روايه زينب كامله جميع الفصول بقلم اماني السيد

لمحة نيوز

زينب فضلت واقفة قدام صورة أبوها شوية. إيديها كانت بتترعش، بس عينيها بقت ثابتة. مدت إيدها للصورة، ورفعتها من على الحيطة. وراها كان فيه تجويف صغير في الحيطة… نفس المكان اللي أبوها قبل ما يموت خلاها تشوفه.
افتكرت صوته وقتها وهو بيقول لها بهدوء:
"يا زينب، الأمانة دي خليها معاكي. مش عشان الفلوس… عشان حقك. لو في يوم حسّيتي إن حقك ضاع، افتحيها."
طلعت علبة معدنية صغيرة من التجويف. فتحتها بإيد مرتعشة. كان جواها ظرف قديم، وفيه ورقة مختومة.
قعدت على السرير وفتحتها.
كانت وصية أبوها.
قرأتها مرة… واتنين… والتالتة دموعها نزلت بس من غير صوت.
الوصية كانت مكتوب فيها إن البيت الكبير مسجل باسم أولاده كلهم، لكن الدور الأرضي والجنينة الصغيرة اللي وراه مسجلين باسم زينب تحديدًا… لأنه عارف إنها ضحت بحياتها عشان العيلة.
وكاتب جملة صغيرة في آخر الورقة:
"زينب بنتي هي اللي شالت البيت ده على كتافها، وحقها فيه أكبر من أي حد."
زينب مسحت دموعها، وحطت الورقة في الظرف تاني.
تاني يوم الصبح، إخواتها كانوا قاعدين مع المقاول في الصالة، بيتكلموا عن الاتفاق.
دخلت زينب بهدوء، ولأول مرة من سنين كان صوتها ثابت.
زينب:
"معلش، قبل ما تمضوا أي حاجة… لازم تشوفوا الورقة دي."
سعد اتضايق:
"إيه ده كمان؟ إحنا خلصنا الكلام."
مدت له الظرف.
فتح الوصية وقراها… وشه اتغير. هاني قرب منه وقرأ معاه. الصالة سكتت.
المقاول قال باستغراب:
"يعني إيه؟ الدور الأرضي والجنينة باسمها؟"
زينب ردت بهدوء:
"يعني البيع ما يتمش إلا بموافقتي."
بصوا

لها إخواتها، المرة دي مش بنظرة استقواء… لكن بنظرة ارتباك.
زينب كملت كلامها من غير صوت عالي:
"أنا مش جاية أحاربكم. البيت ده بيت أبونا، وأنا مش عايزة أضيّع ذكراه.
لو عايزين تبيعوا نصيبكم… بيعوه. لكن دوري والجنينة بتوعي… هيفضلوا مكاني."
سكتت لحظة وبصت لهم:
"أنا مش محتاجة منكم حاجة… أنا بس كنت محتاجة تحترموا اللي عملته عشانكم."
هاني ما قدرش يرفع عينه.
أما سعد، فضل ساكت شوية وبعدين قال للمقاول:
"واضح إن الموضوع محتاج نراجعه."
المقاول قفل الملف ومشي.
الصالة فضلت هادية.
زينب رجعت المطبخ… لكن المرة دي ما وقفتش عند الحوض. عملت لنفسها كوب شاي وقعدت على الكرسي الصغير جنب الشباك.
الشمس كانت داخلة على الجنينة اللي أبوها زرع فيها شجرة الليمون زمان.
بصت لها وابتسمت ابتسامة خفيفة.
يمكن السنين اللي راحت ما ترجعش…
لكن على الأقل، حقها ما ضاعش.
زينب قفلت باب أوضتها بهدوء، وسندت ضهرها عليه لحظة. صوت الضحك اللي جاي من الصالة كان لسه مسموع، كأن الكلام اللي حصل معاها من شوية ما كانش له أي قيمة عندهم.
بصت لصورة أبوها المعلقة على الحيطة. قربت منها ومسحت عليها بإيدها، وهمست:
"كنت دايمًا تقول إن الحق عمره ما يضيع… بس أنا تعبت يا بوي."
رفعت الصورة من مكانها، وظهر التجويف الصغير اللي في الحيطة. نفس التجويف اللي أبوها خلاها تشوفه قبل ما يتوفى بأيام.
وقتها كان تعبان جدًا، لكن عينيه كانت فيها نفس الحزم اللي كانت تعرفه عنه.
قال لها:
"يا زينب، خدي بالك من نفسك. أنا عارف إن إخواتك بيحبوكي… بس الدنيا بتغير
النفوس. الأمانة دي خليها معاكي. لو احتجتي حقك يوم، افتحيها."
وقتها ما فهمتش قصده كويس، وكانت فاكرة إنه مجرد كلام أب خايف على بنته.
مدت إيدها جوه التجويف، وطلعت العلبة المعدنية الصغيرة. الغبار كان مغطيها من السنين. فتحتها ببطء.
كان جواها ظرف أصفر قديم، وعقد مطوي بعناية.
قعدت على السرير وفتحت الورق.
عينيها جرت على السطور… ومع كل سطر قلبها كان بيدق أسرع.
كانت وصية موثقة من أبوها.
مكتوب فيها إن البيت الكبير مقسوم بين أولاده الأربعة… لكن الدور الأرضي بالكامل، ومعاه الجنينة الخلفية الصغيرة، ملك خاص لزينب.
وكاتب تحت بخط إيده:
"بنتي زينب ضحت بشبابها عشان البيت ده. وحقها فيه محفوظ."
زينب قعدت ساكتة شوية، وبعدين ضحكة خفيفة طلعت منها لأول مرة من سنين… ضحكة فيها وجع، وفيها راحة.
طوت الورق تاني وحطته في الظرف.
في الصالة كان سعد بيشرح للمقاول:
"الأرض واسعة، ولو هدينا البيت ممكن يطلع عمارة محترمة…"
هاني كان ساكت، وبسمة قاعدة جنبهم بتبص حوالين البيت بنظرة كأنها خلاص ودعته.
وفجأة دخلت زينب.
كلهم بصوا لها.
سعد قال بضيق:
"إيه يا زينب؟ إحنا في موضوع مهم."
زينب مدت الظرف وقالت بهدوء:
"بس قبل ما تكملوا… لازم تشوفوا ده."
سعد فتح الظرف وهو متضايق. أول ما قرأ السطور الأولى… سكت.
هاني قال بقلق:
"في إيه؟"
سعد ما ردش… بس ناوله الورقة.
هاني قرأها هو كمان، ووشه شحب.
المقاول قال:
"هو في مشكلة؟"
زينب قالت بهدوء:
"المشكلة إن البيع ده ما يتمش غير بموافقتي."
بسمة قالت بسرعة:
"إزاي يعني؟ البيت ملككم كلكم!
"
زينب ردت:
"الدور الأرضي والجنينة باسمي."
المقاول رجع في الكرسي وقال:
"يبقى لازم كل الملاك يوافقوا."
الصالة سكتت.
هاني بص لزينب لأول مرة بجد… مش كأخت بتطبخ وتغسل، لكن كإنسانة ليها حق.
قال بصوت واطي:
"أبونا عمل كده؟"
زينب ردت بهدوء:
"آه."
سعد حاول يتماسك وقال:
"حتى لو… إحنا ممكن نتفاهم."
زينب هزت راسها.
"أنا مش جاية أخد حاجة منكم. كل اللي عايزاه إن الجزء اللي أبويا سابه لي يفضل زي ما هو."
المقاول قفل الملف وقال:
"يبقى الاتفاق يتأجل."
قام ومشي.
فضلوا قاعدين ساكتين.
بعد شوية، هاني قام ومشى ناحية المطبخ. لقى زينب واقفة بتعمل شاي.
وقف عند الباب وقال بصوت متردد:
"فاكرة لما كنت بعيط وأنا صغير… وإنتي كنتي تفضلي صاحيالي طول الليل؟"
زينب ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"كنت عنيد جدًا."
هاني بص في الأرض وقال:
"أنا آسف."
زينب ما ردتش… بس حطت له كوب شاي قدامها.
في الأيام اللي بعد كده، البيت اتغير. مش في شكله… لكن في الجو اللي جواه.
سعد بقى يتكلم معاها باحترام أكتر.
وهاني بقى يزور الجنينة معاها كل يوم تقريبًا.
وفي يوم، زينب قررت تعمل حاجة كانت مأجلاها سنين.
فتحت باب الدور الأرضي القديم، ونضفته كويس. جابت ترابيزة صغيرة ورفوف كتب.
وبعد أسابيع قليلة… بقى المكان مكتبة صغيرة لأطفال الحي.
الأطفال بقوا يدخلوا ويقعدوا يقروا ويرسموا، وصوت ضحكهم بقى يملأ المكان.
وفي يوم، هاني وقف في الجنينة يبص عليهم وقال لها:
"البيت بقى ليه روح تاني."
زينب بصت للشجرة القديمة اللي أبوها زرعها.
وقالت بهدوء:
"يمكن ده كان
قصده."
الشمس كانت نازلة على الجنينة، والبيت القديم واقف زي ما هو…
لكن لأول مرة من سنين، زينب حست إنه بيتها فعلًا.

تم نسخ الرابط