ابن جارى الغنى
المحتويات
عايز يقابل العقيد ليلى.
الهواء اتسحب من المكان.
بصيت لجلال.
فقال بصوت مكسور
هو رجع يا ليلى.
مين؟
جلال قرب مني وهمس
الشخص اللي قضيتِ سنين فاكرة إنك قتلتيه...
ثم قال الجملة اللي غيرت كل حاجة
هو عايزك ترجعي للمهمة فضلت باصة لجلال ثواني، مش مستوعبة اللي سمعته.
عايزني أرجع للمهمة؟
هز رأسه.
مش أنا اللي بقولك. هو اللي طلب.
ضحكت بسخرية.
وإنت فاكر إني هصدقك؟
مد إيده لجيب جلابيته وطلع مفتاح صغير.
حطه قدامي على الترابيزة.
ده مفتاح المخزن القديم.
بصيت للمفتاح، واتغيرت ملامحي.
المخزن ده كان جزء من المهمة الأخيرة.
المكان اللي اتقفل بعد العملية، واتمنع أي حد يقرب منه.
قلت
المفتاح ده اختفى من سنين.
عارف.
إزاي وصل لك؟
سكت.
وهنا مروان، اللي كان واقف عند باب الأوضة، قال
أنا هقولها.
جلال لف له بعصبية.
مروان، ادخل جوه!
لكن مروان ما اتحركش.
وقال
الراجل اللي في الصورة جه عندنا من شهر.
بصيت له.
وإنت شوفته؟
أيوه.
قالك إيه؟
مروان بلع ريقه.
قال لي إن بابا محتاج يساعدك.
بصيت لجلال.
يساعدني في إيه؟
جلال أخيرًا قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
في الحقيقة.
سألته
حقيقة إيه؟
رفع عينه وقال
يوم المهمة الأخيرة، كان فيه طفل صغير موجود في المكان.
اتجمدت.
طفل؟
أيوه.
أنا ماكانش عندي أي معلومة عن طفل.
عشان كده.
قرب مني وقال
ملف المهمة اتغير قبل ما يوصل لك.
حسيت ببرودة في جسمي.
كل السنين دي وأنا فاكرة إن اللي حصل كان نتيجة خطأ في المعلومات.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
حد كان متعمد يخفي وجود الطفل.
سألته
الطفل ده مين؟
جلال ما ردش.
مروان هو اللي قال
أنا.
رفعت عيني له.
سكت البيت كله.
إنت؟
هز رأسه.
أيوه.
بس سنك ما يسمحش.
قال جلال
مش مروان نفسه.
ثم أخرج صورة ثانية من جيبه.
صورة لطفل صغير جدًا، واقف وسط مجموعة من الرجال.
وقال
ده ابني الحقيقي اللي كان موجود يوم العملية.
نظرت للصورة.
ثم للرجل.
ومين ابنه؟
جلال قال
الراجل اللي بتدوري عليه.
سكت.
وفجأة فهمت.
أنا ما كنتش قدام مهمة جديدة.
أنا كنت قدام نهاية مهمة قديمة...
بدأت من جديد.
أخذت المفتاح من على الطاولة.
وقلت
بكرة الساعة سبعة الصبح.
جلال سأله
هتروحي؟
بصيت له بثبات.
مش علشان هو طلب.
ثم بصيت لمروان.
علشان طفل اتساب وسط لعبة أكبر منه.
رجعت بيتي.
وقبل ما أقفل الباب، سمعت مروان بينادي
يا عقيد ليلى!
وقفت.
لفيت له.
قال
أنا آسف.
ابتسمت لأول مرة.
الاعتذار أول خطوة في القوة.
ثم دخلت.
لكن قبل ما أنام، وصلني ظرف تحت باب البيت.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب عليها
لو عايزة تعرفي مين خان المهمة من البداية... تعالي وحدك.
وتحتها عنوان المكان.
قرأت العنوان مرة.
ثم مرة ثانية.
كان عنوانًا أعرفه جيدًا.
بيتي القديم.
المكان اللي سبتُه من خمسة عشر سنة...
وكان المفروض إنه مهجور.
لكن وأنا ببص من الشباك، شفت نورًا بيطلع من الدور العلوي.
حد كان مستنيني هناك.
والأسوأ...
إنه كان يعرف إني هروح تاني يوم، قبل الساعة سبعة بدقائق، كنت واقفة قدام بيتي القديم.
المكان كان زي ما سبتُه تقريبًا...
نفس البوابة الحديد.
نفس شجرة الياسمين.
حتى الشباك اللي كنت بقف عنده كل صباح كان لسه موجود.
لكن النور اللي شفته بالليل اختفى.
دفعت الباب ببطء.
صرير الحديد قطع سكون المكان.
دخلت.
ما كانش فيه تراب زي ما توقعت.
بالعكس...
المكان كان متروّق.
حد كان عايش هنا.
مشيت في الصالة وأنا مركزة في كل تفصيلة.
وفجأة سمعت صوت
اتأخرتي يا ليلى.
وقفت مكاني.
الصوت كان مألوفًا.
لكن مستحيل...
لفيت ببطء.
وكان واقف قدامي رجل في أواخر الستينات.
شعره أبيض.
وشكله أكبر بكتير من آخر مرة شفته فيها.
لكن عينيه...
عرفتهم فورًا.
قلت بصوت منخفض
سامي...
ابتسم.
أخيرًا.
سامي كان أحد أفراد الفريق في المهمة الأخيرة.
والرجل اللي وصلني وقتها تقرير رسمي إنه مات أثناء العملية.
قلت
إنت عايش؟
رد بهدوء
زي ما شايفة.
رفعت إيدي بإشارة توقف.
إيه اللي حصل يوم المهمة؟
ابتسامته اختفت.
وقال
أنا ما خنتكيش يا ليلى.
يبقى مين؟
أشار للكرسي.
اقعدي.
هفضل واقفة.
تنهد.
زي ما تحبي.
ثم قال
قبل المهمة بيوم، وصل أمر بتغيير الخطة.
مين أصدره؟
شخص أعلى مننا.
اسمه؟
سكت.
ثم قال
الشخص اللي كان ماسك الملف.
حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.
والطفل؟
قال
الطفل كان ابن الرجل اللي كنا بنطارده.
وإنت أخفيتوه؟
لا.
هز رأسه بسرعة.
إحنا حاولنا نخرجه من المكان.
حاولتوا؟
أيوه... لكن قبل ما نوصل له، حصل انفجار.
سكت لحظة.
وبعدها اختفى الطفل.
سألته
مين أخده؟
سامي بص لي مباشرة.
جلال.
اتسمرت.
جلال؟
أيوه.
ليه؟
قال
لأن الطفل كان الدليل الوحيد على إن الرجل اللي كنا بندور عليه ماكانش مجرم زي ما اتقال لنا.
سكتُّ.
ثم سألت
وجلال عمل إيه بالطفل؟
ربّاه.
اتنفست ببطء.
ومروان؟
هز رأسه.
مروان ابنه فعلًا.
نظرت له باستغراب.
يبقى ليه قلتوا إن الطفل كان مرتبط بالهدف؟
قال
لأن الحقيقة كانت أخطر.
اقترب مني ووضع ملفًا قديمًا على الطاولة.
جلال كان بيحمي ابنه من نفس الناس اللي كانوا بيحاولوا يدفنوا الحقيقة.
فتحت الملف.
ولقيت تقارير وصور وأسماء.
لكن آخر صفحة كانت صادمة.
كان عليها توقيع قائد العملية.
وتحت التوقيع جملة واحدة
العقيد ليلى لا يجب أن تعرف الحقيقة.
رفعت عيني لسامي.
ليه أنا؟
قال
لأنك كنتِ أنضف واحدة في الفريق.
وده كان سبب إنهم خافوا منك.
وقبل ما أكمل كلامي...
سمعت صوت عربية وقفت قدام البيت.
سامي بص ناحية الشباك.
وشه اتغير.
وصلوا.
قلت
مين؟
قال
الناس اللي كنا بنهرب منهم من خمسة عشر سنة.
وقبل ما نتحرك، سمعنا صوت جلال من الخارج
ليلى!
فتحت الباب بسرعة.
كان جلال واقف ومعاه مروان.
صرخت
قلتلك تيجي هنا ليه؟
جلال رد
لأنك لو دخلتي لوحدك، ماكنتيش هتخرجي.
بصيت لمروان.
كان خايف، لكن واقف ثابت.
قلت لجلال
كان لازم تسيبه بعيد.
رد
حاولت.
ثم نظر خلفي إلى سامي.
وفجأة قال
أخيرًا اتجمعتوا تاني.
سامي بص له وقال
المرة دي مش هنخليهم يدفنوا الحقيقة.
وفجأة...
انطفأت أنوار البيت.
وسمعنا صوت باب البوابة بيتقفل.
مروان مسك ذراع أبوه.
وأنا رفعت رأسي بهدوء.
قلت
محدش يتحرك.
ثواني...
ثم ظهر صوت من الظلام
العقيد ليلى...
صمت الجميع.
ثم جاء الصوت مرة ثانية
عندك عشر دقايق بس علشان تختاري...
تحمي الحقيقة، ولا تحمي الناس اللي حواليكي سكتُّ.
الجملة فضلت معلقة في الظلام.
تحمي الحقيقة... ولا تحمي الناس اللي حواليكي.
مروان قرب من أبوه.
أما جلال فكان بيبص في كل اتجاه، وكأنه عارف إن اللي بيحصل أكبر من مجرد تهديد.
قلت بصوت ثابت
اللي بيهددنا... يظهر.
جاء الرد من السماعة
مش لازم تشوفيني يا عقيد. المهم إنك تسمعيني.
قلت
إنت عايز إيه؟
الملف الأصلي.
بصيت لسامي.
سامي هز رأسه بالنفي.
فقلت
الملف اتحرق من سنين.
ضحكة قصيرة خرجت من الظلام.
دي كذبة.
فجأة اشتغلت شاشة صغيرة في الحائط.
ظهر عليها تسجيل قديم.
أنا.
من خمسة عشر سنة.
كنت واقفة في نفس البيت، لابسة الزي العسكري، وبراجع تقرير المهمة.
لكن التسجيل توقف عند لحظة معينة.
لحظة أنا نفسي ماكنتش فاكرها.
ظهر جلال في التسجيل.
كان أصغر سنًا، وبيسلم لي ظرف.
سمعت صوتي وأنا بقول
لو حصل لي حاجة، الظرف ده ما يطلعش غير للشخص اللي أثق فيه.
ثم انتهى التسجيل.
بصيت لجلال.
إنت كنت هنا؟
هز رأسه.
أيوه.
وإيه اللي كان في الظرف؟
قال
مفتاح.
رفعت المفتاح اللي معايا.
ده؟
لا.
سكت لحظة.
ثم قال
المفتاح اللي معاكي دلوقتي مش للمخزن.
نظرت إليه.
أمال بيفتح إيه؟
جلال أشار إلى الأرض.
القبو.
نزل الصمت علينا.
سامي قال بسرعة
ليلى، لأ.
بصيت له.
ليه؟
لأننا ما نعرفش مين حط المفتاح ده هنا.
قلت
عشان كده لازم نعرف.
حطيت المفتاح في فتحة صغيرة تحت السجادة.
لفيته.
صدر صوت معدني عميق.
وببطء...
جزء من الأرضية بدأ يتحرك.
ظهر سلم ضيق نازل إلى أسفل.
مروان قال
بابا... إيه ده؟
جلال رد
مكان كنت أتمنى إنك ما تعرفش عنه أبدًا.
نزلت أول واحدة.
سامي خلفي.
جلال ومروان بعدنا.
القبو كان مليان صناديق قديمة.
فتحت أول صندوق.
خرائط.
صور.
تقارير.
ثم فتحت صندوقًا ثانيًا.
وكان فيه الملف.
الملف الأصلي للمهمة.
مددت إيدي نحوه.
لكن قبل ما ألمسه...
سمعنا صوت من أعلى السلم.
برافو يا ليلى.
رفعنا رؤوسنا.
كان فيه رجل واقف عند المدخل.
مروان اتراجع.
جلال وقف قدامه يحميه.
أما سامي فشهق
مستحيل...
الرجل ابتسم.
وقال
وحشتوني؟
نظرت إليه.
عرفته.
كان آخر شخص توقعت أشوفه في حياتي.
قائد العملية القديم.
الرجل اللي كل التقارير قالت إنه مات.
قال لي
عندك عشر دقايق، وخلصوا.
رفعت الملف.
عايز ده؟
هز رأسه.
لأ.
أمال عايز إيه؟
ابتسم وقال
عايزك تعرفي الحقيقة كاملة...
ثم أشار إلى مروان.
قبل ما أقول لك مين أبوه الحقيقي.
جلال صرخ
إنت وعدتني!
الرجل رد
وأنا غيرت رأيي.
بصيت لجلال.
وبعدين لمروان.
وفي اللحظة دي فهمت...
إن السر اللي دفنته لمدة خمسة عشر سنة لم يكن متعلقًا بالمهمة فقط.
كان متعلقًا بعائلة جلال نفسها.
وكان مروان يحمل الحقيقة من غير ما يعرفها.
أما الرجل الغامض...
فكان على وشك كشفها أمام الجميع الرجل نزل أول درجة.
جلال وقف قدامه وقال
إبعد عن ابني.
ابتسم الرجل بسخرية.
لسه بتقول ابني بعد كل السنين دي؟
مروان بص لأبوه باستغراب.
بابا... هو يقصد إيه؟
جلال ما ردش.
أنا رفعت الملف وقلت
محدش هيتكلم غير لما أفهم اللي حصل.
الرجل قال
افتحي الصفحة الأخيرة.
فتحت الملف.
كان فيه تقرير مكتوب بخط اليد.
قرأته بصوت مسموع
تم العثور على الطفل أثناء العملية، وتم تسليمه إلى... وسكت.
اسم المستلم كان ممزقًا.
قلت
الاسم متشال.
الرجل ابتسم.
مش متشال.
وأشار لجلال.
هو اللي قطعه.
جلال قال بسرعة
كان لازم أعمل كده.
مروان قرب منه.
ليه؟
جلال حط إيده على كتفه.
عشان أحميك.
الرجل ضحك.
طول عمرك بتحميه من حاجة هو أصلًا ما يعرفهاش.
بصيت للرجل.
كفاية ألغاز.
قال
حاضر.
ثم نظر لمروان مباشرة.
أبوك الحقيقي هو جلال.
مروان تنفس براحة.
لكن الرجل أكمل
لكن جلال مش هو الشخص اللي كان المفروض يتربى معاه.
سكت مروان.
قلت
وضّح.
أخرج الرجل ورقة قديمة.
في المهمة الأخيرة، كان فيه طفلان.
اتسعت عيني.
طفلان؟
هز رأسه.
أيوه.
وإحنا ماكانش عندنا أي معلومة عن الطفل الثاني.
لأن الطفل الثاني اتولد بعد كتابة ملف المهمة.
سألته
مين الطفل الثاني؟
نظر إلى مروان.
ثم قال
إنت.
مروان تجمد.
جلال أغلق عينيه.
أما أنا، فبدأت أراجع كل شيء في دماغي.
قلت
يعني مروان كان واحد من الطفلين؟
أيوه.
والطفل الآخر؟
الرجل مد لي صورة.
طفل صغير جدًا، وعلى معصمه سوار معدني.
قلبت الصورة.
وفي الخلف كان مكتوب
الطفل الثاني هو مفتاح القضية.
رفعت عيني.
فين الطفل ده؟
الرجل ابتسم.
ده السؤال اللي خليتك ترجعي يا ليلى.
وفجأة سمعنا صوت سيارة إسعاف من بعيد.
جلال بص ناحية الباب.
قلت له
إنت كنت عارف؟
هز رأسه.
عارف إن فيه طفل تاني... لكن ماعرفتش مكانه.
الرجل قال
أنا أعرف.
قلت
فين؟
اقترب خطوة.
قريب جدًا منك.
نظرت حولي.
لم يكن هناك أحد.
فقال
الطفل الثاني لم يمت.
سكت لحظة.
ثم أضاف
وعاش طوال السنين دي باسم مختلف.
مروان سأله
مين؟
الرجل نظر إليّ.
وقال
ابن الجيران اللي ساعدتيه يدخل كلية الشرطة من سنتين.
اتجمدت.
كنت فاكرة إن كل الأسرار انتهت.
لكن الحقيقة كانت أبعد مما تخيلت.
لأن الشخص الذي كنا نبحث عنه طوال خمسة عشر عامًا...
كان يعيش بيننا.
وفجأة انطلق صوت صفارة حادة من خارج البيت.
الرجل الغامض نظر لساعته وقال
الوقت خلص.
قلت
خلص لمين؟
ابتسم.
للناس اللي برا.
ثم سمعنا أصوات خطوات تقترب من البوابة.
لكن هذه المرة...
لم أخف.
قفلت الملف، وحطيته تحت ذراعي.
وقلت
المهمة بدأت من جديد.
ثم التفتُّ إلى جلال ومروان وسامي
والليلة دي... هنقفلها للأبد رفعت عيني للرجل الغامض وقلت
إنت فاكر إنك لسه صاحب القرار؟
ابتسم.
وإنتِ فاكرة إنك تقدري توقفي اللي بدأناه من خمسة عشر سنة؟
قربت منه خطوة.
أنا مش جاية أوقفه.
سكت.
أنا جاية أنهيه.
في اللحظة دي، دوّى صوت الباب الخارجي.
الرجال اللي برا بدأوا يدخلوا البيت.
جلال مسك
متابعة القراءة