بعد 6 سنين كاملة
بعد 6 سنين كاملة وأنا شغالة برّه مصر، قررت أرجع فجأة من غير ما أقول لحد.
كنت عايزة أعمل مفاجأة لأمي.
قبل ما أسافر، كنت وعدتها إني هخليها تعيش مرتاحة، وماتحتاجش لأي حد.
وفعلًا، بعد سنين من الشغل والتعب، اشتريت لها بيت كبير في مكان هادي بحوالي 30 مليون جنيه.
البيت كان مسجل باسمي، لكني عملت لأمي حق سكن وانتفاع مدى الحياة، عشان تضمن إن محدش يقدر يخرجها منه.
كنت بكلمها كل يوم تقريبًا.
وكل مرة أسألها
ماما، إنتي كويسة؟
كانت ترد
كويسة يا ناتالي، اطمني.
وكنت أصدقها.
وصلت مصر الصبح.
ما قلتش لأمي.
حتى أختي خلود ما عرفتش.
خدت عربيتي وروحت على البيت.
كنت متخيلة أول ما أخبط على الباب، أمي هتفتح وتتفاجئ.
لكن اللي فتح الباب كان جوز أختي، كريم.
وقف قدامي وبص لي باستغراب.
أقدر أساعدك؟
ابتسمت وقلت
أنا ناتالي.
وشه اتغير.
ناتالي؟!
أيوه. جاية أشوف ماما.
اتوتر وقال
هي... مش موجودة جوه.
استغربت.
فين؟
سكت لحظة، وبعدين قال
في الجنينة الخلفية.
دخلت من غير ما أجادله.
وأول ما وصلت للجنينة...
وقفت مكاني.
أمي كانت قاعدة على كرسي صغير، قدامها أدوات تنظيف، وبتنضف أرضية الحوش بنفسها.
إيديها كانت متعبة.
وركبتها عليها رباط طبي.
قربت منها وقلت
ماما؟
رفعت عينيها.
اتصدمت لما شافتني.
ناتالي؟ إنتي رجعتي؟
قلت بسرعة
إيه اللي إنتي بتعمليه هنا؟
قالت
مفيش... كنت بنضف بس.
بصيت حواليها.
فين العاملة اللي أنا متفقة معاها؟
سكتت.
وهنا فهمت إن في حاجة غلط.
دخلنا البيت.
كانت الصالة كبيرة ومفروشة بأثاث غالي، لكن أوضة أمي كانت في آخر الممر، صغيرة جدًا، وفيها سرير ودولاب قديم.
بصيت لها
إنتي بتنامي هنا؟
قالت
أيوه.
ليه؟
ما ردتش.
قلت
ماما، أنا بحول لك فلوس كل شهر. وبعتلك ناس تساعدك. ليه عايشة بالشكل ده؟
فضلت ساكتة.
وقبل ما أضغط عليها، دخلت خلود.
أول ما شافتني، وقفت مكانها.
ناتالي؟!
قلت
أيوه.
بصت لكريم، وبعدين لي.
قالت بسرعة
إنتي رجعتي إمتى؟
النهارده.
بصيت لها
ماما مالها؟
قالت
مفيش حاجة.
رديت
أنا شايفة بعيني.
كريم دخل وقال
إنتي مكبرة الموضوع ليه؟ والدتك بتحب تعمل حاجة بإيديها.
بصيت له
تنضيف الأرض؟
سكت.
فين الفلوس اللي كنت ببعتها لماما؟
خلود قالت
كانت بتتصرف على البيت.
مين كان بيديرها؟
ما ردتش.
طلعت موبايلي وفتحت كشف الحساب.
أنا طلبت من البنك كشف كامل بالحساب.
وش خلود اتغير.
قلت
ولقيت إن الكارت اتسحب منه مبالغ كتير.
كريم قال بسرعة
إحنا كنا بنصرف على البيت.
طيب.
بصيت له.
من النهارده كل حاجة هتتراجع.
خلود قالت بعصبية
إنتي جاية تعملي مشاكل؟
أنا جاية أشوف أمي.
وبصيت لها
ولو لقيت إن أي حد استغل فلوسها أو ضغط عليها، هتصرف بالقانون.
سكت الجميع.
أمي كانت واقفة جنب الباب.
قالت بصوت هادي
ناتالي، خلينا نقعد ونتكلم.
قعدنا كلنا.
وبعد دقائق، بدأت أمي تحكي.
خلود وكريم كانوا في البداية جايين يقعدوا فترة مؤقتة.
وبعدها طلبوا يفضلوا شوية.
وبعدين بدأوا يستخدموا جزء من البيت.
وبمرور الوقت، بقت أمي حاسة إنها ضيفة في بيتها.
قالت
كل ما كنت أقول لهم إن البيت بتاعك وإنك موفرة لي كل حاجة، كانوا يقولولي إنك برّه ومش عارفة اللي بيحصل.
بصيت لأختي.
قالت
أنا غلطت يا ناتالي.
سألتها
طب ليه ما قولتيليش؟
ردت
كنت خايفة أخسر البيت والعيلة.
سكت.
وبعدين قلت
العيلة ما بتتحافظش بالسكوت على الغلط.
وقفت.
من النهارده، ماما هترجع تعيش زي ما أنا كنت مخططة لها.
كريم قال
وإحنا؟
بصيت له.
إنتوا هتخرجوا من البيت.
قال
بالسهولة دي؟
بالسهولة دي.
ابتسم بسخرية
إحنا بقالنا سنتين هنا.
قلت
وده كان بإذن مؤقت.
وهنمشي فين؟
دي مسؤوليتكم.
خلود قالت
ناتالي، أنا أختك.
رديت بهدوء
وعشان إنتي أختي، هساعدك تلاقي مكان مناسب. لكن البيت ده لأمي.
كريم حاول يجادل.
لكن في اللحظة دي رن موبايلي.
كان المحامي محمود شوقي.
رديت
أيوه يا أستاذ محمود.
قال
راجعت كل المستندات. عندي خبر يطمنك.
خرجت للجنينة أتكلم بعيد عنهم.
قال
البيت مسجل باسمك بالكامل، وحق الانتفاع لوالدتك مثبت رسميًا. ومفيش أي عقد يسمح لخلود أو كريم بالإقامة الدائمة.
قلت
محتاجين نمشيهم بالقانون؟
لو رفضوا، آه. لكن الأفضل تديهم مهلة محترمة.
قلت
تمام.
رجعت للبيت.
لقيت أمي قاعدة في الصالة.
قلت
ماما، البيت ده بيتك، ومحدش هيضغط عليكي تاني.
وبعدها بصيت لخلود
هديكي أسبوع تجهزي حاجتك وتلاقي مكان مناسب.
خلود سكتت.
كريم كان واضح عليه الغضب.
لكن ما قدرش يقول حاجة.
الأسبوع مر بسرعة.
خلود بدأت تدور على شقة.
وأنا ساعدتها في دفع مقدم مناسب.
مش لأنهم كانوا يستحقوا اللي عملوه...
لكن عشان ما أحولش المشكلة لعداوة أبدية.
أما كريم، فكان لازم يتحمل نتيجة قراراته بنفسه.
وفي اليوم الأخير، وقفت أمي عند باب البيت.
بصت لخلود وقالت
أنا زعلانة منك، بس مش بتمنى لك الوحش.
خلود ردت
أنا عارفة يا ماما.
وبعد ما خرجوا، قفلت الباب.
ولأول مرة من سنين...
البيت بقى هادي.
دخلت أوضة أمي.
غيرت لها الأثاث كله.
عملت لها أوضة مريحة.
وجبت لها مساعدة منزلية ثابتة.
وخصصت لها حساب منفصل، وما بقاش مع أي شخص غيرها.
بعد شهر، كانت أمي قاعدة في الجنينة تشرب الشاي.
روحت وقعدت قدامها.
قالت
عارفة يا ناتالي؟
إيه؟
أنا كنت فاكرة إن أكتر حاجة هتفرحني إنك تشتريلي بيت.
ابتسمت.
قالت
طلعت غلطانة.
ليه؟
أكتر حاجة فرحتني إنك رجعتي.
سكت شوية.
وبعدين قالت
الفلوس ممكن تشتري بيت كبير.
وبصت حواليها.
لكن اللي بيخلي البيت بيت بجد هو الأمان.
ابتسمت لها وقلت
وعشان كده البيت ده عمره ما هيتقفل في وشك تاني.
ومن يومها، عاشت أمي في بيتها مرتاحة.
أما أنا، فقررت ما أرجعش أسافر لفترة طويلة.
لأني فهمت إن بعض الحاجات مهما كان ثمنها...
ما ينفعش تتعوض بالفلوس.
تمت بصيت لمحمود وأنا مش مستوعبة.
يعني إيه توقيع كريم مزور؟
رد بهدوء
يعني غالبًا كريم نفسه اتورط في حاجة من غير ما يعرف.
قلت
إزاي؟
فتح الملف قدامي.
حد استخدم بياناته وصورة بطاقته في إجراءات تخص الأرض.
افتكرت فورًا الفترة اللي كان كريم عايش فيها في بيت أمي.
قلت
هو كان بيدخل على مكتب أمي طول الوقت.
محمود هز راسه.
وده محتاج يتراجع.
رجعنا البيت، وطلبت من أمي تفتكر أي حاجة حصلت وقتها.
فضلت ساكتة شوية.
ثم قالت
في مرة، واحد جه البيت وقال إنه موظف من شركة الكهرباء.
دخل البيت؟
أيوه. كريم هو اللي سمح له يدخل.
سألتها
كان معاه إيه؟
شنطة صغيرة، وقعد حوالي نص ساعة.
محمود سألها
وأنتِ كنتِ فين؟
في المطبخ.
قلت
فاكرة شكله؟
هزت رأسها.
كان طويل شوية، وبيتكلم بهدوء، وكان لابس بدلة رمادي.
محمود كتب المعلومة.
ثم قال
ممكن يكون ده الشخص اللي بندور عليه.
في نفس الليلة، اتصلنا بكريم.
رد بعد تردد.
قلت
محتاجين نتكلم.
قال
في إيه؟
موضوع الأرض.
سكت.
ثم قال
أنا كنت عارف إنك هتسألي.
قلت
إنت عملت إيه؟
رد بسرعة
ولا حاجة! والله ما عملت حاجة.
إحنا لقينا مستندات باسمك.
صوته اتغير.
ناتالي، أنا فعلًا وقعت على ورقة.
محمود تدخل
إيه الورقة؟
قال كريم
واحد قال لي إنها ورقة تخص نقل عداد ومرافق البيت. قال إن توقيعي مطلوب باعتباري مقيم في العقار.
سألته
مين الراجل؟
ما أعرفش اسمه.
كان معاه إيه؟
بطاقة شركة.
ثم سكت.
بس افتكرت حاجة.
إيه؟
الراجل ده كان بيقول اسم عادل منصور كتير.
بصيت لمحمود.
قال
يبقى لازم نقابله فورًا.
في اليوم التالي ذهبنا إلى عادل.
أول ما سمع الاسم، تغير وجهه.
أنا عارفه.
قلت
مين؟
قال
اسمه سامح. كان شغال معايا من زمان.
محمود سأله
فينه دلوقتي؟
عادل رد
ما أعرفش.
ثم أضاف
لكن عندي رقم قديم ليه.
أخد محمود الرقم.
وبعد ساعات من البحث، قدر يوصل لمعلومة مهمة.
سامح كان يعمل حاليًا في مكتب خدمات عقارية.
والأغرب...
إن المكتب كان موجودًا في نفس المنطقة اللي فيها الأرض.
ذهبنا إليه في اليوم التالي.
دخلنا المكتب.
الرجل الذي وصفته أمي كان جالسًا خلف مكتب.
بدلة رمادي.
نفس الطول تقريبًا.
وأول ما شاف محمود...
اتوتر.
قال
أهلًا يا أستاذ محمود.
محمود رد
إنت عارفني؟
أكيد.
يبقى عارف إحنا جايين ليه.
سكت سامح.
ثم قال
أنا ما عملتش حاجة غلط.
قلت
إنت استخدمت بيانات أمي وكريم.
رد
أنا كنت بنفذ تعليمات.
مين؟
ما ردش.
محمود وضع الملف على المكتب.
عندك اختيارين. يا تقول الحقيقة، يا كل حاجة هتتحول للجهات المختصة.
سامح ظل ساكتًا.
ثم قال
الشخص اللي طلب مني الإجراءات قال إن عنده توكيل.
سألت
توكيل من مين؟
قال
من والدتك.
أمي شهقت من الصدمة.
لكن محمود قاطعه
التوكيل مزور.
سامح أنزل رأسه.
أنا ما كنتش أعرف.
سألته
مين أعطاك التوكيل؟
رفع عينيه.
وقال اسمًا لم أتوقعه.
موظف سابق عند المحامي القديم لوالدك.
محمود اتجمد.
اسمه إيه؟
سامح قال
حسام.
محمود سكت طويلًا.
ثم قال
حسام مات من أربع سنين.
الكل سكت.
قلت
يبقى إزاي؟
محمود فتح الملف مرة ثانية.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
لأن التوكيل ما اتعملش باسم حسام.
أمال باسم مين؟
رفع الورقة أمامنا.
وكان الاسم المكتوب عليها
شخص مجهول بصفة وكيل عن ورثة والدك.
قلت
ورثة؟
محمود قال
وده معناه إن اللي ورا الموضوع كان فاكر إن والدك سايب ورثة غير والدتك.
سكت لحظة.
ثم نظر إليّ.
والسؤال الحقيقي دلوقتي... مين اللي كان بيحاول يثبت إن في وريث مجهول؟
رجعنا البيت.
وفي نفس الليلة، فتحت أمي صندوق أبي القديم مرة ثانية.
بدأنا نقلب الأوراق واحدة واحدة.
وفجأة...
وقعت ورقة صغيرة من خلف الصورة القديمة.
أمسكتها.
كانت رسالة بخط والدي.
قرأتها بصوت مرتجف
نادية... لو حد حاول يومًا يثبت إن ليّا وريثًا آخر، ما تصدقيش أي ورقة قبل ما تشوفي السجل الأصلي.
بصيت لمحمود.
قال
يبقى أبوكي كان متوقع إن ده يحصل.
قلت
يعني كان عارف؟
غالبًا كان شاكك.
وفي أسفل الرسالة كان فيه تاريخ.
قبل وفاة والدي بشهر واحد.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر سطر.
كان مكتوب
والشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة... هو أخو نادية.
رفعت عيني لأمي.
ماما... خالي لسه عايش؟
وشها اتغير.
وقالت
أيوه.
سألتها
فين؟
سكتت ثواني.
ثم قالت
آخر مرة سمعت عنه كانت من حوالي عشر سنين.
محمود وقف.
يبقى لازم نوصله.
وفي اللحظة دي، رن هاتف أمي.
رقم مجهول.
ردت.
صوت رجل كبير قال
نادية... لو بنتك وصلت للورقة، يبقى الوقت جه تعرفوا الحقيقة.
أمي سألته
إنت مين؟
قال
أنا أخوكي.
ثم أغلق الخط.
وبصيت لمحمود.
فقال
واضح إن الحكاية لسه ما بدأتش أصلًا.
يتبع...مرّ شهرين على خروج خلود وكريم من البيت.
الحياة بدأت تهدى.
أمي رجعت تهتم بحديقتها، وأنا بدأت أرتب شغلي من مصر بدل السفر المستمر.
لكن في يوم، وأنا قاعدة مع أمي بعد الغداء، قالت لي فجأة
ناتالي... أنا عايزة أقولك حاجة.
حسيت من نبرة صوتها إن الموضوع مهم.
قولي يا ماما.
دخلت أوضتها، وبعد دقائق رجعت وهي ماسكة صندوق خشب صغير وقديم.
حطته قدامي.
ده كان عند أبوكي.
فتحت الصندوق.
جواه مجموعة أوراق قديمة، ومفتاح صغير، وصورة لبيت قديم.
بصيت للصورة باستغراب.
إيه ده؟
قالت
البيت اللي عشنا فيه قبل ما أبوكي يتوفى.
كنت عارفة البيت طبعًا، لكن ما كنتش أعرف إن أمي محتفظة بكل الأوراق دي.
طلعت ورقة صفراء قديمة.
أبوكي قبل وفاته بأيام قال لي لو حصل لي حاجة، خلي الورقة دي مع ناتالي.
قلبي دق بسرعة.
ليه أنا؟
أمي هزت كتفها.
ما عرفتش.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب فيها إن والدي كان شريكًا مع شخص آخر في قطعة أرض كبيرة.
لكن المفاجأة إن الأرض دي...
ما زالت مسجلة باسمه.
قلت
يعني الأرض لسه موجودة؟
أمي قالت
أيوه.
ومين كان بيتابع الموضوع؟
سكتت.
محامي أبوكي القديم.
أخدت صورة الورقة وبعتها لمحمود.
بعد أقل من ساعة، اتصل بي.
قال
ناتالي، الورقة دي مهمة جدًا.
ليه؟
لأن الأرض قيمتها ارتفعت بشكل كبير جدًا.
سألته
قد إيه؟
قال رقمًا