فى عام 1995رحل

لمحة نيوز

الورقة.
خرج من مصر بعدها بشهور.
سألته مريم
ولسه عايش؟
أجاب
أيوه.
ثم أضاف
والأغرب من كده والدكم قبل وفاته بأيام عرف مكانه.
فتحت مريم عينيها.
فين؟
قال المحامي
في مدينة ساحلية صغيرة.
ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا.
وده مفتاح صندوق أمانات كان والدكم محتفظ بيه.
نظر الجميع إلى المفتاح.
وفجأة أدركوا أن كل ما عرفوه طوال الأيام الماضية
لم يكن سوى بداية الحقيقة أكيد، نكمل من لحظة مفتاح صندوق الأمانات، ونكشف السر بالتدريج
في صباح اليوم التالي، اجتمعت مريم وأبناؤها الخمسة أمام البنك.
كان كل واحد منهم يحمل أسئلة أكثر من الآخر.
مريم لم تكن تريد معرفة المزيد عن الماضي من أجل الانتقام، لكنها كانت تشعر أن هناك شيئًا ناقصًا في الحكاية.
شيئًا لم يُكشف بعد.
قدّم المحامي الأوراق اللازمة، وبعد دقائق أحضر الموظف صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
وضعه أمامهم وغادر.
ظل الجميع ينظرون إليه في صمت.
قال الابن الأكبر
أمي افتحيه.
مدت مريم يدها.
أدخلت المفتاح.
دار القفل بصعوبة.
ثم انفتح الصندوق.
لم تكن هناك أموال.
ولا مجوهرات.
كان بداخله ملف طبي قديم، وشريط تسجيل صغير، وخمس صور للأطفال وهم رُضّع.
تجمدت مريم.
أمسكت الصور واحدة تلو الأخرى.
كانت صور أطفالها في المستشفى.
لكن خلف كل صورة كان هناك رقم مختلف.
1
2
3
4
5.
قالت ابنتها
دي صورنا إحنا؟
أومأت مريم.
أيوه.
لكن الملف الطبي كان أكثر إثارة للقلق.
فتح المحامي الأوراق.
ثم توقف فجأة.
غريب
سألته مريم
إيه؟
قال
التقارير دي مش من نفس اليوم.
يعني إيه؟
فيه فحوصات اتعملت للأطفال بعد الولادة مباشرة، لكن فيه فحص تاني اتعمل بعد أيام.
نظر أحد الأبناء إلى المحامي
وإيه المشكلة؟
قال
المشكلة إن النتائج مكتوب عليها إن الأطفال الخمسة يتمتعون بصحة ممتازة لكن الطبيب أضاف ملاحظة بخط يده
أوصي بمتابعة الحالة الوراثية مستقبلًا.
سألته مريم
الحالة الوراثية دي إيه؟
هز المحامي رأسه.
مش مكتوب.
ثم شغّلوا شريط التسجيل.
صدر صوت رجل مسن ومتعب.
كان صوت والدهم.
لو أنتم بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا متأكد إن مريم وأولادي عرفوا إني أخطأت في حقهم.
توقفت مريم عن التنفس للحظة.
تابع صوته
لكن فيه شيء لازم تعرفوه.
في يوم ولادة الأطفال، الطبيب لاحظ تشابهًا وراثيًا نادرًا جدًا بينهم.
مش في لون البشرة
لكن في تركيب جيني محدد.
طلب مني أعمل تحاليل للعائلة كلها.
أنا رفضت وقتها.
كنت غاضبًا وخائفًا.
وبعد سنوات، لما بدأت أبحث عن أصل عائلتي، اكتشفت إن جدتي كانت من عائلة مهاجرة عاشت في مصر منذ أجيال، وكان عندنا تاريخ عائلي لم نكن نعرف عنه شيئًا.
توقفت مريم عند هذه النقطة.
ثم جاء صوت الرجل من التسجيل
لكن ده مش أهم سر.
نظر الأبناء إلى بعضهم.
واصل التسجيل
أهم سر هو إن الطبيب لم يكن يشك في نسب الأطفال.
كان يشك في شيء آخر.
كان يعتقد أن الأطفال الخمسة يحملون تركيبة جينية نادرة جدًا قد تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بمرض وراثي معين في المستقبل.
لكن الطبيب لم يكن متأكدًا.
ولهذا طلب مني أن أعود بعد سنوات لإجراء فحوصات جديدة.
شهقت مريم.
لكن التسجيل استمر
أنا خفت.
وبدل ما أواجه الحقيقة، هربت.
لكن بعد ثلاثين سنة، بحثت عن الطبيب.
وجدته أخيرًا.
وأخبرني أن ظنه القديم كان خاطئًا.
الأطفال ليسوا مرضى.
بل العكس
الفحوصات الجديدة أثبتت أن ما كان يظنه مشكلة وراثية لم يكن مرضًا أصلًا.
كانت مجرد تركيبة جينية نادرة.
تنفست مريم براحة.
لكن قبل أن ينتهي التسجيل، قال الرجل
والسبب اللي خلي لون بشرتهم مختلفًا عني وعن عائلتي لم يكن خيانة.
كان جزءًا من تاريخ عائلتنا نفسه.
والشيء الوحيد الذي أندم عليه أكثر من أي شيء
أنني احتجت ثلاثين سنة لأفهم ذلك.
انتهى التسجيل.
لم يتكلم أحد.
ثم قال أحد الأبناء
يعني كل السنين دي أمي كانت مظلومة.
قالت مريم بهدوء
أنا كنت عارفة إني مظلومة من أول يوم.
ثم ابتسمت بحزن
لكني ما كنتش محتاجة إثبات عشان أحبكم.
وفجأة، رن هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة.
ثم رفع عينيه إلى مريم.
الطبيب اللي كنا بندور عليه اتصل.
تغيرت ملامح الجميع.
قالت مريم
عايز يقابلنا؟
أيوه.
فين؟
أجاب المحامي
قال إنه مش قادر يسافر.
ثم أعطاهم عنوانًا.
لكنه قال إن عنده مستندات أصلية من يوم ولادة الأطفال.
نظر الأبناء إلى أمهم.
كان القرار واضحًا.
بعد ثلاثين عامًا من الانتظار
حان وقت مواجهة الرجل الذي عرف الحقيقة منذ البداية.
وفي صباح اليوم التالي، انطلقت العائلة كلها إلى المدينة الساحلية.
لكنهم لم يكونوا يعرفون أن الطبيب العجوز لم يكن ينتظرهم فقط ليعطيهم الأوراق
بل كان يخفي شيئًا آخر.
شيئًا ظل محتفظًا به لمدة ثلاثين عامًا كاملة.
وعندما رأى مريم أمام منزله، قال أول جملة جعلتها تشعر أن الماضي لم ينتهِ بعد
أنا آسف يا مريم لأنني سكتُّ في اليوم الذي كان لازم أتكلم فيه نكمّل من لحظة اعتذار الطبيب، ونكشف ليه سكت كل السنين دي
وقفت مريم أمام الطبيب العجوز وهي تحاول أن تخفي ارتباكها.
قالت
أنت كنت تعرف إيه بالضبط يوم ولادة أولادي؟
خفض الطبيب رأسه.
كنت أعرف إن زوجك كان فاهم الموضوع غلط تمامًا.
تدخل الابن الأكبر
طب ليه ما قلتلوش؟
تنهد الطبيب وقال
حاولت.
ثم دخل إلى غرفة مكتبه، وعاد بصندوق خشبي قديم.
وضعه على الطاولة وفتحه.
أخرج منه ملفًا أصفر باهتًا.
ده ملفكم الأصلي من المستشفى.
فتحت مريم الأوراق بسرعة.
كانت هناك نتائج التحاليل الأولى، ثم ملاحظات بخط الطبيب.
قال
في يوم الولادة، أنا لاحظت إن التوائم الخمسة عندهم صفات وراثية نادرة. طلبت فحص الأب والأم.
قالت مريم
وأنا وافقت.
لكن والدهم رفض.
سأل أحد الأبناء
ليه؟
لأنه كان مقتنع إن أي تحليل هيكشف خيانة، وكان غضبه وقتها أقوى من عقله.
صمت الطبيب لحظة ثم تابع
بعد ما خرج من المستشفى، حاولت أتواصل معاه. لكن عائلته منعتني.
رفعت مريم حاجبيها.
عائلته؟
أومأ.
والده كان رجلًا شديد النفوذ، وكان هو المسيطر على كل قرارات ابنه. طلب مني أقفل الملف تمامًا وأعتبر الموضوع انتهى.
قالت ابنتها بغضب
يعني جدي كان عارف؟
كان يعرف إن فيه فحص وراثي ناقص، لكنه لم يعرف الحقيقة كاملة.
ثم أخرج الطبيب ورقة أخرى.
دي أهم ورقة.
كانت عبارة عن نتيجة تحليل قديمة.
نظر إليها الابن الثاني.
إيه دي؟
قال الطبيب
تحليل والدكم.
ثم وضع بجانبه تقريرًا آخر.
وده تحليل أمكم.
ثم أخرج النتيجة الأخيرة.
وده التحليل اللي عملته للأطفال.
بدأ الابن الأكبر يقارن الأوراق.
ثم اتسعت عيناه.
لحظة
نظر إلى الطبيب.
إحنا ورثنا الجينات دي من الأب والأم معًا؟
ابتسم الطبيب.
بالضبط.
قالت مريم
يعني لون بشرتهم كان ممكن يظهر بالشكل ده طبيعي؟
ليس فقط ممكن بل كان متوقعًا وراثيًا في بعض التركيبات.
ساد الصمت.
ثم قال الطبيب
لكن فيه شيء لم أكتشفه إلا منذ سنوات.
نظر الجميع إليه.
أنتم الخمسة كنتم حالة نادرة جدًا لأنكم توائم متماثلون جزئيًا في بعض الصفات الوراثية، ولهذا ظهرت بعض الصفات المشتركة بينكم بصورة واضحة جدًا.
قال أحد الأبناء
طب وإيه اللي كان مخوفك؟
ابتسم الطبيب.
لم أكن خائفًا منكم.
كنت خائفًا من أن يتم تفسير شيء علمي بطريقة خاطئة.
ثم أخرج صورة قديمة.
كانت صورة لمريم وهي تحمل الأطفال الخمسة.
لكن خلف الصورة كان هناك تاريخ.
1995.
قال الطبيب
والدكم عاد لي بعد سنوات.
رفعت مريم رأسها.
إمتى؟
بعد حوالي عشر سنوات.
وجاي ليه؟
تنهد الطبيب.
كان عايز يعرف الحقيقة.
صمتت مريم.
وعرفت إنه أبناؤه؟
أيوه.
طب ليه ما رجعش؟
نظر الطبيب إليها مباشرة.
لأنه كان خجلان.
ثم قال
لكن ده مش كل شيء.
فتح درجًا قديمًا وأخرج رسالة.
دي الرسالة اللي كتبها لك سنة 2006.
تجمدت مريم.
كتبلي رسالة؟
أيوه.
ليه ما وصلتش؟
قال الطبيب
لأنه لم يرسلها.
أعطاها الرسالة.
فتحتها بيد مرتجفة.
كان مكتوبًا
مريم
أنا عارف إن الاعتذار مش كفاية.
شوفت أولادنا من بعيد.
شوفت نجاحهم.
وعرفت إنك ربيتيهم أحسن مما كنت أقدر أربيهم.
أنا مش طالب تسامحيني.
أنا بس عايزك تعرفي إن اليوم اللي تركتك فيه كان أسوأ يوم في حياتي.
ولو الزمن رجع بيا
كنت هقف جنبك.
حتى لو العالم كله وقف ضدنا.
سقطت دمعة واحدة من عين مريم.
لكنها لم تقل شيئًا.
أغلقت الرسالة.
ثم قالت
كان عنده ثلاثين سنة عشان يقول الكلام ده.
نظر الطبيب إليها.
لكنه قاله متأخرًا.
ردت
وأنا عندي ثلاثين سنة من التعب مش هخلي الاعتذار يمسحهم.
اقترب منها أبناؤها الخمسة.
أمسك أحدهم يدها.
وقال
بس إحنا مش ناقصنا حاجة يا أمي.
ابتسمت.
عارفة.
ثم سألت الطبيب
ليه طلبت تشوفنا دلوقتي؟
هنا تغير وجه الطبيب.
أغلق الملف ببطء وقال
لأن فيه وثيقة تانية.
وثيقة إيه؟
والدكم تركها عندي قبل وفاته.
فتح الطبيب الصندوق مرة أخرى.
وأخرج ظرفًا لم يُفتح.
كان مكتوبًا عليه
إلى مريم وأبنائي الخمسة افتحوه فقط إذا عرفتم الحقيقة.
نظرت مريم إلى أبنائها.
ثم مدت يدها نحو الظرف.
لكن قبل أن تفتحه، قال الطبيب
لازم تعرفي إن اللي جواه مش متعلق بالمال.
توقفت.
أمال متعلق بإيه؟
نظر الطبيب إلى الخمسة.
وقال
متعلق بسبب واحد جعل والدكم يظل يبحث عنكم حتى آخر يوم في حياته.
فتحت مريم الظرف.
وقرأت أول سطر
فتغير وجهها تمامًا.
لأن السطر كان يقول
أنا لم أبحث عنكم لأعتذر فقط كنت أبحث عنكم لأنني اكتشفت أن لديكم حقًا ضاع منكم طوال ثلاثين عامًا نكمل من اللحظة اللي ظهرت فيها
تم نسخ الرابط