مليونير حديث الثراء
مليونير حديث الثراء دفع متسولة فقيرة في السوق ليضحك من حوله دون أن يعلم أنها الأم الضائعة التي كان يبحث عنها منذ سنوات
كانت شمس الظهيرة الحارقة تصب وهجها على السوق الشعبي المزدحم في سان دييغو. أبواق السيارات تتعالى والباعة ينادون والهواء مزيج من رائحة الطعام المقلي والعطور الرخيصة. وسط هذا الصخب توقفت سيارة تسلا سوداء فاخرة ونزل منها رجل طويل القامة يرتدي بدلة كحلية فاخرة.
كان ذلك الرجل إيثان ووكر مليونيرا في الثالثة والثلاثين صنع ثروته بجهده بعد سنوات من الفقر والعمل الشاق والسهر الطويل. جاء اليوم ليتفقد موقعا محتملا لسلسلة المتاجر العضوية الجديدة التي يخطط لإطلاقها وهو أمر يحمل مفارقة قاسية فقد كان يبيع البرتقال في هذه الشوارع نفسها حين كان مراهقا.
وأثناء سيره بين الأكشاك لفتت نظره امرأة عجوز هزيلة جالسة عند زاوية الطريق تحمل كوبا ورقيا فيه بضع عملات. كانت ملابسها بالية وشعرها الرمادي متشابكا وفي عينيها تعب السنين.
رفعت رأسها بصوت مبحوح قائلة
لو سمحت يا سيدي هل من مساعدة
قطب إيثان حاجبيه. كان يكره المتسولين أو هكذا أقنع نفسه دائما.
قال لها ببرود وبنبرة حادة
ابحثي عن عمل يا سيدتي.
ارتجفت المرأة لكلماته وهمست
الحياة لم تكن رحيمة يا بني
لكن إيثان كان قد ابتعد بالفعل كأن وجودها يلوث عالمه الجديد.
وما لم يكن يعرفه وما لم يكن قادرا حتى على تخيله هو أن تلك المرأة المنكسرة كانت مارغريت ووكر والدته التي اختفت عندما كان في الثامنة من عمره تاركة إياه يتنقل بين دور الرعاية والأسر البديلة.
سنوات كان يبحث عنها نشر إعلانات استأجر محققين زار ملاجئ لكن بلا جدوى فاستسلم أخيرا وأقنع نفسه بأنها تخلت عنه.
ومع غروب الشمس أمسكت مارغريت صدرها بألم وهمست وهي تراقب سيارته تبتعد بين الازدحام
إيثان يا بني
تعرفت عليه فورا ملامحه هي نفسها ملامح أبيه وعيناه العسليتان اللتان كانت تقبلهما كل ليلة قبل النوم. لكن الخوف والعار والجوع والخجل جعلتها عاجزة عن مناداته.
سمحت لدمعة وحيدة أن تنساب على خدها.
لم يكن أي منهما يعلم أن القدر قد أعاد جمعهما في نفس السوق كغريبين يجمعهما الدم ويفرقهما الزمن والوجع.
في تلك الليلة عاد إيثان إلى منزله الفاخر على مرتفع يطل على المحيط. ورغم نجاحه وثروته وكل ما وصل إليه شعر بضيق غريب في صدره لم يعرف مصدره. لم يكن يعلم لماذا ظلت صورة تلك المرأة
دخل مكتبه فتح خزانة صغيرة مخفية خلف لوحة وأخرج منها صندوقا خشبيا داكنا. لم يفتحه منذ سنوات. داخل الصندوق كانت هناك صورة قديمة لامرأة شابة تحمل طفلا صغيرا بين ذراعيها. كانت تلك آخر صورة له مع والدته قبل أن تختفي.
جلس على كرسيه وأسند رأسه بين يديه.
أمي ليه اختفيت
في اليوم التالي عاد إيثان إلى السوق لمراجعة بعض الأمور مع المستثمرين لكن شيئا ما دفعه للعودة إلى نفس الزاوية التي رآها فيها. كانت غير موجودة. سأل أحد الباعة
العجوز اللي كانت قاعدة هنا مبارح راحت فين
رد البائع وهو يهز كتفيه
شكلها تعبانة الإسعاف أخدوها آخر الليل. وقعت فجأة وما حدش عرف هي مين.
تجمد إيثان في مكانه. شعر بقلبه يسقط كما لو أنه سمع خبرا يخص أحد أحبائه.
سأل بسرعة
إسعاف أي مستشفى
بعد نصف ساعة كان يقف عند مكتب الاستقبال في مستشفى حكومية متواضعة. وبعد بحث قصير قادته الممرضة إلى غرفة صغيرة فيها امرأة نحيفة موصولة بجهاز مراقبة.
من خلال الزجاج رآها وشيء ما داخله انكسر.
اقترب بخطوات بطيئة وكأنه يسير نحو ماضيه. كانت نائمة لكن ملامحها تلك التجاعيد حول العينين الخطوط حول
جلس قرب سريرها. نظر إليها طويلا قبل أن يمد يده بحذر ليلمس يدها المعروقة. في اللحظة التي لمسها فيها فتحت مارغريت عينيها ببطء.
لثانية كاملة بقيت تنظر إليه دون حركة.
ثم ابتسمت بخجل لا يخلو من الألم.
كنت أعرف إن القدر هيجيبك.
ارتعش صوت إيثان وهو يهمس
أنت أمي
أومأت برأسها وبدأت دموعها تتساقط.
سامحني يا ابني ما كنتش قوية كفاية ما كنتش أم تستاهلك.
هز رأسه بسرعة ودموعه تسبق كلماته
أنا اللي لازم أعتذر أنا دفعتك كنت قاسي ما عرفتش
وضعت يدها المرتجفة على خده وقالت
كفاية إنك جيت دا أكبر اعتذار.
في تلك اللحظة شعر إيثان أن سنوات الفراغ والغضب والحرمان كلها بدأت تذوب.
قضى الأيام التالية بجانبها. نقلها إلى مستشفى أفضل جهز لها غرفة في منزله لاحقا وبدأ يستعيد ما ضاع من عمره معها يسألها يسمع قصصها يعتني بها.
وعندما دعا أصدقاءه يوما لزيارته وقف بجانبها بفخر وقال أمام الجميع
دي أمي وأنا محظوظ إني لقيتها تاني.
ابتسمت مارغريت والدموع تلمع في عينيها وهي تتمتم
وأنا أخيرا بيتي رجع لي.
وبينما كانت الشمس تغرب خلف البحر أدرك إيثان أن أكبر ثروة امتلكها يوما
بل حضن ضائع عاد إليه أخيرا.