روايه بقالي اسبوع بقلم نور محمد

لمحة نيوز

بقالي أسبوع بحاله بلمح الراجل العجوز ده قاعد على الرصيف المقابل للعمارة بتاعتنا، راجل شكله غريب، لابس بالطو قديم ومقطع، وقاعد باصص لشباك أوضتي تحديدًا.. في الأول خوفت وقلت ده أكيد حرامي وبيراقب الشقة، بس لاحظت إنه بيفضل قاعد لحد الفجر ومبيتحركش ولا حركة، وعينه مبتنزلش من عليا..
الموضوع بدأ يرعبني، بس في نفس الوقت كان عندي فضول رهيب أعرف هو مين وعايز إيه.. وفي ليلة كان الجو فيها تلج وصوت الهوا بيصفر بره، صعب عليا جدًا، قولت لنفسي ده أكيد راجل غلبان ومالوش مأوى، قمت عملت كوباية شاي سخنة وخدت رغيفين في كيس ونزلتله..
اتسحبت براحة عشان أمي متحسش بيا، وفتحت باب العمارة وخرجت، الشارع كان فاضي تمامًا ومفيهوش صريخ ابن يومين، قربت منه وبدأت أناديه:
ـ يا حاج.. يا حاج..
رفع راسه وبصلي، عيونه كانت بيضا تمامًا!، جسمي قشعر ورجعت خطوة لورا، بس هو اتكلم بصوت أجش ومرعب وقال:
ـ إيه اللي نزلك دلوقتي؟.. اطلع بيتك فورًا..
حاولت أتماسك وقولتله إني جايبله شاي عشان البرد، بس هو زعق فيا وقال:
ـ مش عايز منك حاجة.. امشي من هنا قبل ما يشوفوك..
مفهمتش يقصد مين بـ "يشوفوك"، رميت الشاي والكيس من خوفي وجريت طلعت الشقة، قفلت الباب وفضلت أراقبه من الشباك، لقيته قام من مكانه وبدأ يلم حاجات غريبة من الأرض.. عضم وقماش قديم وحطهم في شوال على ضهره ومشي وهو بيعرج..
فضلت طول الليل أفكر في منظره، وتاني يوم وأنا راجع من الشغل بليل، لمحت حاجة بتلمع مكان ما كان قاعد، قربت لقيتها "ميدالية مفاتيح" فضة شكلها قديم وأثري جدًا، وعليها حفر باسم وعنوان..

العنوان كان في حارة قديمة ورانا بمسافة مش بعيدة..
الشيطان وزني والفضول قتلني، قولت أكيد دي بتاعته ووقع منه، ولو روحت أديتهالو يمكن أعرف حكايته إيه.. وفعلاً خدت العنوان ومشيت وراه، المنطقة كانت ضلمة وكئيبة، والبيوت قديمة لدرجة إنها آيلة للسقوط..
وصلت عند البيت المقصود، كان بيت بابه موارب، خبطت ومحدش رد، زقيت الباب ودخلت.. الريحة كانت بشعة، ريحة عفونة وحاجة بتتحرق، ناديت بصوت عالي:
ـ يا حاج.. يا حاج أنا لقيت دي مكان ما كنت قاعد..
مفيش رد..
مشيت في الطرقة الضيقة لحد ما وصلت لأوضة في آخر البيت خارج منها ضوء خافت، قربت وبصيت من خرم الباب، وشوفت منظر وقف قلبي..
الراجل العجوز كان قاعد في نص الأوضة، وحواليه كمية قطط سودا مهولة، بس مش قطط عادية، دي كانت أحجامها ضخمة وعيونها حمرا دم.. وهو كان ماسك سكينة وبيقطع في لحمة نية وبيرميلهم..
وفجأة، القطط كلها سكتت وبصت ناحية الباب اللي أنا واقف وراه.. الراجل لف وشه ببطء شديد وبصلي، وابتسامة مرعبة اترسمت على وشه وقال بصوت خلى الدم يتجمد في عروقي:
ـ مش قولتلك اطلع بيتك قبل ما يشوفوك؟.. أديكم شوفتوا بعض..
في اللحظة دي القطط كلها قامت وهجمت ناحية الباب، أنا من خوفي رميت الميدالية وطلعت أجري زي المجنون، مكنتش عارف بجري إزاي ولا روحت فين، المهم إني أبعد عن البيت الملعون ده..
وصلت بيتنا وأنا بلهث وطلعت السلالم جري وقفلت باب الشقة بالمفتاح والترباس، ودخلت تحت البطانية وأنا بترعش من الرعب..
فضلت يومين منزلتش من البيت، وفي اليوم التالت قولت أكيد أنا كنت بتخيل أو ده كابوس، وقررت
أنزل أروح شغلي.. وأنا خارج من باب العمارة الصبح، اتسمرت مكاني..
الراجل العجوز كان قاعد على الرصيف المقابل تاني!
بس المرة دي كان معاه شوال كبير أوي بيتحرك حركات عشوائية كأن فيه كائن حي جوه.. بصلي وضحك نفس الضحكة المرعبة وشاورلي بإيده إني أقرب..
كنت هموت من الرعب بس لقيت جاري خارج من العمارة، اتشجعت وقولت مش هيقدر يعملي حاجة وسط الناس، مشيت خطوات سريعة وتجاهلته وكنت ناوي أعدي الشارع عشان أركب ميكروباص..
أول ما حطيت رجلي في الأسفلت عشان أعدي، سمعت صوته بيصرخ بقوة غريبة:
ـ أقف مكانك!!
#الکاتبه_نور_محمد
اتخضيت وبصيتله، لقيته قايم ومبرقلي وبيشاور ورايا، بصيت ورايا ملقيتش حاجة، رجعت بصيتله باستحقار وقولتله:
ـ عايز مني إيه يا راجل أنت؟ ملكش دعوة بيا..
قال بصوت واطي بس وصل لودني كأنه بيكلمني في سماعة:
ـ لو اتحركت خطوة واحدة هتموت..
عاندت معاه وقولت ده راجل مجنون، وخدت خطوة لقدام عشان أعدي الطريق..
وفي اللحظة دي ...... صلي على النبي 
أول ما خدت خطوة لقدام عشان أعدي الطريق…
سمعت صوت فرامل عربية بيصرخ في الشارع، العربية عدّت قدامي بسرعة مرعبة لدرجة إن الهوا زقني لورا.
وقفت مكاني وقلبي بيدق بعنف… لو كنت خدت نص خطوة كمان كنت هكون تحت العجل دلوقتي.
بصيت للراجل العجوز تاني… لقيته واقف ساكت، ملامحه جامدة، وكأنه كان عارف اللي هيحصل.
قربت منه ببطء وأنا مرتبك وقلتله:
— إنت عرفت إزاي إن العربية جاية؟
ابتسم ابتسامة خفيفة المرة دي، مش مرعبة زي قبل كده، وقال:
— قلتلك قبل كده… اطلع بيتك قبل ما يشوفوك.
اتلخبطت أكتر وسألته:
مين اللي يشوفني؟ واللي حصل امبارح كان إيه؟
بص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش سامع، وبعدين قال بهدوء:
— اللي شفته مش زي ما انت فاكر… أنا مش بخوفك، أنا بحاول أحميك.
وقبل ما أسأله تاني… الشوال اللي جنبه اتحرك فجأة حركة قوية.
اتراجعت خطوة وأنا مرعوب، لكنه فتح الشوال بهدوء.
طلع منه… قطة صغيرة جدًا، لونها أسود وعينيها بتلمع، لكنها كانت مصابة.
قال وهو بيطبطب عليها:
— الناس بتخاف من القطط السودة… لكن الحقيقة إنهم أكتر مخلوقات بتشوف اللي البشر مش شايفينه.
افتكرت منظر القطط الكتير في البيت القديم، وسألته:
— والقطط اللي هناك؟
تنهد وقال:
— دول اللي بيساعدوني… بيحسوا بالخطر قبل ما يحصل.
وبعدين بصلي نظرة طويلة وقال:
— من أسبوع، وهم واقفين تحت شباكك كل ليلة… عشان في حاجة كانت بتقرب منك.
جسمي قشعر وسألته بسرعة:
— حاجة إيه؟
رد بصوت هادي:
— خطر… بس خلاص، الليلة اللي رحت فيها البيت القديم خلتهم يشوفوك… ومن ساعتها وأنا بحاول أبعده عنك.
كنت تايه ومش فاهم نص الكلام، لكن كان واضح إن الراجل مش مؤذي زي ما كنت فاكر.
مد إيده ليا بحاجة صغيرة… كانت ميدالية المفاتيح الفضة.
اتصدمت وقلتله:
— دي وقعت مني لما جريت!
هز راسه وقال:
— عارف… عشان كده رجعتها.
وبعدين شال الشوال على ضهره واستعد يمشي.
وقبل ما يبعد… قال جملة غريبة فضل صداها في دماغي:
— خليك دايمًا تسمع التحذير حتى لو جاي من حد شكله مخيف… أحيانًا اللي بيبان شرير بيكون هو اللي واقف بينك وبين الخطر.
ومشى وهو بيعرج في الشارع لحد ما اختفى بين الزحمة.
ومن اليوم ده…
عمري ما شفت الراجل العجوز
تاني.
لكن كل ليلة…
كنت بسمع صوت قطط تحت الشباك.
وكأنها… لسه بتحرس المكان.

تم نسخ الرابط