روايه بعد موت امي

لمحة نيوز

أصبحتُ الوصية على أخواتي الخمس… وبعد عامين عاد أبي ليأخذ البيت، لكنه لم يكن يتوقع أن يقع في الفخ الذي أعددته له.... 
كان عددنا في العائلة ست فتيات. كنا نظن أننا سعداء… أو هكذا كنت أعتقد.
بعد عام واحد فقط من ولادة أختنا الصغرى، أخبر أبي أمي أنه وجد امرأة أصغر سنًا ويريد أن يعيش معها… ثم رحل.
حاولت أمي أن تتحمل المسؤولية قدر استطاعتها. كانت تعمل طوال الوقت، ومع الأيام تعلمنا كيف نعيش من دونه.
بعد خمس سنوات، شُخصت أمي بمرض السرطان. وبعد عام واحد فقط… رحلت عن الدنيا.
كنت في الثانية والعشرين من عمري، أدرس في سنتي الأخيرة في كلية التجارة بجامعة الإسكندرية، عندما اتخذت القرار الذي غيّر حياتي بالكامل:
لن أترك أخواتي وحدهن.
قدمت طلبًا رسميًا في المحكمة، وأصبحت الوصية القانونية عليهن.
عملت بدوام جزئي، وأخذت أعمالًا إضافية في عطلات نهاية الأسبوع، وبطريقة ما… تمكنا من الاستمرار.
مر عامان.
تخرجت من الجامعة، وحصلت على وظيفة ثابتة في شركة محاسبة، وبدأت الحياة أخيرًا تستقر قليلًا.
لكن في صباح أحد أيام الأحد، بينما كنت أقف في المطبخ أصنع الفطائر لأخواتي، سمعت طرقًا على الباب.
ذهبت لأفتحه.
وعندما فتحته… تجمدت في مكاني.
كان أبي يقف أمام الباب.
ابتسم ابتسامة واسعة، ونظر من فوق كتفي إلى داخل البيت ثم قال:
— “ما شاء الله يا ابنتي… يبدو أنك استقريتِ هنا جيدًا.”
عقدت حاجبي وسألته ببرود:
— “أهلًا… ماذا تفعل هنا؟”
تنحنح

قليلًا ثم قال:
— “اسمعي يا مريم… هذا البيت في النهاية ملكي بعد وفاة أمك. يجب أن تغادريه، لأن صديقتي الجديدة لا تحب الأطفال. كما تفهمين… أريد أن أعيش هنا معها.”
ثم أضاف بنبرة تهديد:
— “أو هل تريدين أن أذهب إلى المحكمة وأسحب منك حق الوصاية على أخواتك؟”
بدأ قلبي ينبض بعنف.
كيف يجرؤ على المجيء إلى هنا بعد كل هذه السنوات… ثم يهددني أيضًا؟
في تلك اللحظة شعرت بشيء داخلي ينكسر.
كنت غاضبة من أجلي… ومن أجل أخواتي… ومن أجل أمي التي عانت حتى آخر يوم في حياتها.
لقد حان الوقت ليحصل على ما يستحقه.
لكن بدل أن أصرخ… ابتسمت.
قلت بهدوء:
— “بالطبع يا أبي. معك حق.”
تفاجأ قليلًا من ردّي.
ثم أضفت:
— “عد غدًا فقط… حتى أجهز كل الأوراق المطلوبة.”
هز رأسه راضيًا، ثم استدار وغادر.
أغلقت الباب ببطء. حكايات اسما
ثم نظرت نحو المطبخ، حيث كانت أخواتي الصغيرات يجلسن على الطاولة ينتظرن الفطائر بثقة كاملة… وكأنهن يعرفن أنني سأحميهن دائمًا.
تنفست بعمق وقلت لنفسي: حكايات اسمالقد ارتكب خطأ كبيرًا.
لأنه عندما يعود غدًا…
سيكون قد دخل مباشرة إلى الفخ الذي أعددته ... 
أغلقت الباب ببطء… ونظرت نحو أخواتي في المطبخ.
كنّ يضحكن ويتشاجرن على آخر قطعة فطيرة، وكأن العالم آمن تمامًا.
في تلك اللحظة شعرت أنني لن أسمح لأحد بأن يهدد هذا الأمان… حتى لو كان أبي نفسه.
مسحت يدي في المريلة وجلست قليلًا أفكر.
ثم أخذت هاتفي واتصلت بالمحامي الذي ساعدني قبل عامين
عندما حصلت على الوصاية.
شرحت له ما حدث بالتفصيل.
سكت لحظة… ثم قال بهدوء:
— "كنت أتوقع أنه قد يعود يومًا ما. لكن لا تقلقي… البيت ليس كما يظن."
سألته بقلق:
— "ماذا تقصد؟"
قال:
— "قبل وفاة والدتك بشهرين، جاءت إليّ وطلبت أن توثق وصية. نقلت ملكية البيت باسمك أنتِ وأخواتك بالتساوي… لأنّها كانت تخشى أن يحدث هذا بالضبط."
شعرت بدموعي تملأ عيني.
أمي… حتى وهي تصارع المرض… كانت تفكر في حمايتنا.
أكمل المحامي:
— "وإذا حاول والدك أن يأخذ الوصاية، فلدينا كل ما يثبت أنه تخلى عنكن لسنوات ولم يتحمل أي مسؤولية."
أغلقت الهاتف وأنا أشعر لأول مرة منذ الصباح بالهدوء.
في اليوم التالي… جاء أبي فعلًا.
طرق الباب بثقة… وكأنه متأكد أن البيت أصبح له بالفعل.
فتحت له.
دخل إلى الصالة ينظر حوله وكأنه يقيّم المكان، ثم قال بابتسامة خفيفة:
— "إذن… هل جهزتِ الأوراق؟"
قلت بهدوء:
— "نعم، تفضل."
وضعت أمامه ملفًا على الطاولة.
فتحه بسرعة… لكن مع كل صفحة كان يقرأها، بدأت ملامحه تتغير.
رفع رأسه فجأة وقال بحدة:
— "ما هذا؟"
أجبته بهدوء:
— "هذه وصية أمي. البيت لم يعد ملكك منذ سنوات."
تصفح الأوراق مرة أخرى بعصبية.
ثم وجد الورقة الأخيرة… وهي قرار المحكمة الذي يثبت وصايتي القانونية على أخواتي.
سادت لحظة صمت طويلة.
وأخيرًا قال بصوت خافت:
— "إذن… كنتِ تعرفين."
نظرت إليه بثبات وقلت:
— "نعم. ولهذا طلبت منك أن تعود اليوم."
وقف ببطء… وأغلق الملف.
نظر حوله مرة
أخرى، لكن هذه المرة لم تكن نظرته مليئة بالثقة… بل بشيء أقرب إلى الندم.
قال قبل أن يتجه نحو الباب:
— "اعتني بأخواتك."
ثم خرج.
وقفت أراقب الباب المغلق للحظة… ثم تنفست بعمق.
بعد دقائق خرجت أخواتي من غرفتهن يسألن بفضول:
— "مين كان يا مريم؟"
ابتسمت وقلت وأنا أعود إلى المطبخ:
— "ولا حاجة… حد خبط الباب بالغلط."
جلست أخواتي مرة أخرى حول الطاولة، وعدت أنا أقلب الفطائر في المقلاة.
كانت الحياة ما زالت صعبة…
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا.
هذا البيت…
وهذه العائلة الصغيرة…
ستبقى آمنة.
وقف ببطء… وأغلق الملف.
نظر حوله مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن نظرته مليئة بالثقة… بل بشيء ثقيل من الصمت.
قال بصوت خافت:
— إذن… كنتِ تعرفين.
نظرت إليه بثبات وقلت:
— نعم. ولهذا طلبت منك أن تعود اليوم.
ظل واقفًا للحظات، وكأنه يبحث عن كلام يقوله… لكنه لم يجد.
ثم اتجه نحو الباب ببطء، وقبل أن يخرج توقف لحظة قصيرة، وقال بصوت منخفض:
— اعتني بأخواتك.
لم أرد.
فتح الباب… وخرج.
أغلق الباب خلفه بهدوء، وكأن صفحة قديمة من حياتنا أُغلقت معه.
وقفت للحظة أحدّق في الباب… ثم أخذت نفسًا عميقًا.
بعد دقائق خرجت أخواتي من الغرفة وهن يضحكن.
قالت الصغيرة ببراءة:
— مريم… الفطائر خلصت؟
ابتسمت ومسحت دمعة صغيرة لم يلاحظها أحد، ثم عدت إلى المطبخ.
قلت وأنا أضع طبقًا جديدًا على الطاولة:
— لا… لسه. تعالوا بسرعة قبل ما تبرد.
جلست أخواتي حول الطاولة يضحكن ويتشاجرن على آخر
قطعة.
نظرت إليهن وشعرت بالطمأنينة تملأ صدري.
مهما حدث…
هذا البيت سيبقى بيتنا.
وأنا…
سأبقى الحائط الذي يحميه.
تمت

تم نسخ الرابط