راجل مشرد
المحتويات
هنسي. أنا عايزة أعرف أنا مين!
صوتها اتكسر.
إنتِ بنتي.
طب ليه محمود بيقول إنه أبويا؟
مردتش.
ماما؟
سمعتها بتعيط.
وبعدين قالت
عشان هو أبوكي فعلًا.
وقفت مكاني.
الكلام كان واضح.
لكن عقلي رفض يستوعبه.
وإنتِ إنتِ مين؟
قالت
أنا اللي ربيتك.
طب أمي الحقيقية مين؟
سكتت طويلًا.
وبعدين قالت
أمك ماتت يوم ولادتك.
حسيت إن صدري اتقفل.
ومحمود كان عارف؟
أيوه.
طب أنا جيت عندك إزاي؟
قالت بصوت واطي
عشان أنا وعدت أختي إني أحميكي.
أختها؟
أمي كان عندها أخت؟
طول عمري كنت فاكرة إنها وحيدة.
ماما إنتِ بتقولي إيه؟
قالت
أختي كانت مرات محمود.
وبعدين سمعت صوتها وهي بتشهق.
وإنتِ مش الطفلة الوحيدة اللي اتولدت الليلة دي.
قبل ما أسألها، الخط اتقفل.
فضلت واقفة والموبايل على ودني.
أختها كانت مرات محمود.
يعني الست اللي ربتني كانت خالتي؟
والطفل التاني
مين كان؟
رجعت للجواب، وبدأت أدور على أي حاجة تانية.
لقيت ورقة صغيرة ملزوقة في ضهر الصورة.
فتحتها بحذر.
كان مكتوب فيها
أودري، لو أمك قالتلك إنها وعدت أختها تحميكي، اسأليها عن اسم الطفل التاني.
لكن متسأليهاش عن مكانه.
لأنها مش هي اللي خبّته.
وتحت الجملة، اسم واحد
يوسف.
يوسف؟
مين يوسف؟
في اللحظة دي، الموبايل رن برسالة جديدة.
رقم مجهول.
أنا يوسف.
أخوكي التوأم.
ولو عايزة تعرفي ليه محمود اتجوزك على الورق، لازم تقابليني بكرة الصبح عند محطة المترو اللي كنتِ بتشوفيه فيها.
تعالي لوحدك.
ومتقوليش لخالتك.
فضلت باصة للرسالة.
خالتك.
حتى هو عارف.
وبعدين وصلت رسالة تانية
وفي حاجة لازم تعرفيها قبل ما تقابليني
محمود مكنش بيدور عليكي إنتِ بس.
كان بيدور علينا إحنا الاتنين.
والسبب اللي خلاه يختارك إنتِ بالذات، مش أخوكي، موجود في عقد الجواز اللي مضيتيه معاه.
فتحت شنطتي وطلعت نسخة عقد الجواز.
كنت فاكرة إنه مجرد ورق عادي.
لكن في أسفل الصفحة، جنب توقيع محمود، كان فيه رقم صغير مكتوب بالقلم الأزرق
٢١٧.
نفس رقم الملف.
وفجأة افتكرت كلام الدكتور يحيى
الملف ٢١٧ مش مجرد ملف ولادة.
قعدت على الأرض، وضمّيت الورق لصدري.
أنا كنت فاكرة إني اتجوزت راجل غريب عشان أريّحه في آخر أيامه.
لكن الحقيقة كانت إن محمود كان بيحاول يوصلني لحاجة مستخبية من خمسة وعشرين سنة.
والسؤال اللي فضل يطاردني طول الليل
إيه اللي موجود في الملف ٢١٧، وليه كان لازم أكون أنا اللي أفتحه بعد موته؟
الجزء الخامس أخويا اللي ظهر بعد خمسة وعشرين سنة
فضلت طول الليل قاعدة قدام عقد الجواز، مش قادرة أغمض عيني.
كل ما أبص على الرقم ٢١٧، أحس إن حياتي كلها كانت مبنية على سر أنا آخر واحدة تعرفه.
وقبل الساعة سبعة الصبح، لبست ونزلت.
كنت رايحة أقابل يوسف.
أخويا التوأم.
الراجل اللي عرفت بوجوده من كام ساعة بس.
وصلت محطة المترو، ووقفت في نفس المكان اللي محمود كان بيقعد فيه كل يوم.
نفس الرصيف.
نفس مدخل المحطة.
حتى محل القهوة كان لسه فاتح.
طلبت كوبايتين.
واحدة بلبن، والتانية سادة.
حطيتهم على الدكة، وفضلت أبص للناس اللي داخلة وخارجة.
لحد ما شفت راجل واقف بعيد، لابس جاكت رمادي، وماسك صورة قديمة في إيده.
كان شبه محمود بشكل غريب.
لكن عينيه كانت مختلفة.
قرب مني ببطء.
أودري؟
بصيت له.
يوسف؟
هز راسه.
ولثواني، فضلنا ساكتين.
كان فيه شبه بينا، مش في الملامح بس، لكن في طريقة الوقوف، وحتى حركة إيده وهو بيحاول يخبي توتره.
مد إيده بالصورة.
دي صورة لينا وإحنا أطفال.
مسكتها.
طفلين صغيرين نايمين جنب بعض في سرير مستشفى.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
أودري ويوسف، أول يوم في حياتهم.
حسيت بدموعي بتتجمع.
إنت كنت تعرفني؟
قال
لأ. أنا عرفت بوجودك من شهرين بس.
شهرين؟ إزاي؟
بص ناحية المحطة، وبعدين رجع بصلي.
محمود هو اللي وصلني ليكي.
طب ليه استنى كل السنين دي؟
اتنهد.
لأنه كان خايف.
خايف من مين؟
سكت شوية.
وبعدين قال
من الشخص اللي ربّاني.
قلبي دق بسرعة.
إنت اتربيت عند مين؟
قال اسمًا خلاني أتراجع خطوة.
عند عماد عبدالسلام.
عماد؟
الاسم ده كان مكتوب في ورقة صغيرة لقيتها وسط أوراق محمود.
لكن وقتها ماكنتش فاهمة علاقته بالحكاية.
عماد ده مين؟
يوسف بصلي بجدية.
أخو محمود.
وبعدين طلع من جيبه ظرف صغير.
محمود بعتهولي قبل ما يموت، وقاللي ما افتحوش غير لما أقابلك.
فتحته.
كان جواه ورقة واحدة مكتوب فيها
يوسف، لو وصلت لأختك، يبقى الوقت جه تعرفوا الحقيقة.
أنا ما سبتكوش بإرادتي.
في الليلة اللي اتولدتوا فيها، حصلت مصيبة في المستشفى.
وأنا وافقت على قرار عماد، لأني كنت فاكر إنه الحل الوحيد عشان أحميكم.
لكن بعد ما عرفت الحقيقة، كان الوقت فات.
رفعت عيني ليوسف.
هو يقصد إيه؟
يوسف هز راسه.
معرفش. بس فيه حاجة تانية.
طلع من جيبه مفتاحًا قديمًا.
نفس شكل المفتاح اللي محمود سابهولي.
ده كان معايا من وأنا صغير.
بصيت للمفتاحين.
كانوا شبه بعض تمامًا.
إنت جبت المفتاح ده منين؟
من صندوق خشب عماد كان مخبيه في مكتبه.
وإيه اللي جواه؟
قال
معرفش. عماد مات من أسبوعين، ولما دخلت مكتبه بعد الوفاة، لقيت الصندوق مفتوح وفاضي.
حسيت إن قلبي هيقف.
مات من أسبوعين؟
أيوه.
ومحمود مات من كام يوم.
يوسف بصلي.
عارفة إيه الغريب؟
إيه؟
عماد مات في نفس اليوم اللي محمود بعتلك فيه الجواب.
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعدين يوسف قال
أودري، أنا مش عارف مين فيهم كان بيحاول يحمينا، ومين كان بيخبي الحقيقة.
لكن قبل ما أقدر أرد، ظهر راجل كبير في السن من وسط الزحمة.
كان لابس بدلة كحلي، وماسك عصاية.
وقف قدامنا، وبص ليوسف.
كنت عارف إنك هتيجي هنا.
يوسف وشه اتغير.
حضرتك مين؟
الراجل تجاهل سؤاله، وبصلي أنا.
إنتِ أودري؟
هزيت راسي.
مد إيده ببطء وطلع بطاقة قديمة.
أنا المستشار فؤاد منصور. كنت المحامي الخاص بمحمود عبدالسلام.
وبعدين قال جملة خلت يوسف يسيب المفتاح من إيده.
محمود موصيني أسلمكم وصيته الحقيقية.
بصيت له.
وصيته الحقيقية؟ مش هو مات وسابلي جواب؟
هز راسه.
الجواب كان مجرد بداية.
فتح حقيبته وطلع ملفًا بنيًا.
على الغلاف كان مكتوب
ملف ٢١٧ أودري ويوسف عبدالسلام.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت شهادة ميلاد.
لكن الاسم المكتوب فيها مش اسمي.
ولا اسم يوسف.
كان فيه اسم طفلة تالتة.
مريم عبدالسلام.
بصيت للمستشار فؤاد وأنا مش فاهمة.
مين مريم؟
الراجل سحب نفسًا طويلًا.
أختكم التالتة.
يوسف قرب من الملف.
إنت بتقول إيه؟ إحنا كنا توأم!
المستشار فؤاد هز راسه.
محمود كان فاكر إنكم اتنين، لكن الحقيقة إن مراتُه ولدت ثلاثة أطفال.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
ثلاثة؟
يعني كان عندي أخت كمان؟
طب هي فين؟
المستشار فؤاد قفل الملف فجأة.
دي بالذات هي الحقيقة اللي محمود مات وهو بيحاول يوصلها.
وبعدين بصلي في عيني.
لأن مريم مش مفقودة يا أودري.
سكت لحظة.
مريم عايشة، وإنتِ تعرفيها من زمان.
وقبل ما أقدر أسأله عن اسمها، يوسف مسك دراعي وقال بصوت مرتعش
أودري بصي وراكي.
لفيت.
وكانت واقفة قدامنا ست كبيرة، بتبصلي ودموعها نازلة.
أمي.
لكن المرة دي، ما كانتش جاية لوحدها.
كان معاها بنت في سني تقريبًا، شايلة صورة قديمة في إيدها.
والبنت دي أول ما شافتني قالت
أخيرًا لقيت أختي.
ثم رفعت الصورة قدامي.
كانت صورة لينا إحنا الاتنين وإحنا أطفال.
وعلى ظهرها مكتوب بخط أمي
مريم وأودري اليوم اللي اتفرقوا فيه.
الجزء السادس أمي كانت عارفة كل حاجة!
فضلت باصة للبنت اللي واقفة قدامي، مش قادرة أصدق إنها ممكن تكون أختي.
كانت شبه ماما في عينيها، وشبه محمود في شكل وشها.
لكن أكتر حاجة خوفتني، إنها كانت بتبصلي كأنها عارفة عني كل حاجة.
قلت بصوت مرتعش
إنتِ مريم؟
هزت راسها، ودموعها نازلة.
أيوه يا أودري أنا أختك.
بصيت لماما.
إنتِ كنتِ عارفة؟
ماما نزلت عينيها.
أيوه.
حسيت إن قلبي اتكسر.
من إمتى؟
ردت مريم بدلها
من يوم ما اتولدنا.
يوسف قرب منها.
استني إحنا فعلًا كنا تلاتة؟
مريم طلعت ورقة قديمة من شنطتها.
دي شهادة الميلاد الأصلية. محمود كان محتفظ بنسخة منها.
مسكت الورقة.
ثلاثة أسماء.
أودري عبدالسلام.
يوسف عبدالسلام.
مريم عبدالسلام.
وتحت الأسماء، توقيع الطبيب المناوب.
الدكتور يحيى منصور.
رفعت عيني للمستشار فؤاد.
أنا عايزة أفهم كل حاجة. دلوقتي.
فتح الملف تاني، وطلع منه صورة قديمة لمحمود، واقف قدام مستشفى النور، شايل طفلين، وفي إيده التالتة ورقة ملفوفة.
قال
اللي حصل ليلة ولادتكم كان بسبب خلاف عائلي كبير.
ماما شهقت.
فؤاد، مش هنا.
بصيت لها.
لأ يا ماما، هنا. قدامهم كلهم.
ماما قعدت على الدكة، وحطت إيديها على وشها.
وبدأت تحكي.
أختي، أمكم الحقيقية، كانت متجوزة محمود، وكانوا عايشين حياة هادية، لحد ما أخوه عماد دخل في حياتهم.
عماد كان مقتنع إن محمود هيخسر كل ثروته بسبب شراكة قديمة، وإن أولاده هيبقوا سبب في ضياع الشركة.
وفي ليلة ولادتكم، حصلت مشكلة كبيرة في المستشفى.
محمود كان مسافر، وعماد هو اللي كان موجود.
ولما أمكم ماتت بعد الولادة، عماد استغل الصدمة، وقرر يفرق بينكم.
يوسف قاطعها
يعني عماد هو اللي فرقنا؟
ماما هزت راسها.
أيوه. لكنه مكنش لوحده.
بصيت للدكتور فؤاد.
مين كان معاه؟
المستشار فؤاد حط الملف على الدكة.
الدكتور يحيى.
حسيت بصدمة.
الدكتور يحيى؟!
ماما كملت
الدكتور يحيى كان خايف على المستشفى، وخاف إن عماد يفضح مخالفات حصلت في الإدارة. فوافق يغيّر بعض الأوراق.
يوسف ضرب كف بكف.
طب ومحمود كان فين من كل ده؟
ماما بصتلي.
محمود رجع بعد ما كل حاجة خلصت.
وإيه اللي حصل؟
قالت
عماد قاله إن طفل واحد بس هو اللي عاش.
اتجمدت.
طفل واحد؟
أيوه. وقاله إن الطفلين التانيين ماتوا.
مريم بدأت تعيط.
يعني بابا كان فاكر إننا متنا؟
المستشار فؤاد هز راسه.
لسنين طويلة، أيوه.
سكتنا كلنا.
وبعدين ماما قالت
محمود صدّق عماد، لأنه كان منهار بعد وفاة زوجته.
بصيت لها.
طب إنتِ كنتِ عارفة إننا عايشين؟
ماما غمضت عينيها.
أنا كنت عارفة إن أودري عايشة.
قلبي وقع.
وأنا؟
يوسف قالها بصوت مخنوق.
ماما بصت له.
إنت كمان كنت عايش، لكن عماد أخدك بعيد.
يوسف رجع خطوة.
وإنتِ سبتيني؟
ماما انفجرت في العياط.
كنت خايفة يا يوسف! عماد هددني إنه لو اتكلمت، مش هقدر أحمي أودري.
بصيت لها وأنا مش قادرة أستوعب.
طب ومريم؟
ماما رفعت عينيها ناحية البنت اللي واقفة جنبها.
مريم فضلت مع عماد.
مريم مسحت دموعها.
أنا اتربيت في بيته، وكان طول عمري بيقولي إن أمي ماتت، وإن محمود مش عايزني.
يوسف قرب منها.
يعني إحنا كنا عايشين كل ده قريبين من بعض، ومحدش فينا يعرف التاني؟
مريم هزت راسها.
أيوه.
المستشار فؤاد فتح الملف وطلع ورقة أخيرة.
لكن محمود اكتشف الحقيقة من شهرين بس.
بصيت له.
إزاي؟
قال
لما عماد مات، محمود لقى صندوقه القديم. جواه صوركم، وشهادات الميلاد، ورسالة مكتوبة بخط عماد.
مدلي الورقة.
كان مكتوب فيها
محمود
أنا عارف إنك هتكرهني لما تعرف الحقيقة.
لكن أنا فرّقت بين أولادك عشان أحمي الشركة من الانهيار.
كنت فاكر إن الفلوس أهم من العيلة.
لكن لما فهمت حجم اللي عملته، كان الوقت فات.
لو لسه عايز تصلح اللي حصل، دور على أودري.
هي الوحيدة اللي تقدر تجمع إخواتها.
حسيت بدموعي بتنزل.
محمود كان بيدور عليا عشان يجمعنا.
لكن ليه اتجوزني؟
وليه كتب عقد الجواز برقم الملف؟
سألت المستشار فؤاد.
ابتسم بحزن.
لأنه كان عايز يضمن إنك توصلي للحقيقة بنفسك.
إزاي؟
طلع ورقة من آخر الملف.
محمود حط شرط في وصيته، إن كل واحد منكم لازم يوقّع على استلام نسخة من الملف، عشان يقدر يفتح صندوق الأمانات اللي في البنك.
يوسف بص له.
وصندوق الأمانات فيه إيه؟
المستشار فؤاد رد
كل المستندات الأصلية
متابعة القراءة