلعت الموبايل من جيبي.
واتصلت بأختي الكبيرة.
— سلوى… تعالي الصالون. عايز أكلمكم.
بعدها كلمت نادية.
وبعدين دعاء.
خلال دقيقتين كانوا التلاتة قاعدين جنب أمي، باصين لي باستغراب.
وأنا واقف قدامهم.
كنت لسه سامع صوت المية شغال في المطبخ.
صوت مريم وهي بتغسل المواعين.
حسيت إن في حاجة جوايا أخيرًا اتكسرت.
بصيت لكل واحدة فيهم…
وقلت بصوت ثابت أول مرة يطلع مني في البيت ده:
— من النهارده… محدش في البيت ده هيعامل مراتي كأنها خدامة.
السكوت اللي حصل بعد الجملة دي…
كان تقيل لدرجة إن حتى صوت المية في المطبخ وقف.

بقلم منــي الـسـيد 
السكوت اللي حصل في الصالون كان تقيل جدًا… لدرجة إني لحظة حسّيت إن محدش فهم الجملة اللي أنا قلتها.
أخواتي كانوا باصين لي كأني بتكلم بلغة تانية.
أمي كانت أول واحدة اتكلمت.
قالت بهدوء بارد:
— إيه اللي بتقوله ده يا أحمد؟
صوتها ماكانش عالي…
بس كان فيه نفس النبرة اللي من وأنا صغير كانت بتخليني أحس إني غلطت غلطة كبيرة.
خدت نفس عميق.
ولأول مرة من سنين طويلة… ما وطّتش عيني.
— بقول إن محدش بعد كده هيعامل مريم كأنها خدامة في البيت ده.
أختي نادية ضحكت ضحكة خفيفة فيها استغراب.
— يا

أحمد… إيه الكلام الكبير ده؟ دي كانت بتغسل شوية مواعين بس.
أما دعاء شبكت دراعتها في بعض وقالت:
— ومن إمتى غسل المواعين بقى مشكلة يعني؟

 

تم نسخ الرابط