3شهور كاملين
مرت ٣ شهور كاملين وأنا نايمة عند أمي بسبب عملية الحقن المجهري. أمي كانت شايلاني وبتخدمني بكل حب، وكنت كل يوم أحمد ربنا عليها، خصوصًا إن معايا بنتين صغيرين محتاجين رعاية طول الوقت.
جوزي كان بييجي ياخد البنات عنده، ويرجعهم عند أمه أوقات، لكن كل ما يزوروني كانوا يتعلقوا بيا جدًا، ويطلبوا يباتوا معايا.
في البداية كنت بفرح بوجودهم جنبي وأطمن عليهم، لكن مع الوقت بدأت ألاحظ إن أمي بتتضايق من وجودهم.
كانت تقول
إنتِ محتاجة راحة يا بنتي، والبنات هيتعبوكي.
كنت بسكت وأقول لنفسي
معلش... دي أمي، وهي شايلاني.
لكن مع الوقت، بدأت أحس إن وجود بناتي بقى ضغط عليها.
وفي ليلة، حصل الموقف اللي خلاني آخد قرار عمري.
كان لازم أروح المختبر أعمل تحاليل مهمة جدًا لمتابعة الحمل بعد الحقن المجهري.
جوزي جه بالعربية ومعاه البنات، وفضل مستنينا لحد ما خلصت.
لكن بسبب الزحمة والإجراءات، الوقت اتأخر جدًا.
رجعنا البيت بعد منتصف الليل.
البنات كانوا منهكين، وعيونهم بتقفل من النوم.
جوزي قال
نيميهم معاكي النهاردة، وأنا الصبح هاجي آخدهم قبل الشغل.
وافقت.
دخلت البنات الأوضة، غيرتلهم هدومهم، وحطيتهم في السرير.
كانوا هاديين جدًا، وبعد دقائق ناموا.
دخلت أغير هدومي وأرتاح، لكن فجأة سمعت صوت أمي عالي جدًا من الصالة.
خرجت بسرعة.
لقيت بنتي الصغيرة واقفة في الركن وبتعيط، وأختها واقفة جنبها.
وأمي كانت متوترة جدًا وقالت
أنا مش قادرة! كل يوم عيال ومشاكل! اتصلي بجوزك ييجي ياخدهم!
اتصدمت.
بصيت لبناتي، ولقيت الخوف واضح في عيونهم.
قربت منهم وقلت
خلاص يا حبايبي، محدش هيزعقلكم.
وبصيت لأمي وقلت بهدوء
حاضر يا ماما.
دخلت الأوضة، ودموعي نزلت لأول مرة.
لميت هدومي وهدوم البنات في شنطة.
اتصلت بجوزي وقلت
تعالى خدنا.
سألني بقلق
حصل إيه؟
قلت
لما تيجي هحكيلك.
بعد أقل من نصف ساعة، وصل.
ركبنا العربية وروحنا شقتنا.
ومن يومها بقيت في بيتي.
أمي ما اتصلتش.
وأنا كنت زعلانة منها، لكن برضه ماكنتش قادرة أقطع علاقتي بيها.
عدت ثلاثة أيام.
وفي الليلة الثالثة، كنت نايمة، وفجأة صحيت على ألم شديد جدًا في بطني.
حطيت إيدي على الملاية...
ولقيت دم.
اتجمد الدم في عروقي.
صرخت
يا أحمد!
محدش رد.
بصيت جنبي...
السرير كان فاضي.
حاولت أقوم، لكن الألم منعني.
وفجأة سمعت صوت حركة في الصالة.
خطوات بطيئة.
وقفت عند باب الأوضة.
قلبي كان بيخبط في صدري.
همست
مين؟
مفيش رد.
الخطوات قربت.
وفجأة ظهر شخص أمام باب الأوضة.
صرخت من الخوف...
لكن الصدمة إن الشخص ده ماكانش غريب.
كانت أمي!
جريت ناحيتي وهي بتبكي وقالت
متخافيش يا بنتي... أنا جاية آخدك المستشفى.
بصيت لها بدهشة
إنتِ عرفتي إزاي إني تعبانة؟!
قبل ما تجاوب، باب الشقة اتفتح ودخل جوزي وهو بيجري.
وقال
الحمد لله إنك وصلتي يا أمي!
بصيت لهم الاتنين.
إيه اللي بيحصل؟!
جوزي مسك إيدي وقال
أنا كنت مخبي عنك حاجة، بس والله مش عشان أضرك... كنت خايف عليكي.
صرخت
مخبي إيه؟!
قال
من أول يوم رجعنا من المختبر، الدكتور طلب مني أتابع معاكي كل حاجة، لأن نتيجة التحاليل كان فيها مؤشر محتاج متابعة دقيقة... وأنا كنت عايز أحميكي من القلق.
بصيت له وأنا بعيط
طب ليه مقلتليش؟!
قال
لأن الدكتور نفسه قال إن التوتر ممكن يضر حالتك، وأنا كنت فاكر إني كده بحميكي.
وفجأة الألم زاد.
جوزي ساعدني بسرعة، وأمي أخذت البنات، ونزلنا كلنا المستشفى.
بعد الفحوصات، خرج الدكتور.
كلنا وقفنا مستنيين.
ابتسم وقال
الحمد لله... الحمل لسه موجود، والنبض موجود، لكن النزيف كان إنذار خطير جدًا. لازم راحة تامة ومتابعة مستمرة.
تنفست براحة، والدموع نزلت من عيني.
جوزي فضل واقف جنبي.
وأمي وقفت قدامي ودموعها نازلة.
قالت
أنا ظلمت البنات يا بنتي... وظلمتك معاهم.
بصيت لها من غير كلام.
كملت
كنت فاكرة إن إبعادهم عنك راحة ليكي، لكني اكتشفت إني كنت بأبعد عنك أكتر ناس محتاجاهم وبيحتاجوكي.
بنتي الصغيرة قربت منها.
أمي نزلت لمستواها وقالت
سامحيني يا حبيبتي.
البنت ردت ببراءة
أنا بحبك يا تيتا.
أمي بكت أكتر، وأنا وقتها فهمت إن اللي حصل، رغم قسوته، كان لازم يحصل عشان كل واحد فينا يعرف قيمة التاني.
ومن اليوم ده، اتغير كل شيء.
أمي بقت تيجي تزورني، وتساعدني من غير ما تبعد بناتي عني.
وجوزي بقى صريح معايا في كل حاجة تخص الحمل.
أما أنا، فقررت إن بيتي هو المكان اللي هكمل فيه رحلة حملي، وسط بناتي وجوزي، من غير ما أكون مضطرة أختار بين راحتي وبين أولادي.
وبعد شهور من الخوف والانتظار...
جاء اليوم الذي دخلت فيه المستشفى للولادة.
وبعد ساعات طويلة...
سمعنا أول صرخة لطفلي.
الدكتور ابتسم وقال
مبروك... ربنا عوض تعبكم كله.
نظرت لطفلي، ثم لبناتي وهما واقفين جنب السرير.
أمي كانت بتبكي من الفرحة، وجوزي ماسك إيدي.
وقتها أدركت إن أصعب ثلاثة شهور في حياتي...
كانوا السبب في إن عيلتنا كلها تتعلم درس عمرها
الحب الحقيقي مش معناه إننا نحمي اللي بنحبهم من كل حاجة...
أحيانًا الحب الحقيقي إننا نسمعهم، ونحترم مشاعرهم، ونفضل جنبهم مهما كانت الظروف.
وبعد مرور شهرين على ولادة طفلي، بدأت حياتنا ترجع لطبيعتها بالتدريج.
كنت لسه بتعب بسرعة، لكن وجود بناتي حواليا كان بيهون عليّ كل حاجة.
كانوا بيتخانقوا مين يشيل أخوهم الأول، ومين يجيب له البطانية، ومين يقعد جنبه وهو نايم.
أما أمي، فكانت بتزورنا كل يوم تقريبًا.
وفي يوم، وأنا قاعدة في الصالة، لقيتها داخلة ومعاها أكياس كتير.
قلت لها
إيه ده كله يا ماما؟
ابتسمت وقالت
حاجات للبنات.
البنات جريوا عليها بفرحة.
لكن وأنا ببص على أمي، لاحظت إنها كانت ساكتة بشكل غريب.
قربت منها وقلت
مالك؟
تنهدت وقعدت جنبي.
في حاجة لازم أقولها لك.
قلبي اتقبض.
حاجة إيه؟
طلعت ورقة من شنطتها وحطتها قدامي.
دي ورقة الشقة بتاعتنا.
بصيت لها باستغراب.
قالت
أنا عايزاكي تاخديها.
اتصدمت
ليه؟
قالت وهي متأثرة
لأني فهمت إن البيت مش مجرد حيطان. البيت هو المكان اللي أولادي يحسوا فيه بالأمان. وأنا في لحظة غضب خلت بناتك يحسوا إنهم مش مرغوب فيهم.
مسكت إيدها وقلت
يا ماما، أنا مسامحاكي.
هزت رأسها
أنا مش بطلب السماح بس. أنا عايزة أصلح اللي أقدر عليه.
رفضت الورقة، لكنها أصرت.
وفي النهاية اتفقنا إنها تفضل باسمها، لكن البيت يفضل مفتوحًا لبناتي، ومايبقاش فيه أي إحساس إنهم ضيوف.
وفي نفس الليلة، حصل شيء لم نكن نتوقعه.
جوزي رجع من شغله متوتر جدًا.
أول ما دخل، قال
لازم نتكلم.
بصيت له بقلق
في إيه؟
قعد قدامي وقال
الشركة اللي شغال فيها حصلت لها أزمة كبيرة، وممكن أخسر شغلي.
سكتُّ لحظات.
ثم قلت
وإحنا مع بعض. لو الدنيا ضاقت علينا، هنبدأ من جديد.
ابتسم رغم خوفه.
كنت خايف أقولك عشان لسه خارجة من تعب الحمل والولادة.
قلت له
أنا مش محتاجة منك تخبي عني المشاكل. أنا محتاجة أعرفها ونواجهها سوا.
ومن اليوم التالي، بدأ يبحث عن عمل جديد.
مرت أسابيع صعبة، لكننا كنا معًا.
وفي يوم، جاء اتصال غيّر حياتنا.
جوزي اتعرض عليه شغل أفضل من شغله القديم، بمرتب أعلى ومكان أقرب للبيت.
فرحنا كلنا.
لكن أجمل شيء حصل لم يكن الشغل الجديد.
كان بعد أيام، عندما جاءت أمي وهي تحمل حفيدها بين ذراعيها، وبناتي يمشين بجانبها.
نظرت لي وقالت
عارفة إيه أكتر حاجة اتعلمتها؟
قلت
إيه؟
قالت
إن الأم ممكن تغلط وهي فاكرة إنها بتحمي بنتها. لكن أهم حاجة إنها تعترف بغلطها قبل ما تخسرها.
ابتسمت وأنا أبص لبناتي.
وقتها حسيت إن البيت أخيرًا رجع دافي.
مش لأنه خالي من المشاكل...
لكن لأننا بقينا نواجه المشاكل مع بعض.
وبعد سنة كاملة، حصلت مفاجأة جديدة.
كنت واقفة في المطبخ، وفجأة بنتي الكبيرة جريت عليّ وهي بتضحك
ماما! تيتا بتقولك تعالي بسرعة!
خرجت للصالة.
لقيت أمي واقفة وهي ماسكة ظرف.
ناولتهولي وقالت
افتحيه.
فتحته، ولقيت فيه مفتاح.
رفعت عيني لها باستغراب.
ابتسمت وقالت
ده مفتاح البيت الجديد اللي اشتريته... وخصصت فيه أوضة كاملة للبنات.
سكتُّ من شدة التأثر.
ثم قالت
عشان لما ييجوا عندي، مايبقوش حاسين إنهم حمل على حد.
قلت لها
دي أجمل حاجة ممكن تعمليها.
ومن يومها، بقت علاقتنا أقوى من الأول.
أما بناتي، فكل ما يروحوا لتيتا يجروا عليها وهم بيصرخوا
إحنا جايين بيتنا التاني!
وأمي كانت تفتح لهم الباب وتقول
ده بيتكم قبل ما يكون بيتي.
وهكذا انتهت أصعب أزمة مرت على عيلتنا...
مش بانتصار شخص على شخص.
لكن برجوع الأمان والحب والاحترام بين الجميع.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن الحكاية لسه مخلصتش...
بعد حوالي ست شهور، كنت قاعدة مع جوزي وأمي على السفرة، وبناتي بيلعبوا مع أخوهم في الصالة.
فجأة جوزي قال
أنا عندي خبر مهم.
بصيت له
خير؟
طلع من جيبه جواب وحطه قدامي.
فاكرة الشغل الجديد اللي بدأت فيه؟
هزيت راسي.
قال
الشركة قررت تفتح فرع جديد، وأنا اتعرض عليا أكون مسؤول عنه.
فرحت جدًا، لكن فرحتي اتبدلت بقلق لما كمل
بس الفرع في محافظة تانية.
سكتنا كلنا.
أمي قالت
يعني هتسافر؟
قال
مش سفر دائم، لكن هحتاج أبات يومين أو تلاتة كل أسبوع.
بصيت لبناتي، ثم لطفلي الصغير.
كنت خايفة نرجع تاني لنفس الدائرة؛ أنا لوحدي، والأطفال محتاجين رعاية، وأمي عندها ظروفها.
لكن أمي فاجأتني وقالت
خلي جوزك يروح. وأنا هاجي أقعد معاكي الأيام دي.
بصيت لها باستغراب.
قالت
المرة دي مش هبعد البنات عنك. أنا هساعدك عشان تفضلي وسط أولادك.
ابتسمت.
جوزي قال
أنا كنت خايف أعرض الموضوع عليكي.
رديت
ليه نخاف من أي مشكلة؟ إحنا اتعلمنا نتكلم ونحلها.
بدأ جوزي يسافر بالفعل.
وفي أول أسبوع، حصل موقف بسيط لكنه كان بالنسبة لي اختبار حقيقي.
ابني سخن بالليل.
أنا اتوترت جدًا.
اتصلت بأمي.
وفي أقل من نصف ساعة كانت عندي.
أخذتني أنا والطفل للطبيب، وفضلت معايا لحد ما الحرارة نزلت.
وأنا راجعة البيت، بصيت لها وقلت
فاكرة زمان لما كنتي بتزعلي من وجود البنات؟
سكتت لحظة.
ثم قالت
مستحيل أنسى.
قلت
وأنا كمان مستحيل أنسى... بس مش عشان ألومك.
بصت لي.
قلت
عشان أعرف قد إيه الإنسان ممكن يتغير لما يفهم غلطه.
قالت
وأنا فخورة إنك ماخليتيش الغلطة دي تكسر علاقتنا.
مرت الشهور.
وجوزي نجح في شغله الجديد، والشركة قررت تثبته في الفرع القريب مننا بدل السفر المستمر.
وبعد سنة تقريبًا، اجتمعت العيلة كلها في بيت أمي.
البنات كانوا بيلعبوا، وابني بيجري وراهم.
وفجأة بنتي الكبيرة قالت
تيتا، احكي لنا حكاية ماما وهي صغيرة!
ضحكنا.
أمي بصت لي وقالت
دي حكاية طويلة يا حبيبتي.
البنت أصرت
احكي!
أمي قربتهم منها وقالت
كانت أمكم