روايه اخويا ياسين بقلم نور محمد
أخويا "ياسين" مكملش شهر من يوم ما مات في حادثة عربية غامضة.. واتدفن في مدافن العيلة.
لكن من وقتها.. وامي حالها اتقلب 180 درجة.
في البداية..
كنا بنقول دا حزن طبيعي على شاب في عمر الزهور.
لكن الموضوع اتطور لشكل مرعب..
أمي بقت تصحى كل يوم الفجر وهي بتصرخ بهستيريا..
وبتقول نفس الجملة:
"ياسين مش مرتاح يا ولاد.. أخوكم بيتحرق.. وبيشاور على خاله محمود!"
في اللحظة دي..
كنا بنبص لبعض أنا وأخواتي باستغراب..
خالي محمود؟
دا خالي محمود ده هو اللي مربينا بعد وفاة بابا..
دا الراجل اللي مبيفوتش فرض في المسجد..
واللي شال مصاريف جنازة ياسين وعزاه من ألف لـ ياء..
ده حتى هو اللي كان بيواسي أمي ليل نهار وقاعد تحت رجليها.
عشان كده..
لما أمي جمعتنا وقالت بصوت ملهوش طعن:
"جهزوا نفسكم.. إحنا هنروح المدافن دلوقتي.. ونفتح على ياسين"
البيت كله اتكهرب..
رديت عليها بخوف:
يا ماما استعيذي بالله.. خالي محمود ده سترك وغطاكِ..
إزاي تشكي فيه لمجرد "كابوس"؟
دا لسه دافع مصاريف كليتي الشهر اللي فات..
وهو اللي بيراعينا في كل كبيرة وصغيرة..
لكن أمي بصتلي بنظرة خلت جسمي يتنفض..
وقالت: "القلب لا يكذب.. وابني بيستغيث بيا من خاله..
ولو مروحناش دلوقتي.. أنا هروح لوحدي وهرمي نفسي تحت القطر"
أختي الكبيرة "هند" غمزتلي وقالت بصوت واطي:
"مشيها يا "نهى".. أمي هتتجنن..
نروح المدافن ونخليها تشوف القبر مقفول ومفيش حاجة.. عشان ترتاح وتطلع الخرافات دي من دماغها"
وفعلاً..
ركبنا العربية والسكوت كان سيد الموقف..
طول الطريق وأنا ببص لخالي محمود وهو بيتصل بينا يسأل علينا..
وبقول في سري: "يا رب سامح أمي على اللي بتعمله في الراجل الطيب ده".
وصلنا المدافن والدنيا كانت بدأت تليل..
التربي كان خايف ومرعوب..
لكن تحت ضغط أمي وفلوسها.. وافق يفتح "العين" بتاعة ياسين..
أمي كانت واقفة بتترعش..
لكن أول ما التربي حط المفتاح في الباب..
أمي رجليها شالتها ووقعت من طولها.. أغمى عليها من الرهبة.
جريت عليها أنا وهند..
لكن هند كانت "عنيدة" وقالت:
"أنا مش هخرج من هنا غير لما أقطع الشك باليقين.. ونعرف ياسين بيصرخ ليه في حلم أمي"
سابتني مع أمي المغمى عليها..
وأخدت "كشاف" الموبايل.. ودخلت جوه التربة..
التربي وقف بره وهو وشه أصفر..
ثواني..
ومرت كأنها سنين..
وفجأة.. سمعت صرخة مكتومة طالعة من تحت الأرض..
صرخة خلت شعري يقف..
لقيت هند خارجة بتجري.. وشها مفيش فيه نقطة دم..
وعينيها كانت هتطلع من مكانها..
لدرجة إنها من الرعب مكنتش عارفة تنطق..
مسكتها من كتفها وزقيتها:
"في إيه يا هند؟.. شفتي إيه جوه؟.. أخويا جراله إيه؟"
هند بصتلي وهي بتنهج وقالتلي بصوت مرعوب:
"الحقيني يا نهى.. ياسين مش موجود في القبر..
والقبر فيه جثة تانية خالص..
والجثة دي لابسة "ساعة" خالي محمود اللي ضاعت منه يوم الحادثة!"
#الکاتبه_نور_محمد
وقفت مكاني وأنا حاسة إن الأرض بتميد بيا…
بصيت لهند وأنا مش مصدقة كلامها وقلت لها بصوت متكسر:
"
لكن هند هزت راسها بعنف وقالت:
"أنا عارفة شكل ساعة خالي كويس… الساعة اللي بيلبسها بقاله سنين… هي نفسها."
في اللحظة دي التربي قرب وهو متوتر وقال:
"في إيه يا بنات؟ حصل إيه جوه؟"
هند قالت له وهي بتترعش:
"القبر فيه جثة مش جثة ياسين… لازم تشوف بنفسك."
التربي اتردد شوية… لكن في الآخر مسك الكشاف ودخل.
عدت ثواني قليلة…
وبعدين خرج بسرعة ووشه مصفر وقال:
"دي مش جثة ياسين فعلًا…"
قلبي وقع في رجلي.
قلت بصوت مخنوق:
"يعني إيه مش جثة أخويا؟! أمال أخويا فين؟!"
التربي قال بقلق:
"أنا استلمت الجثة يومها ملفوفة ومقفولة… زي ما جات من المستشفى… ومحدش فتحها."
هند قالت بسرعة:
"يبقى لازم نبلغ الشرطة."
في الوقت ده… أمي فاقت من الإغماء.
أول ما فتحت عينيها قالت نفس الجملة وهي بتبكي:
"قولتلكم… ياسين بيتوجع…"
أنا حضنتها وأنا ببكي وقلت:
"عندك حق يا أمي…"
في نفس الليلة بلغنا الشرطة.
التحقيق بدأ فورًا…
والموضوع قلب قضية كبيرة.
المفاجأة الحقيقية ظهرت بعد ساعات…
الشرطة اتواصلت مع المستشفى اللي استلمنا منها الجثة…
واكتشفوا إن وقت الحادثة كان فيه أكتر من مصاب بنفس المواصفات تقريبًا.
ومع لخبطة الإسعاف والضغط في الطوارئ…
تم تبديل الجثامين بالغلط.
أما الساعة…
فالقصة طلعت أبسط مما تخيلنا.
خالي محمود كان في المستشفى يوم الحادثة…
وساعد في نقل المصابين قبل ما يعرف إن ياسين بينهم.
وفي الزحمة… ساعته وقعت منه واتعلقت
وده نفس الشخص اللي اتدفن بالغلط مكان ياسين.
بعد أيام من التحقيق…
الشرطة قدرت توصل للمقبرة التانية اللي اتدفن فيها ياسين بالخطأ.
وتم استخراج الجثمان والتأكد من هويته…
واتدفن مرة تانية في مدافن العيلة بشكل صحيح.
يومها…
أمي وقفت قدام قبره الجديد وسكتت طويل…
وبعدين قالت وهي ماسكة التراب بإيديها:
"دلوقتي بس قلبي ارتاح…"
ومن يومها…
الكابوس اللي كان بيصحيها كل فجر…
اختفى تمامًا.
وقفت أمي قدام قبر ياسين الجديد وسكتت وقت طويل…
كانت ماسكة حفنة تراب بإيديها ودموعها بتنزل في هدوء.
قربت منها وأنا وهند…
لكن أمي رفعت إيدها كأنها بتطلب مننا نسكت.
وبصوت مكسور قالت:
"سامحيني يا ابني… اتأخرت عليك."
حطت التراب فوق القبر… وقعدت تقرأ الفاتحة وهي بتبكي.
خالي محمود كان واقف بعيد شوية…
وشكله متأثر جدًا من اللي حصل.
قرب مننا وقال بحزن:
"حقكم عليا… لو كنت ركزت يومها أكتر يمكن كنا عرفنا الغلط بدري."
هند هزت راسها وقالت:
"دي كانت لخبطة كبيرة… محدش كان يقصد حاجة."
وبعد ما خلصنا الدفن… خرجنا من المدافن والدنيا كانت هادية بشكل غريب.
وأول مرة من يوم الحادثة…
حسيت إن في سلام نازل على قلبنا.
عدت أيام…
والبيت اللي كان مليان صراخ وبكاء…
بقى فيه سكون.
أمي بطلت تصحى مفزوعة الفجر…
ومبقتش تقول إن ياسين بيتوجع.
وفي يوم وهي قاعدة معانا قالت بهدوء:
"ياسين كان عايز بس يتدفن في مكانه الصح… علشان قلب أمه يهدى."
بصينا لبعض أنا وأخواتي…
وفهمنا إن
كان مجرد روح ابن بتستنى الراحة.
ومن ساعتها…
كل ما نزور قبر ياسين… بنلاقي أمي واقفة قدامه مبتسمة ابتسامة صغيرة.
وتقول نفس الجملة كل مرة:
"دلوقتي بس… ابني مرتاح."
تمت