اتجوزت بقلم زهرة الربيع
بعد ما جوزي الله يرحمه مات، حسيت إن الدنيا كلها اتقفلت في وشي.
كنت عايشة أنا وبنتي الوحيدة، وهي كانت كل حياتي. ربيتها على قد ما قدرت، علمتها، وقفت جنبها لحد ما كبرت، ولما تمت عشرين سنة واتقدملها شاب محترم، وافقت عليه وقلت لنفسي
خلاص، بنتي هتعيش حياتها وأنا كمان هرتاح وأطمن عليها.
وفعلًا اتجوزت، وسابت البيت، وبقيت أنا لوحدي.
في الأول كنت بقول لنفسي إن الوحدة أهون من وجع القلب، لكن الأيام كانت طويلة جدًا. البيت اللي كان مليان صوت بنتي بقى ساكت بشكل يخوف.
كنت بصحى الصبح أتكلم مع نفسي، وأقعد بالساعات قدام التلفزيون لمجرد إني أسمع صوت حد.
لحد ما ظهر في حياتي جمال.
كان زميل ليا في الشغل، أكبر مني شوية، هادي ومحترم، ومع الوقت بقينا نتكلم كتير. كان بيسأل عليا لو غبت، ويساعدني في الشغل، وبدأت أحس إن وجوده بيكسر الوحدة اللي عشت فيها سنين.
وفي يوم قال لي إنه عايز يتجوزني.
اترددت في البداية، لكن لما حسيت إنه جاد، وافقت.
كان عنده أولاد من زواجه الأول، وعشان ظروفه ما تسمحش إنه يستأجر بيت جديد، اقترحت عليه يعيش معايا في شقتي.
كانت شقة جوزي المرحوم، واللي كنت عايشة فيها من سنين.
بنتي لما عرفت، قالت لي
طالما أنتِ مرتاحة يا ماما، أنا موافقة. ربنا يسعدك.
واتجوزنا.
في البداية كل شيء كان هادي. جمال كان بيحاول يخليني أخرج من حالة الوحدة، والبيت رجع فيه صوت وحركة.
لكن بعد أقل من شهرين، حصل اللي مكنتش أتوقعه.
في يوم متأخر، الباب خبط.
فتحت، لقيت بنتي واقفة قدامي، شايلة شنطة هدوم، وبنتها الصغيرة ماسكة إيدها وبتعيط.
بصيت لها بخوف وقلت
مالك يا بنتي؟
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها
حصلت مشكلة كبيرة بيني وبين جوزي. مش هقدر أرجع البيت دلوقتي.
دخلتها فورًا.
وقلت لها
بيتك يا بنتي، اقعدي براحتك.
لكن من أول يوم، بدأت المشاكل.
الشقة كانت صغيرة على عددنا، وبنتي كانت متوترة، وجمال كان شايف إن وجودها هي وبنتها هيغير نظام البيت كله.
أنا كنت بحاول أرضي الطرفين.
لكن يوم ورا يوم، الخلافات زادت.
جمال كان يقول لي
إحنا محتاجين يكون لينا خصوصيتنا.
وأنا أرد
دي بنتي، ومفيش مكان تاني تروح له دلوقتي.
وفي الناحية التانية بنتي كانت بتقول
يا ماما، هو بيتعامل معايا كأني ضيفة مش بنت البيت.
كنت كل مرة أطلب منهم يهدوا.
لكن اللي حصل في اليوم المشؤوم كان أكبر من أي خلاف.
كنت في المطبخ لما سمعت صوت صراخ.
خرجت بسرعة.
لقيت بنتي وجمال واقفين قدام بعض، وكل واحد فيهم بيتكلم بعصبية.
حاولت أدخل بينهم وأهديهم.
لكن في لحظة، جمال اتحرك بعصبية عشان يبعد بنتي من طريقه، وكانت حفيدتي الصغيرة واقفة قريبة منهم.
اتزحلقت الطفلة، ووقعت وراسها خبطت في طرف الحائط.
اتجمد الدم في عروقي.
بنتي صرخت
بنتي!
جريت عليها.
كانت الطفلة ساكتة، ووشها شاحب.
جمال نفسه وقف مكانه مصدوم.
قلت له
العربية بسرعة!
نزلنا بيها وجريّنا على المستشفى.
طول الطريق بنتي كانت بتبكي، وأنا كنت حاسة إن قلبي هيقف.
دخلنا الطوارئ، والدكاترة أخدو الطفلة فورًا.
وقفنا بره.
دقايق مرت كأنها سنين.
وفجأة خرج الدكتور وقال
مين ولي أمر الطفلة؟
بنتي قامت بسرعة.
قال لها
لازم نعمل أشعة وتحاليل فورًا، والإصابة محتاجة متابعة دقيقة.
بدأت بنتي تبكي.
وأنا قلت
اعملوا كل اللي لازم.
الدكتور بص لنا للحظات، وبعدين قال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي
في حاجة في الأشعة مش متوافقة مع إصابة النهارده بس.
بنتي بصت له بعدم فهم.
يعني إيه يا دكتور؟
الدكتور قال
في أثر إصابة قديمة في نفس المنطقة.
سكتنا كلنا.
بنتي بصت لي.
وأنا بصيت لجمال.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما بدأتش.
لأن الممرضة خرجت بعدها بدقائق، وفي إيدها ملف قديم، وقالت
الدكتور عايز يعرف حاجة مهمة جدًا... الطفلة دي كانت في المستشفى قبل كده؟
بنتي هزت راسها
لا.
الممرضة بصت في الملف وقالت
غريب... لأن عندنا تسجيل باسمها من حوالي شهرين.
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
وبصيت لبنتي وقلت
إنتِ كنتِ بتقولي إن بنتك ما دخلتش مستشفى قبل كده!
ردت وهي منهارة
والله يا ماما ما حصل!
جمال كان واقف ساكت.
وفجأة، تلفونه رن.
بص للشاشة، واتغير وشه.
قال
أنا لازم أرد.
خرج بسرعة من المكان.
وأنا لأول مرة بدأت أشك إن الحكاية أكبر من مجرد حادثة حصلت في البيت.
وبعد دقائق، رجع جمال وهو ماسك ورقة في إيده.
بص لي وقال
لازم تعرفي الحقيقة قبل أي حد.
وقتها ما كنتش أعرف إن الورقة اللي في إيده هتثبت إن حادثة حفيدتي ما كانتش بداية الحكاية...
دي كانت آخر حلقة فيها مسكت الورقة من إيد جمال وأنا مش فاهمة حاجة.
بصيت فيها، لقيت اسم حفيدتي مكتوب، وتاريخ من شهرين تقريبًا.
قلت وأنا مش مستوعبة
إيه ده؟
جمال رد بصوت واطي
دي مش أول مرة الطفلة تدخل المستشفى.
بنتي خطفت الورقة من إيدي وقالت
ده مستحيل!
لكن أول ما قرأت التفاصيل، وشها اتغير.
الورقة كانت تقرير طبي قديم، ومكتوب فيه إن الطفلة حضرت وهي عندها إصابة في ذراعها وكدمة قوية في جسمها.
بنتي قالت وهي بتبص لي
أنا أول مرة أشوف الورقة دي.
جمال سكت.
سألته
إنت عرفت منين؟
قال
أنا ما عرفتش حاجة من نفسي. أنا لقيت التقرير ده بالصدفة.
بنتي قربت منه وقالت بعصبية
إنت كنت بتدور ورايا؟
رد
لا. التقرير ده كان موجود في ملف قديم في مكتب الاستقبال، والاسم لفت نظري.
في اللحظة دي خرج الدكتور وقال
مين والدة الطفلة؟
بنتي جريت له.
قال لها
البنت مستقرة الحمد لله، لكن لازم نعرف سبب الإصابة القديمة.
بنتي قالت
والله ما أعرف.
الدكتور بص لها باستغراب
إزاي؟ الإصابة دي مش بسيطة.
بنتي بدأت تبكي.
أنا والله ما كنت أعرف.
وقتها افتكرت حاجة.
قبل ما بنتي تيجي تعيش معايا بأيام، كانت اتصلت بيا وقالت إن بنتها وقعت وهي بتلعب.
أنا وقتها ما سألتش كتير.
لكن فجأة فهمت إن الوقعة دي ممكن تكون هي نفسها الإصابة اللي الدكتور بيتكلم عنها.
بنتي كانت ساكتة.
بصيت لها وقلت
إنتِ متأكدة إن بنتك ما وقعتش قبل كده؟
قالت
وقعت مرة بسيطة في البيت، بس ما حصلهاش حاجة.
جمال كان واقف بعيد.
فجأة قال
يمكن الوقعة دي مش هي السبب.
بنتي بصت له
يعني إيه؟
قال
التقرير كاتب إن الإصابة حصلت قبلها بفترة.
سكتنا.
وفي اللحظة دي خرجت ممرضة وقالت
لو سمحتوا، في حد بيسأل عن الطفلة.
قلت
مين؟
قالت
راجل اسمه محمود.
بنتي اتجمدت مكانها.
قلت لها
محمود مين؟
قالت بصوت متقطع
جوزي.
قلبي وقع.
هو عرف إن البنت هنا إزاي؟
قبل ما ترد، ظهر محمود آخر الممر.
كان واقف بعيد، وشكله متوتر.
أول ما شاف بنتي، قال
أنا جيت أطمن على بنتي.
بنتي صرخت
إنت عرفت منين إنها هنا؟
سكت.
جمال بص له بتركيز.
ومحمود بدأ يتلعثم.
الدكتور خرج في اللحظة دي وقال
محتاجين نتكلم مع والد الطفلة ووالدتها مع بعض.
بنتي قالت
أنا مش هتكلم معاه.
الدكتور رد
الموضوع طبي، ومش وقت الخلافات.
دخلنا غرفة صغيرة.
الدكتور حط التقرير القديم قدام محمود.
وقال
الإصابة دي حصلت إزاي؟
محمود بص للورقة.
ثواني طويلة مرت.
وبعدين قال
أنا... معرفش.
الدكتور كرر السؤال.
محمود بدأ يتهرب.
لكن بنتي فجأة قالت
إنت كنت موجود يومها.
محمود بص لها.
قالت
أنا فاكرة كويس. اليوم ده رجعت البيت ولقيت البنت بتعيط، وإنت قلت إنها وقعت.
محمود سكت.
وقتها فهمت إن بنتي كانت بدأت تشك فيه من زمان، لكنها ما كانتش عارفة الحقيقة.
وفجأة جمال قال
أنا عرفت حاجة تانية.
كلنا بصينا له.
طلع من جيبه صورة ورقة صغيرة.
وقال
قبل ما نيجي المستشفى، وأنا بدور على بطاقة الطفلة، لقيت دي في شنطة بنتك.
بنتي قالت
دي مش بتاعتي.
بصيت للورقة.
كانت إيصالًا من عيادة أطفال، بتاريخ نفس يوم الإصابة القديمة.
لكن اسم الطبيب كان مختلفًا.
والأغرب من كده...
كان مكتوب في خانة المرافق
محمود.
بنتي حطت إيدها على راسها وقالت
يعني إنت كنت عارف إن بنتنا اتصابت؟
محمود ما ردش.
وساعتها الدكتور قال بهدوء
واضح إن عندنا تفاصيل لازم تتراجع قبل ما نعتبر إصابة اليوم حادثًا منفصلًا.
خرجت من الغرفة وأنا حاسة إن البيت اللي كنت فاكرة إنه سبب المشكلة...
ما كانش هو المشكلة الحقيقية.
المشكلة كانت سر مستخبي من شهور.
والليلة دي، لأول مرة، بدأت الحقيقة تظهر خرجنا من غرفة الدكتور، وأنا حاسة إن دماغي مش قادرة تستوعب كل اللي حصل.
بنتي كانت واقفة قدام محمود، وعينيها مليانة صدمة.
قالت له
إنت كنت عارف إن بنتنا اتصابت، وخبيت عليا؟
محمود فضل ساكت.
جمال قال
خليه يرد.
محمود بص له بعصبية
إنت مالك؟
جمال رد بهدوء
مالي إني كنت موجود النهارده، وشوفت بنت صغيرة اتأذت قدامي. ومش هسكت لو في حاجة مستخبية.
محمود حاول يغير الموضوع، لكن بنتي وقفت قدامه وقالت
أنا مش هتحرك من هنا غير لما أعرف الحقيقة.
ساعتها محمود أخيرًا اتكلم.
قال
أنا ما أذيتش بنتي.
بنتي ردت
طب الإصابة القديمة حصلت إزاي؟
قال
وقعت.
والدكتور؟
الدكتور قال إنها بسيطة.
والإيصال اللي عليه اسمك؟
محمود سكت.
هنا فهمت إن في حاجة مش بيقولها.
وفجأة الممرضة نادت بنتي وقالت
الطفلة فاقت وبتسأل على مامتها.
جريت بنتي عليها.
بعد دقائق رجعت وهي منهارة.
قالت
بنتي قالت كلمة واحدة.
سألتها
قالت إيه؟
بنتي بصت لمحمود.
وقالت
قالت عمو هو اللي قال لي ما أقولش.
اتجمد محمود مكانه.
أنا قربت من بنتي
عمو مين؟
قالت
مش عارفة. هي بتقول عمو، بس كانت خايفة جدًا.
محمود قال بسرعة
أكيد كانت بتتكلم عن حد تاني.
لكن بنتي هزت رأسها.
لا. بنتي قالتلي قبل كده إنها كانت بتخاف من حد.
قلت
مين؟
قالت
كانت بتقول إن في راجل بييجي البيت