اخويا

لمحة نيوز

أخويا عنده متلازمة داون، وكل ما ييجي عندي يقولي
بيتك فيه ريحة وحشة يا نعيم... نضف بيتك!
في الأول افتكرت إنه بيتدلع أو إن فيه حاجة معينة بتضايقه، لكن اللي حيّرني إن حتى بعد ما كنت بنضف البيت لدرجة إن ريحته تبقى زي ريحة الفنادق، نصر كان يدخل ويقول نفس الجملة.
ولما عرفت السبب الحقيقي...
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
أنا اسمي نعيم.
راجل بسيط، ربنا كرمني بزوجة محترمة وولاد، وبيتنا صغير لكنه مليان ستر ورضا.
وأخويا الصغير اسمه نصر.
عنده تمنتاشر سنة، وعنده متلازمة داون.
نصر كان مختلف عن كل اللي أعرفهم.
طيب، هادي، وبيحب الناس، لكن عنده حاجة غريبة جدًا...
كان أحيانًا يلاحظ حاجات إحنا مش واخدين بالنا منها.
في يوم أمي جت تزورني ومعاها نصر.
أول ما دخل الشقة، وقف مكانه.
شم الهوا.
بص للأرض.
وبعدين قال
يا نعيم... البيت فيه ريحة وحشة.
اتكسفت جدًا.
بصيت لمراتي وقلت
مش كنا لسه منضفين؟
قالت
والله البيت نضيف.
لكن نصر كان مصمم.
قعد أقل من عشر دقايق، وبعدها شد إيد أمي وقال
نمشي يا أمه.
الموضوع اتكرر.
مرة...
واتنين...
وعشرة.
كل مرة نفس الكلام.
وفي كل مرة كنت أراجع البيت كله.
المطبخ.
الحمام.
الطرقات.
حتى مواسير الصرف.
ولا حاجة.
وفي يوم كنت متعصب، قلت لنصر
يا نصر، قولي الريحة جاية منين بالضبط؟
سكت.
وبص تحت رجليه.
وبعدين قال
من هنا.
وأشار للأرض.
ضحكت وقتها، وقلت
من البلاط يعني؟
هز راسه.
أيوه.
افتكرت إنه مش فاهم.
لكن الحقيقة إن أنا اللي ما كنتش فاهم.
بعدها بأيام، عزمت أمي ونصر على الغدا.
مراتي عملت أكل كتير.
وأول ما دخل نصر، وشه اتغير.
حط إيده على مناخيره وقال
الريحة أقوى النهارده.
المرة دي أنا فقدت أعصابي.
قلت له بصوت عالي
يا نصر كفاية! البيت نضيف، والأكل نضيف، وإحنا تعبنا من الموضوع ده!
سكت نصر.
وبص لي بحزن.
أمي أخدته ومشيت.
بعد ما الباب اتقفل، فضلت واقف مكاني ندمان.
مراتي قالت
نعيم، أخوك مش بيعمل كده من غير سبب.
الجملة دي علقت في دماغي.
فنزلت ورا أمي ونصر.
لقيتهم عند أول الشارع.
قربت من نصر وقلت
معلش يا أخويا، أنا آسف.
بص لي شوية، وبعدين قال
أنا مش زعلان منك.
استغربت.
أمال ليه بتقول إن فيه ريحة؟
قرب من أذني وقال
علشان أنا خايف عليك.
اتجمدت.
خايف عليا من إيه؟
أشار ناحية البيت وقال
الأرض بتوجعني لما أقف فوقها.
رجعت معاه البيت.
المرة دي ما ضحكتش.
طلعت للمخزن اللي تحت السلم.
فضلت واقف هناك.
افتكرت كلامه.
وبدأت أخبط على البلاط.
خبطت في كل مكان.
لحد ما وصلت لآخر جزء.
خبطت.
الصوت كان مختلف.
صوت أجوف.
نزلت على ركبتي وخبطت تاني.
نصر كان واقف بعيد.
وأشار لنفس المكان وقال
هنا.
جبت صنايعي.
شال جزء من البلاط.
وتحت البلاط لقينا غطاء حديد قديم.
رفعناه.
كان فيه فراغ تحت الأرض.
وفي الفراغ ده...
كان فيه صندوق معدني صغير.
طلعت الصندوق وفتحته.
لقيت أوراق قديمة جدًا.
وصورة لوالدي الله يرحمه.
وصورة لبيت قديم.
لكن أغرب حاجة كانت ورقة مكتوب عليها
إلى نعيم... لو وصلت للورقة دي، اعرف إن والدك كان بيحاول يحميك.
وقفت مش قادر أتكلم.
والدي مات من سنين.
إيه اللي كان بيحاول يحميني منه؟
قلبت باقي الأوراق.
لقيت عقد ملكية قديم باسم والدي.
وبجانبه ورقة تثبت إن جزءًا من البيت اللي ساكن فيه كان مبني فوق أرض فيها تجويف قديم.
لكن لسه فيه سؤال واحد
إيه سبب الريحة اللي نصر كان بيشمها؟
رجعت بصيت للصندوق.
ولقيت ظرف صغير في القاع.
فتحته.
جواه مفتاح.
ومكتوب عليه
المفتاح ده هيوصلك للحقيقة.
رفعت عيني لنصر.
كان واقف ساكت.
قلت له
إنت كنت عارف؟
هز راسه وقال
بابا كان بيقولي زمان... لو شمّيت الريحة دي، قول لنعيم ما يخافش.
سألته
أبوك قال لك كده؟
قال
أيوه.
قلبي دق بسرعة.
لأن أبويا لم يكن قد أخبرني بأي شيء.
أخذت المفتاح وبدأت أدور على المكان اللي يخصه.
وبعد ساعات من البحث، اكتشفت إن المفتاح بيفتح بابًا قديمًا في مخزن مهجور كان ملك والدي.
دخلت أنا ونصر.
وفي آخر المخزن لقينا صندوق أكبر.
فتحناه.
وكانت الصدمة...
الصندوق لم يكن فيه أموال ولا ذهب.
كان فيه ملفات تثبت أن والدي طوال سنوات كان يحتفظ بأموال تخص أطفالًا أيتامًا، وكان يديرها لحسابهم، ورفض يسلمها لرجل كان يحاول الاستيلاء عليها.
الرجل الموجود في الصورة القديمة كان هو الشخص نفسه.
والدي أخفى الأوراق، ليس خوفًا على نفسه، وإنما خوفًا على حقوق هؤلاء الأطفال.
أما الرائحة التي كان نصر يشعر بها...
فكانت بسبب مادة كيميائية قديمة مخزنة في مكان مهجور أسفل المخزن، وكانت تتسرب ببطء من أنبوب مكسور.
نصر لم يكن يتخيل.
كان بالفعل يشم رائحة حقيقية لا ننتبه لها.
وفي النهاية، سلمت الأوراق للجهات المختصة، وتم حفظ حقوق أصحابها.
أما أنا...
فرجعت البيت وبصيت لنصر.
قلت له
أنا ظلمتك يا أخويا.
ابتسم وقال
مش مهم.
وبعدين أشار للأرض وقال
بس نضف البيت يا نعيم.
ضحكت من قلبي.
المرة دي فهمت قصده.
لم يكن يقصد إن بيتنا وسخ.
كان يحاول يقول لنا إن فيه حاجة غلط.
ومن يومها، بقيت لما نصر يقول كلمة...
أسمعه للآخر.
لأن أحيانًا الإنسان اللي بنفتكر إنه مش فاهم الدنيا...
يكون هو الوحيد اللي لاحظ الحقيقة اللي كلنا تجاهلناها نكمل من اللحظة اللي اكتشف فيها نعيم إن نصر كان بيحاول يحميه، ونفتح سر جديد في الأوراق، من غير خيانة أو أحضان
لكن الحكاية ما انتهتش عند اكتشاف الأوراق.
على العكس...
كانت دي مجرد البداية.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري وفضلت أفكر في كلام أبويا.
ليه كتب إن فيه حد بيحاول يستولي على حقوق الأطفال؟
وليه أخفى الأوراق كل السنين دي؟
والأهم...
ليه ما قالليش أي حاجة قبل ما يموت؟
طلعت الملفات من الدرج وحطيتها قدامي.
كنت بقلب في الورق واحدة واحدة، لحد ما لقيت ورقة صغيرة واقعة بين ملفين.
كانت مكتوبة بخط أبويا.
يا نعيم، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. أهم حاجة ما تبيعش البيت، مهما حصل.
وقفت عند الجملة دي.
ما أبيعش البيت؟
ليه؟
البيت كان عادي جدًا، ومش غالي للدرجة اللي تستدعي وصية زي دي.
دخلت مراتي الصالة وقالت
في إيه؟
ناولتها الورقة.
قرتها، وبعدين قالت
يمكن البيت له قيمة أكبر مما إحنا فاكرين.
افتكرت ساعتها إن صاحب البيت القديم، قبل ما نشتريه، كان مصر جدًا إن البيع يتم بسرعة.
ووالدي هو اللي أصر إني أشتريه.
كنت وقتها فاكر إنه مجرد اختيار مناسب.
لكن واضح إن الموضوع أكبر.
في نفس اليوم، روحت للمحامي اللي كان بيتعامل مع أبويا.
أول ما شافني، سكت فترة طويلة.
قلت له
عايز أعرف الحقيقة يا أستاذ سامح.
رد
الحقيقة بتاعة إيه؟
طلعت الورقة من جيبي.
وشه اتغير.
وقال
أبوك طلب مني ما أتكلمش غير لما تيجي بنفسك.
قلبي بدأ يدق.
يعني إيه؟
فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم.
وقال
الأرض اللي البيت مبني عليها كانت زمان جزء من مشروع خيري كبير. والدك كان واحد من المسؤولين عن حمايتها.
قلبت في الأوراق.
لقيت أسماء عشرات العائلات.
وفي آخر الملف كان فيه مستند غريب.
مكتوب فيه إن تحت المنطقة كلها شبكة مخازن قديمة، تم استخدامها منذ عشرات السنين لحفظ مواد غذائية ومساعدات للفقراء.
لكن بعض المخازن اتقفلت بعد ظهور مشاكل في المكان.
سألت
وإيه علاقة ده بالريحة؟
المحامي سكت.
وبعدين قال
لأن فيه مخزن واحد لسه ما اتفتحش.
بصيت له.
فين؟
أشار إلى خريطة قديمة.
المكان كان...
تحت بيتنا مباشرة.
رجعت البيت وأنا مش قادر أصدق.
أول شخص فكرت فيه كان نصر.
لقيته قاعد مع أمي.
قعدت جنبه وقلت
يا نصر، تفتكر الريحة لسه موجودة؟
بص لي.
وسكت.
وبعدين قال
أيوه.
اتصدمت.
فين؟
قام من مكانه ومشى ناحية المخزن.
وقف عند الحائط.
حط إيده عليه.
وقال
مش من الأرض المرة دي.
أمال منين؟
أشار إلى الحائط.
من هنا.
ناديت الصنايعي اللي كان اشتغل معايا قبل كده.
فحص الحائط.
وبعد دقائق قال
الحيطة دي وراها فراغ.
بدأنا نكسر جزء صغير منها.
ظهر باب حديد قديم.
كان مقفولًا من الداخل.
فتحناه بصعوبة.
وراء الباب كان فيه ممر ضيق.
دخلت بالكشاف.
الممر كان طويل، ومليان تراب.
وفي آخره لقينا غرفة صغيرة.
وفي الغرفة...
كان فيه دولاب خشب قديم.
فتحت أول درج.
كان فاضي.
الثاني...
فاضي.
الثالث...
لقيت دفتر.
مسكته وفتحته.
كان دفتر والدي.
وفي أول صفحة كتب
أنا عارف إن يومًا ما نعيم هيوصل للمكان ده، لكن لازم يعرف إن اللي أخفيته مش سر يخصني وحدي.
قلبت الصفحة.
وفي الصفحة التالية كان مكتوب
الشيء اللي الناس بتدور عليه مش ذهب.
وقفت.
قلبت الصفحة بسرعة.
إنه سجل كامل لأسماء ناس اتظلمت حقوقهم.
وفجأة سمعنا صوت حركة من آخر الممر.
أنا ونصر بصينا لبعض.
قلت
مين هناك؟
محدش رد.
قربت بالكشاف ناحية الصوت.
ولقيت بابًا تاني في آخر الممر...
والباب كان مفتوحًا.
وعلى الأرض كان فيه ظرف أبيض جديد.
مش قديم.
يعني حد كان هنا قبلنا مباشرة.
فتحت الظرف.
لقيت ورقة واحدة فقط
لو عايز تعرف مين كان بيحاول يسرق حقوق الناس، دور على اسم واحد في دفتر أبوك... اسمك إنت.
بصيت لنصر.
لأول مرة، ماكانش هو اللي خايف.
أنا اللي خوفت.
لأن الجملة دي معناها إن أبويا كان مخبي عني حقيقة تخصني أنا شخصيًا.
ورجعت أقلب صفحات الدفتر بسرعة...
لحد ما وصلت لصفحة عليها اسمي.
وتحت اسمي كانت جملة واحدة
نعيم ليس ابني البيولوجي... لكنه ابني أمام الله والقانون.
سقط الدفتر من إيدي.
ونصر وقف جنبي، وبص لي في عيني.
وقال بهدوء
عشان كده بابا كان بيقول لي احمي أخوك نكمل 
فضلت واقف

تم نسخ الرابط