كان فرح سلفتى

لمحة نيوز

اتفتح المكان رسميًا.
كان فيه مطبخ كبير، وعيادة صغيرة، وفصول لتعليم الأطفال، وغرف لكبار السن المحتاجين.
وعلى الباب اتحطت نفس الجملة
لا يُغلق بابه في وجه محتاج.
أما أخت جوزي، فطلبت مني يوم الافتتاح إني أنا اللي أفتح الباب.
استغربت.
قلت
ليه أنا؟
قالت
عشان من يوم الحنة وإنتِ علمتيني إن الأكل مش مجرد أكل... وإن الكرامة أهم من أي حاجة.
فتحت الباب.
ودخل أول طفل.
وبعده أسرة.
وبعدها كبار سن.
والبيت كله امتلأ بالحياة.
وقفت بعيد وأنا بتفرج.
جوزي وقف جنبي وقال
فاكرة إنك كنتِ زعلانة يوم الفرح؟
ضحكت.
كنت زعلانة جدًا.
قال
وأنا كنت فاكر إن اللي حصل كان أسوأ حاجة في الحكاية.
سألته
وطلع إيه؟
قال
طلع أحسن موقف حصل لنا.
بصيت له باستغراب.
فكمل
لأن من غير الموقف ده، يمكن ما كناش اتجمعنا ولا اكتشفنا وصية أبويا ولا كملنا حلمه.
ابتسمت.
وقلت
سبحان الله... ساعات ربنا يطلع من الموقف اللي وجعنا باب لخير كبير.
وفي آخر اليوم، قفلنا المكان بعد ما خرج آخر شخص.
لكن قبل ما نمشي، جوزي رجع وفتح الباب تاني.
قلت له
نسيت حاجة؟
قال
أيوه.
دخل وعلق لافتة صغيرة جنب الباب.
كانت مكتوبة بخط والدهم
الخير الحقيقي هو الشيء الوحيد الذي كلما أعطيته... زاد.
بصينا لبعض.
وقفلنا الباب.
ومن يومها، ما بقاش يوم الحنة في ذاكرتي هو اليوم اللي اتمنعت فيه من طلوع الأكل لبناتي.
بقى اليوم اللي بدأت فيه حكاية غيّرت عيلة كاملة...
وحولت خلاف صغير إلى سبب يخلي الخير يوصل لناس ما نعرفهمش.
والحكاية انتهت... لكن باب الخير ما اتقفلش أبدًا. عدت ثلاث سنين على افتتاح المكان.
والبيت اتغير تمامًا.
بقى كل فرد في العيلة له دور.
جوزي كان مسؤول عن الحسابات، وأخوه بيتابع التبرعات، وأخته بقت تهتم بالأطفال.
أما أنا، فكنت بروح كل يوم تقريبًا أساعد في المطبخ.
وبناتي كبروا، وبقوا هما كمان متعلقين بالمكان جدًا.
وفي يوم، رجعت البيت لقيت بنتي الكبيرة قاعدة قدامي، ووشها مليان حيرة.
قلت لها
مالك؟
قالت
ماما، ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا.
قالت
هو جدو كان بيحبنا؟
استغربت.
أكيد كان بيحبكم.
قالت
طيب ليه ما سابش لنا فلوس زي باقي الناس؟
ضحكت وقلت
يمكن لأنه سابلكم حاجة أهم.
إيه؟
علّمنا إزاي نساعد غيرنا.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
أنا عندي فكرة.
إيه؟
قالت
أنا عايزة أعمل مشروع صغير في المكان.
سألتها
مشروع إيه؟
قالت
عايزة أعمل مكتبة للأطفال.
بصيت لها بدهشة.
مكتبة؟
أيوه. الكتب اللي عندنا في البيت كتير، وفي أطفال كتير نفسهم يقرأوا ومش قادرين يشتروا كتب.
فرحت جدًا.
وقلت
فكرة جميلة.
لكنها قالت
بس محتاجة موافقة خالي وعمي.
في اليوم التالي، عرضت الفكرة على العيلة.
كلهم وافقوا.
وبالفعل بدأوا يجمعوا الكتب.
أطفال العيلة تبرعوا بكتبهم القديمة، والجيران بدأوا يجيبوا كتب جديدة، وأصحاب المكتبات ساعدوا بأسعار مخفضة.
وفي أقل من شهر...
المكتبة اتفتحت.
وكان أول اسم مكتوب على بابها
مكتبة الجد.
لأن بنتي أصرت إن المكتبة تحمل اسم جدها.
وفي يوم الافتتاح، حضر عدد كبير من الأطفال.
وأنا واقفة بعيد بتفرج على بنتي وهي بتشرح لهم الكتب.
وفجأة، لقيت رجلًا كبيرًا واقف عند الباب.
أول ما شافني قال
إنتِ مرات ابنه؟
قلت
أيوه.
قال
أنا كنت أعرف والد زوجك.
اتوترت.
حضرتك تعرفه؟
ابتسم وقال
مش بس أعرفه... أنا كنت أول شخص ساعده في بداية المشروع.
وبعدين مد لي ظرفًا صغيرًا.
ده كان عندي من سنين.
سألته
إيه ده؟
قال
والدهم طلب مني أسلمه لكِ في الوقت المناسب.
فتحت الظرف.
كانت ورقة صغيرة جدًا.
ومكتوب فيها
إلى المرأة التي ستدخل عائلتي يومًا
إذا قرأتِ هذه الرسالة، فربما تكوني تعرضتِ لموقف جعلك تشعرين أنك غريبة بينهم.
لا تسمحي لموقف واحد أن يجعلك تكرهي عائلتك.
أنا بنيت هذا المكان لأني عرفت أن البيت الحقيقي مش الجدران...
البيت الحقيقي هو الناس اللي يسندوا بعض.
وقفت مش قادرة أتكلم.
الرجل قال
كان والد زوجك دايمًا يقول إن البيت محتاج واحدة عاقلة تحافظ على تماسكه.
بصيت لبناتي.
وبعدين بصيت للعيلة كلها.
وفهمت إن الرسالة ما كانتش عني أنا فقط.
كانت عن كل واحدة تدخل عيلة جديدة وتحاول تحافظ عليها رغم الاختلافات.
جوزي قرأ الرسالة.
وبعدها قال
بابا كان عارفك قبل ما يعرفك.
ضحكت.
إزاي يعني؟
قال
كان عارف إن العيلة مهما كانت متماسكة، لازم حد يفكرها دايمًا بمعنى الرحمة.
وفي نفس اللحظة، بنتي الصغيرة جريت علينا.
وقالت
ماما! تعالى شوفي!
دخلنا المكتبة.
كان أول طفل مستعير كتابًا واقف عند الباب.
وفي إيده ورقة صغيرة كتب عليها
شكرًا لأنكم عملتوا مكان زي ده.
بصيت للورقة.
وحسيت إن كل حاجة حصلت من يوم الحنة لحد اللحظة دي كانت بتقودنا للمكان ده.
ومن يومها،
بقت كل مناسبة للعيلة لها عادة واحدة
بدل ما نصرف فلوس كتير على حاجات مالهاش لازمة...
كنا نخصص جزء منها للناس المحتاجة.
وبقت بناتي هما أول ناس يقترحوا علينا نساعد مين.
أما أخت جوزي، فكل ما حد يسألها عن سبب تغييرها، كانت تضحك وتقول
أنا اتعلمت الدرس من صينية أكل.
وأنا كنت أضحك.
لأن فعلًا...
صينية صغيرة كانت سبب بداية حكاية كبيرة.
حكاية بدأت بزعل...
وانتهت بعيلة فهمت إن أجمل حاجة ممكن يورثها الأب لأولاده مش المال.
لكن المحبة، والستر، والرحمة، وإن باب البيت يفضل مفتوح للي محتاج. بعد افتتاح المكتبة بشهور، بقت مشهورة في المنطقة.
الأطفال ييجوا يقرأوا، ويستعيروا الكتب، ويقعدوا في الفصل الصغير اللي عملناه جنبها.
وبناتي بقوا متعلقين بالمكان أكتر مني.
وفي يوم، وأنا برتب الكتب، لقيت بنتي الكبيرة داخلة عليّ وهي ماسكة كتاب قديم جدًا.
قالت
ماما، الكتاب ده كان فين؟
بصيت للغلاف.
كان كتابًا قديمًا، وعلى أول صفحة مكتوب اسم والد جوزي.
قلت
ده كان بتاع جدك.
قالت
لقيت جواه ورقة.
فتحت الكتاب.
وكانت ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
لكن المرة دي، الورقة ماكانتش بخط والد جوزي.
كانت بخط والدته.
قرأتها بصوت منخفض
لو أولادي فتحوا المكتبة يومًا، أتمنى أن يكون أول كتاب فيها كتابًا يختاره طفل محتاج بنفسه.
بنتي بصت لي وقالت
يعني نعمل إيه؟
ابتسمت.
نحقق وصيتها.
وفي اليوم التالي، عملنا مسابقة بسيطة للأطفال.
كل طفل يختار الكتاب اللي نفسه فيه، ويكتب لنا ليه اختاره.
وفي آخر اليوم، اخترنا عشرة أطفال.
لكن المفاجأة كانت إن واحد من الأطفال كتب
أنا عايز كتاب عن الطب، عشان نفسي أبقى دكتور وأعالج الناس اللي مش معاها فلوس.
الكلمة لمستني جدًا.
جوزي قرأ الورقة وقال
الولد ده لازم نساعده.
وبالفعل، العيلة قررت تعمل له منحة تعليمية.
وبعدها قرروا يعملوا نفس الشيء لأطفال تانيين.
المكتبة اتحولت من مجرد مكان للكتب...
إلى بداية طريق لأطفال كتير.
مرت السنين.
وفي يوم، دخل شاب طويل للمكان.
كان لابس بالطو طبي.
وقف عند الباب وقال
فين صاحبة المكتبة؟
خرجت له.
بص لي وقال
حضرتك مش فاكراني؟
بصيت له كويس.
وبعدين عرفت صوته.
كان نفس الطفل اللي كتب زمان
نفسي أبقى دكتور.
قلت له
إنت؟!
ابتسم.
أيوه.
وبعدين قال
أنا خلصت كلية الطب.
دموعي نزلت من الفرحة.
قال
وجيت النهارده عشان أقول لكم إن أول مرتب ليا... عايز أتبرع بجزء منه للمكتبة.
قلت
ليه؟
قال
لأن حد زمان صدق فيا وأنا طفل.
جوزي كان واقف يسمع.
قال له
إنت مش مطالب ترد الجميل.
الشاب رد
أنا عارف.
وسكت لحظة.
ثم قال
بس أنا عايز أعمل لغيري اللي اتعمل معايا.
بصيت لبناتي.
وقلت
شايفين؟ الخير لما يتزرع صح... بيطلع شجرة.
وبعدها الشاب ما اكتفاش بالتبرع.
طلب يعمل يومًا أسبوعيًا للكشف المجاني للأطفال داخل المكان.
وبدأت الحكاية تكبر من جديد.
وفي ليلة، رجعت البيت ولقيت بنتي الكبيرة بتكتب في دفتر.
سألتها
بتكتبي إيه؟
قالت
بكتب حكاية جدو.
ليه؟
قالت
عشان لو في يوم أنا بقيت أم، أولادي يعرفوا إن جدهم ما سابش لنا فلوس كتير... لكنه ساب لنا فكرة خلت ناس كتير حياتهم تتغير.
ابتسمت.
وقلت لها
اكتبي كمان عن يوم الحنة.
ضحكت وقالت
أكتب عن الصينية؟
ضحكت أنا كمان.
أيوه.
قالت
بس مين هيصدق إن كل ده بدأ بسبب صينية أكل؟
بصيت لها وقلت
الناس ساعات تفتكر إن الأحداث الكبيرة لازم تبدأ بحاجة كبيرة.
وسكت لحظة.
لكن الحقيقة إن ربنا ممكن يغير حياة ناس كتير بسبب موقف صغير جدًا.
قفلت بنتي الدفتر.
وقالت
يبقى أسمي القصة إيه؟
فكرت شوية.
وبعدين قلت
الصينية اللي فتحت باب الخير.
وضَحكنا.
لكن ماكناش نعرف إن بعد أيام قليلة...
كان هييجي لنا جواب جديد.
والجواب ده كان هيكشف آخر جزء من حكاية الجد.
الجزء اللي محدش في العيلة كان يعرفه لحد دلوقتي...بعد أيام قليلة، وصل ظرف للمكتبة.
كان عليه اسم جوزي.
لما فتحه، لقينا جواب من دار قديمة في قرية بعيدة.
المكتوب كان
نرجو حضور أحد أبناء المرحوم، لوجود أوراق تخصه.
جوزي استغرب جدًا.
قال
إحنا تقريبًا خلصنا كل أوراق بابا. إيه اللي ممكن يكون لسه موجود؟
أخوه قال
نروح ونشوف.
وفي اليوم التالي، راحوا التلاتة مع بعض.
وأنا فضلت مع البنات في المكتبة.
بعد ساعات، اتصل جوزي.
صوته كان مختلف.
قلت له
في إيه؟
قال
إحنا لقينا مكان تاني.
مكان إيه؟
بيت صغير.
بيت؟
أيوه. أبويا كان بيأجره من سنين، ومحدش فينا كان يعرف عنه.
رجعوا في المساء ومعاهم صور للمكان.
كان بيتًا متواضعًا جدًا.
لكن داخله كان فيه غرفتان مجهزتان بالكامل.
سرير، دولاب، كتب أطفال، أدوات مدرسية، ومطبخ صغير.
سألته
كان بيعمل إيه هنا؟
قال
المحامي لقى عقد إيجار قديم باسم أبويا.
وبعدها حكى لهم صاحب
تم نسخ الرابط