روايه بروح ابيع دمي بقلم اماني سيد
كل اسبوع كنت بروح ابيع دمى عشان احوش فلوس سفر جوزى وفى الآخر اكتشفت انه بيتحوز وبيسافر يتفسح بدمى
فصيلة دمي كانت نادرة.
نادرة لدرجة إن الدكتور كان كل مرة يبصلي ويقول:
«إنتِ كنز ماشي على الأرض».
وأنا كنت بضحك.
كنز؟
وأنا راجعة البيت بمواصلتين، دراعي معوَّر، وريحة المطهّر لسه لازقة في جلدي؟ كنت بستخسر فى نفسى اركب تاكسى عشان اخاف اصرف فلوس
كنت كل أسبوع أتنقل بين أكبر مستشفيات خاصة.
مش علشان اتعالج عشان أبيع دمي.
أدخل بهدوء، أملأ الاستمارات، أمد دراعي، وأغمض عيني.
وأفضل أعدّي في سري:
واحد… اتنين… تلاتة…
لحد ما الكيس يتملي، وجسمي يفرغ.
والفلوس؟
ولا مرة دخلت شنطتي.
كنت أحوشهم في ظرف بني، مخبيه في درج المطبخ، وكتبة عليه بقلم رصاص:
«سفر».
جوزي كان بيقول إن الفرصة دي مش هتتعوض.
شغل برّه…
مستقبل…
«علشان نبدأ من جديد».
وأنا صدّقته.
مش علشان هو مقنع…
علشان أنا كنت محتاجة أصدّق.
كنت لما أرجع من المستشفى، أبقى تعبانة ووشّي شاحب، فيبصلي ويقول بملل:
«مالك؟»
أقوله:
«إرهاق شوية».
ولا مرة سأل ليه.
ولا مرة قال:
«بلاش».
ولا مرة خاف.
كان همه الوحيد إن الظرف يكبر.
وفي يوم…
وأنا بلمّ الهدوم علشان أجهزله الشنطة، لقيت تليفونه بيرن.
اسم غريب.
اسم ست.
سيبته.
رن تاني.
وتالت.
قلبي كان بيدق بس مش من الغيرة…
من الإحساس اللي
فتحت الرسالة.
«المنتجع خلص الحجز… شهر العسل هيبقى أحلى مما توقعت».
شهر العسل.
قريت الكلمة كذا مرة.
مش فاهمة.
يمكن غلط.
يمكن هزار.
فتحت الصور.
هو…
نفس ضحكته.
نفس إيده.
بس مش معايا.
كان واقف جنب ست تانية، لابسة أبيض، حاضنة دراعه…
ودبلتها بتلمع.
مراته الجديدة.
حسّيت الدنيا بتلف.بياو
مش علشان خان…
لكن علشان أنا كنت الممول الرسمي للخيانة.
دمي.
دمي أنا.
الفلوس اللي كانت طالعة من عروقي حرفيًا، كانت بتدفع فندق خمس نجوم، وبحر، وسرير واسع لحد تاني.
لما دخل البيت، كنت قاعدة على الكنبة، الظرف مفتوح قدامي، والتليفون في إيدي.
بصلي، فهم في ثانية، بس قرر يكمل تمثيل.
قال: قصص وروايات أمانى سيد
«إنتِ فتشتي ورايا؟»
ضحكت.
ضحكة قصيرة، ناشفة.
وقلت:
«لا… دمي هو اللي حكى».
سكت.
ولا كلمة اعتذار.
ولا تبرير محترم.
قال بكل برود:
«اللي حصل حصل… وإنتِ تعويضك سهل».
تعويض؟
هو فاكر دمي إيصال؟
#الكاتبه_امانى_سيد
بصّيتله وأنا حاسة إن جسمي كله بقى تقيل… مش من التعب المرة دي، لكن من الحقيقة اللي وقعت عليّا فجأة.
قلت بهدوء غريب: «تعويض؟
تعوض إيه؟
التعب؟ ولا الكدب؟ ولا السنين اللي كنت فاكرة نفسي فيها شريكة؟»
لف وشه بعيد كأنه زهق من الكلام، وقال ببرود: «أنا كنت محتاج أبدأ حياتي… وإنتِ عارفة إن السفر كان صعب.»
ابتسمت ابتسامة
قمت بهدوء… وفتحت درج المطبخ.
طلعت الظرف البني اللي كنت بكتب عليه كل مرة كلمة واحدة:
«سفر»
حطيته قدامه على الترابيزة.
وقلت: «خدهم.»
استغرب…
«مش ده اللي كنتِ بتجمعيه علشاني؟»
هزّيت راسي.
«لأ… كنت بجمعهم علشان حلم.
بس اكتشفت إن الحلم كان غلط.»
فتح الظرف بسرعة، وعدّ الفلوس بعينه.
قال: «مش مبلغ كبير يعني.»
ضحكت ضحكة خفيفة.
«أيوه… لأن ده تمن آخر مرة بس.»
سكت… وبصلي باستغراب.
كملت وأنا واقفة قدامه بثبات:
«المستشفى كلهم يعرفوني.
عارفين فصيلة دمي… وبيطلبوني بالاسم.
بس من النهارده… مش هبيع دمي علشان حد.»
مديت إيدي وخدت الظرف تاني.
«هبيعه علشان نفسي.»
سأل بسخرية: «يعني هتعملي إيه بالفلوس؟»
بصيت له للمرة الأخيرة.
«هعيش.»
سكت البيت لحظة.
ولأول مرة… حسّيت إن صدري بيتنفس بعمق.
مش علشان المشكلة اتحلت…
لكن علشان الحقيقة ظهرت.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة.
جسمي كان مرهق من السنين اللي فاتت…
بس قلبي بدأ يقف على رجليه.
اشتغلت في مكان صغير جنب المستشفى…
وبطلت أرهق نفسي.
كل ما حد يقولي إن فصيلة دمي نادرة، كنت أبتسم وأقول:
«الإنسان هو اللي لازم يعرف قيمته.»
بعد شهور…
سمعت خبر عنه بالصدفة.
السفر ما حصلش.
والخطط اللي كان بيحلم بيها اتكسرت.
بس الحقيقة؟
ما فرقتش معايا.
لأن لأول مرة في حياتي…
كنت عايشة لنفسي.
والمرة دي…
ولا نقطة دم واحدة خرجت منّي علشان حد ما يستاهلش.
مرّت سنة كاملة.
السنة دي كانت أول مرة أحس إني واقفة على رجلي بجد… من غير ما أستند على حد.
اشتغلت في معمل التحاليل اللي جنب المستشفى.
الدكتور اللي كان دايمًا يقول إن فصيلة دمي نادرة هو اللي رشّحني للشغل.
قال لي يومها مبتسم: «إنتِ مش كنز علشان دمك… إنتِ كنز علشان قلبك.»
ولأول مرة… صدقته.
بطّلت أبيع دمي.
وبطّلت أعيش علشان حد غيري.
كنت بساعد المرضى… أكتب البيانات… وأطمن المتبرعين الجدد لما يخافوا من الإبرة.
كنت بقول لهم دايمًا: «الدنيا مش بتقف على حد… أهم حاجة إن الإنسان يحافظ على نفسه.»
وفي يوم… دخل شاب المستشفى وهو متوتر جدًا.
كان محتاج نقل دم عاجل لوالدته.
الدكتور نده عليّ وقال: «الفصيلة زي فصيلتك بالظبط… نادرة.»
بصيت للست اللي نايمة على السرير… شاحبة وتعبانة.
افتكرت كل مرة كنت بقعد على الكرسي ده.
المرة دي… مدّيت دراعي بهدوء.
بس الفرق كبير.
المرة دي…
مش علشان حد يستغلني.
ولا علشان فلوس.
المرة دي… علشان أنقذ حياة إنسانة.
بعد ما خلصت، الشاب فضل يشكرني كتير.
قلت له بابتسامة: «ادعي ليا بس.»
خرجت من المستشفى وأنا حاسة بخفة غريبة.
حسيت إن ربنا عوضني بحاجة أهم من الفلوس…
راحة القلب.
وفي الطريق للبيت…
عدّيت جنب محل شنط سفر.
وقفت قدام الشباك لحظة.
بصيت للشنطة
المرة دي…
لو هسافر…
هسافر بحلمي أنا.
مش بحلم حد تاني.
ولأول مرة من سنين…
رجعت البيت وأنا حاسة إن دمي…
رجع يجري في عروقي علشاني أنا.
تمت