راجل مشرد

لمحة نيوز

راجل مشرد كان ماسك يافطة كارتون مكتوب عليها.. اتجوزيني.. فاضل لي شهر واحد بس
وافقت عشان صعب عليا
بس بعد الجنازة بتاعته.. جواب وصلني في البريد.. وبمجرد ما قريت أول كام سطر.. وشي بقى تلج
كنت بعدي عليه كل يوم الصبح بقالى بتاع سنتين وأنا رايحة الشغل
كان راجل مشرد هادي ومحترم.. على طول قاعد جنب مدخل محطة المترو بتاعتي
ومع الوقت بقى لينا روتين صغير
كنت أقف عند بتاع القهوة.. أجيب كوبايتين.. بتاعتي بلبن.. وبتاعته سادة.. وأقعد معاه كام دقيقة قبل ما أروح المكتب
معظم الصبح كنا بنتكلم في ولا حاجة مهمة
الجو
الزحمة
الحمام
أوقات كان بيهزر على جزم الشغل بتاعتي أو يشتكي إن الناس بتمشي بسرعة
وبعدين.. في يوم تلات الصبح تلج الشهر اللي فات.. كل حاجة اتغيرت
مكنش بيطلب فلوس من حد
كان قاعد على الرصيف وحاطط حتة كارتون على ركبته
مكتوب عليها بخط أسود عريض
اتجوزيني.. فاضل لي شهر واحد وأموت
وقفت فوراً
وبعدين وطيت جنبه واديته قهوته اللي متعودة عليها
ايه ده؟
كان شكله أوحش من أي مرة شفته فيها قبل كده
وشه أصفر.. وايديه بتترعش وهو ماسك الكوباية
العيادة بتقول فاضل لي بتاع شهر قال بصوت واطي
بصيت له
حصل ايه؟
فشل كبدي
بطني وجعتني
أنا آسفة جداً
لحظة محدش فينا اتكلم
وبعدين شاورت على اليافطة
بس ليه بتطلب من حد يتجوزك؟
نزل عينه
مش عايز أموت كأني ولا حاجة.. أنا عايز يبقى في شخص واحد اسمه مرتبط باسمي.. حد يقدر يقول إني كنت تبعه
صوته اتكسر
مش عايز المدينة هي اللي تتعامل مع كل حاجة بعد ما أموت.. مش عايز أنتهي كمجرد اسم منسي على ورقة
وده كان كل اللي محتاجاه
أنا طول عمري عندي ضعف ناحية الناس اللي محتاجة مساعدة
كنت لوحدي
وهو بيموت
وفي دماغي.. ده مكنش جواز حقيقي
دي كانت ورق
حل عملي ممكن يدي لراجل بيموت شوية كرامة
فبعدها بيومين.. روحنا المحكمة
مضينا الورق
مفيش دبل
مفيش معازيم
مفيش ورد
مفيش فرح
بعد 11 دقيقة.. قانوناً.. بقيت مراته
وكنت عمالة أقول لنفسي ده مش جواز حقيقي
ده مجرد ترتيب على الورق
بعدها ب 3 أسابيع.. مات في دار رعاية تبع الدولة
كنت قاعدة جنبه في ساعاته الأخيرة
وكنت فاكرة إن دي نهاية قصتنا الغريبة الصغيرة
لحد امبارح
لما فتحت صندوق البريد.. لقيت ظرف أبيض تخين مكتوب عليه اسمي بخط ايده اللي بيترعش
تاريخ البريد كان اليوم اللي قبل ما يموت
خدته ودخلت وقعدت على ترابيزة المطبخ
لحظة ابتسمت فعلاً
افتكرت إنه كاتب لي شكر أخير
يمكن وداع
يمكن آخر هزار
فتحت الظرف وفردت كذا صفحة مكتوبة بخط الايد
وابتدت أقرا
كنت متوقعة حاجة حلوة
حاجة حزينة
حاجة تخليني أعيط
بدل كده.. بعد كام جملة بس.. ايديا وقفت
الدم هرب من وشي
عشان أخيراً اعترف بحاجة عمره ما قالهالي وهو عايش
السبب اللي عشانه طلب مني أتجوزه
مكنش السبب اللي قالهولي خالص
الجزء التاني الجواب اللي قلب حياتي
يا مراتي العزيزة
لو إنتِ دلوقتي بتقري الجواب ده، يبقى أنا غالبًا مشيت، ومبقاش عندي فرصة أشرحلك الحقيقة بنفسي.
عارف إنك هتزعلي مني، ويمكن تكرهيني، بس صدقيني، أنا عمري ما كنت عايز أأذيكي.
فاكرة أول يوم وقفتي فيه قدامي واديتيلي كوباية القهوة؟
أنا فاكر اليوم ده كويس أوي.
مش عشان القهوة كانت حلوة، لكن عشان إنتِ كنتِ أول واحدة من سنين تبصيلي في عيني وإنتِ بتتكلمي معايا، مش تبصيلي كأني حاجة مرمية على الرصيف.
بس فيه حاجة لازم تعرفيها
أنا مكنتش قاعد جنب محطة المترو بالصدفة.
أنا كنت مستنيكي إنتِ بالذات.
وقفت عن القراءة.
حسيت إن الكرسي اللي قاعدة عليه اتحرك من تحتي.
رجعت قريت الجملة تاني.
كنت مستنيكي إنتِ بالذات.
إزاي؟
أنا عمري ما شفته قبل السنتين دول، على حد علمي.
إزاي راجل مشرد يعرفني، ويستنانى كل يوم، ويكون عنده سبب مخصوص عشان يختارني أنا من بين كل الناس؟
كملت وأنا إيديا بتترعش.
عارف إنك دلوقتي بتسألي نفسك إزاي؟
الإجابة موجودة في الصورة اللي هتلاقيها في آخر الجواب.
بس قبل ما تشوفيها، لازم تعرفي إن الجواز اللي وافقتي عليه عشان تديلي شوية كرامة قبل ما أموت، كان بالنسبالي آخر محاولة أصلح بيها غلطة عملتها من خمسة وعشرين سنة.
غلطة بسببها إنسانة بريئة دفعت تمن أكبر من اللي تستحمله.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
خمسة وعشرين سنة؟
إيه علاقة راجل مشرد بحياتي من خمسة وعشرين سنة؟
قلبت الصفحة.
أنا اسمي الحقيقي مش الاسم اللي كنتِ بتناديني بيه.
اسمي الحقيقي هو محمود عبدالسلام.
كنت زمان مهندس، وعندي بيت، ومراتي، وبنت صغيرة كانت بتحب القهوة باللبن زيك بالظبط.
كنت فاكر إني راجل ناجح، وإن الفلوس والسلطة يقدروا يصلحوا أي مشكلة.
لحد الليلة اللي ضيعت فيها بنتي.
ومن يومها وأنا بدور عليها.
حطيت إيدي على بقي.
بنت؟
هو كان عنده بنت؟
طب إيه علاقة الكلام ده بيا؟
رجعت للصفحة الأولى أدور على أي اسم، أي معلومة، أي حاجة تفهمني.
لكن مفيش.
كل اللي لقيته في آخر الصفحة جملة واحدة
إنتِ مش مجرد ست طيبة ساعدت راجل بيموت يا بنتي
إنتِ آخر خيط فاضل يربطني ببنتي الحقيقية.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
بنتي الحقيقية؟
يعني إيه؟
أنا كنت متبناة؟
ولا هو فاكرني بنته؟
ولا فيه سر أكبر من كده؟
فتحت الصفحة اللي بعدها بسرعة.
عارف إنك مش فاهمة، وعارف إنك ممكن تكوني خايفة.
عشان كده هقولك حاجة محدش يعرفها غيري وغير أمك.
لما اتولدتي، كان عندك علامة صغيرة تحت كتفك الشمال، شبه الهلال.
وأمك كانت بتقول إن العلامة دي هتخليكي مميزة عن كل الناس.
إيديا وقفت.
قلبي بقى بيدق بعنف.
علامة الهلال؟
أنا فعلًا عندي علامة صغيرة تحت كتفي الشمال.
أمي كانت بتقولي من وأنا صغيرة إنها علامة ولادة، وإنها شبه الهلال.
بس إزاي هو يعرف؟
إزاي راجل كنت فاكرة إني قابلته بالصدفة يعرف حاجة زي دي؟
قومت من مكاني وجريت ناحية أوضتي.
فتحت الدولاب، وطلعت علبة قديمة فيها صور طفولتي وشهادة ميلادي وأوراق كنت محتفظة بيها من زمان.
كنت بدور على أي حاجة تثبت إن كلامه مجرد تخمين.
لكن وأنا بقلب في الصور، وقعت مني صورة قديمة.
صورة ليا وأنا عندي حوالي تلات سنين، واقفة في حضن أمي قدام بيتنا القديم.
قلّبت الصورة.
كان مكتوب وراها بخط أمي
بنتي حبيبتي يوم رجوعها ليا.
رجوعها؟
ليه أمي كتبت رجوعها مش يوم ميلادها؟
قبل ما أستوعب، سمعت صوت إشعار من موبايلي.
رسالة من رقم غريب.
فتحتها.
مساء الخير يا مدام أودري.
أنا آسف إني بتواصل معاكي بالطريقة دي، بس فيه حاجة لازم تعرفيها عن جوزك الراحل محمود.
أنا كنت شريكه في الشركة زمان، وأنا الشخص الوحيد اللي يعرف إيه اللي حصل لبنته من خمسة وعشرين سنة.
لو قريتي الجواب اللي هو سايبهولك، متصدقيش كل حاجة مكتوبة فيه.
محمود كان مخبي عنك الحقيقة الأهم.
فضلت باصة للرسالة وأنا مش قادرة أتحرك.
مين الشخص ده؟
وعرف منين إنه بعتلي جواب؟
وقبل ما أقدر أرد، وصلت رسالة تانية.
بصي كويس على الصورة اللي في آخر الجواب.
وبعدين اسألي نفسك ليه أمك عمرها ما حكتلك عن أول تلات سنين من حياتك؟
رجعت بسرعة للترابيزة.
مسكت الجواب وبدأت أقلب صفحاته لحد ما وصلت لآخر ورقة.
كان فيه صورة قديمة بالأبيض والأسود.
صورة لطفلة صغيرة واقفة قدام بوابة مستشفى، ماسكة في إيد راجل لابس بدلة.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
أودري اليوم اللي اختفت فيه بنتي.
شهقت.
الطفلة كانت أنا.
أنا متأكدة.
نفس العينين، نفس شكل وشي، حتى العلامة الصغيرة اللي فوق حاجبي.
لكن الراجل اللي واقف جنبي
كان محمود.
وتحت الصورة كان فيه عنوان مكتوب بخط إيده
لو عايزة تعرفي مين أخدك من حضني، روحي للمكان اللي بدأت منه الحكاية.
مستشفى النور القديم.
الأرشيف، الدور التالت.
اسألي عن الملف رقم ٢١٧.
وفجأة، افتكرت حاجة.
أمي كانت دايمًا بتمنعني أتكلم عن المستشفى اللي اتولدت فيه.
وكل ما أسألها عن أول صورة ليا، كانت تقول إن الصور القديمة ضاعت في حريق.
لكن مفيش أي حريق حصل في بيتنا القديم.
كنت لسه بحاول أرتب أفكاري، لما جرس الباب رن.
بصيت في الساعة.
الساعة كانت عشرة بالليل.
مين اللي هييجي في الوقت ده؟
قربت من الباب وبصيت من العين السحرية.
راجل كبير في السن، لابس جاكت بني، وماسك ظرف أسود.
فتحت الباب بحذر.
بصلي وقال
إنتِ مدام أودري؟
أيوه حضرتك مين؟
مد إيده بالظرف.
أنا جاي من طرف محمود بيه.
اتجمدت مكاني.
محمود؟
هز راسه.
هو موصيني أسلمك الظرف ده بعد وفاته، بشرط إنك تكوني قريتي الجواب الأول.
مسكت الظرف وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
سألته بسرعة
إنت تعرف إيه عن محمود؟
بص ناحية السلم، وبعدين رجع بصلي.
أعرف إن الراجل ده عاش خمسة وعشرين سنة وهو بيدور على بنته وأعرف إن فيه حد كان بيتأكد إنها متعرفش الحقيقة.
مين؟
اتردد لحظة.
وبعدين قال
أمك.
حسيت إن الأرض اختفت من تحتي.
أمي؟
ماما؟
الست اللي ربتني طول عمري؟
اللي كانت بتخاف عليا من الهوا؟
قبل ما أتكلم، الراجل قرب مني وقال بصوت واطي
بس خلي بالك يا مدام أودري
محمود مكنش بيدور على بنته عشان يرجعها لحضنه وبس.
هو كان بيدور على دليل يثبت إن اللي حصل زمان مكنش حادثة اختفاء عادية.
سكت لحظة، وبعدين كمل
والدليل ده موجود في الملف رقم ٢١٧.
قفلت الباب وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
فتحت الظرف الأسود.
جواه مفتاح صغير، وورقة مكتوب فيها
لو وصلتي لحد هنا، يبقى لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
بس قبل ما تروحي المستشفى
اتصلي بالرقم اللي تحت.
الشخص ده هو الوحيد اللي يقدر يقولك مين اللي كان موجود في غرفة الولادة يوم اختفائك.
وتحت الكلام كان فيه رقم تليفون.
وفي آخر السطر، جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
أودري الشخص اللي هتتصلي بيه هو أبوكي الحقيقي.
الجزء الرابع الملف اللي اختفى من المستشفى
رجعت لورا وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
الراجل اللي بره الباب خبط تاني.
مدام أودري، أنا عارف إنك سامعاني.
بصيت للموبايل، والدكتور يحيى لسه على الخط.
همست
أعمل إيه؟
قال بسرعة
ادخلي أوضة نومك، واقفلي الباب، واتصلي بالشرطة لو حاول يدخل.
وإنت؟
أنا هتصرف.
لكن قبل ما يقفل، سمعته بيقول بصوت واطي
يا رب ألحق أصلح اللي عملته زمان.
الخط اتقطع.
دخلت أوضة النوم وقفلت الباب، وفضلت واقفة وراه، سامعة صوت خطوات الراجل وهو بيتحرك قدام الشقة.
وبعد دقايق طويلة، سمعت باب العمارة بيتقفل.
استنيت شوية، وبعدين خرجت.
الشقة كانت هادية.
لكن لما بصيت من العين السحرية، لقيت ورقة صغيرة محشورة تحت الباب.
فتحتها.
كان مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي الحقيقة، اسألي أمك عن الطفل التاني.
طفل تاني؟
أنا اتولدت لوحدي، على حد علمي.
ولا يمكن
توأم؟
مسكت الموبايل واتصلت بأمي.
ردت بعد رنتين.
أيوه يا أودري، مالك؟ صوتك مخضوض ليه؟
حاولت أتماسك.
ماما، أنا عايزة أسألك سؤال.
اسألي يا حبيبتي.
أنا اتولدت لوحدي؟
سكتت.
سكتة قصيرة، لكنها كانت كفاية تخليني أحس إن فيه حاجة غلط.
أيوه طبعًا. إنتِ مالك؟
متأكدة؟
أيوه يا بنتي، هو فيه إيه؟
غمضت عيني.
ماما كان فيه طفل تاني اتولد معايا؟
سمعت صوت حاجة وقعت من إيدها.
وبعدين قالت بصوت مختلف
إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
قلبي وقع.
يعني كان فيه طفل تاني؟
أودري، إنتِ بتسألي أسئلة غريبة ليه؟
عشان راجل اسمه محمود مات من كام يوم، وسابلي جواب بيقول إنه كان بيدور على بنته من خمسة وعشرين سنة.
سمعت أمي بتتنفس بسرعة.
محمود؟
أيوه.
هو مات؟
أيوه يا ماما.
سكتت.
وبعدين قالت بصوت مبحوح
كان لازم يموت قبل ما يقولك.
حسيت إن جسمي كله اتجمد.
يعني إيه؟
أودري، اسمعيني كويس إنتِ لازم تنسي الموضوع ده.
لأ، مش

تم نسخ الرابط