ربط الصيادون

لمحة نيوز

تتردد من قلب السافانا.
لكن هذه المرة لم يكن القطيع يحاصر إيميلي.
كان يتحرك في اتجاه واحد...
نحو المكان الذي دخل منه الرجال المسلحون.
وكأن الأسود نفسها كانت تعرف أن الخطر الحقيقي بدأ الآن أكيد، نكمل من بعد ما ظنت إيميلي إن كل شيء انتهى، ونخلي فيه مفاجأة جديدة تقلب الأحداث
مرّت ثلاثة أشهر على تلك الليلة.
عادت الحياة إلى المحمية تدريجيًا، وأصبحت إيميلي تعمل في دورياتها كالمعتاد.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير...
كانت تراقب التلال الشمالية كل صباح.
كانت تبحث عن الأسد صاحب اللِّبدة الداكنة.
ولم تره منذ ذلك اليوم.
حتى جاء صباح غريب.
كانت إيميلي تقود سيارتها بالقرب من المنطقة التي أطلقوا عليها اسم وادي الحماة، عندما لاحظت أن قطيعًا من الظباء يركض في اتجاه واحد.
أوقفت السيارة.
ترجلت بسرعة.
كان هناك شيء يخيف الحيوانات.
لكنها لم تسمع أصوات إطلاق نار.
ولا سيارات.
ولا أي محركات.
فقط...
صمت غير طبيعي.
أخرجت جهاز اللاسلكي وقالت
هنا إيميلي. في حركة غير طبيعية للحيوانات في القطاع الشمالي.
جاءها الرد
خليكي مكانك. فريق الحراسة في طريقه.
لكن قبل أن يصل الفريق، سمعت صوتًا خافتًا.
صوت أنين.
جاء من خلف مجموعة من الصخور.
تحركت بحذر.
ثم توقفت فجأة.
كان هناك شبل أسد صغير عالق بين الصخور.
اقتربت منه ببطء.
كان يرتجف، وكانت إحدى قائمتيه محاصرة.
قالت إيميلي
اهدأ... مش هأذيك.
وبعد دقائق، تمكنت من تحريره.
لكن بمجرد أن وقف الشبل...
سمعت زئيرًا.
زئيرًا تعرفه جيدًا.
رفعت رأسها.
كان الأسد الضخم يقف على التل المقابل.
وبجانبه ثلاثة أسود أخرى.
ظل يراقبها.
ثم بدأ يقترب.
تراجعت إيميلي خطوة.
لكن الأسد لم يهاجم.
توقف على بعد أمتار قليلة منها.
ثم نظر إلى الشبل.
فهمت إيميلي أنه جاء من أجله.
ابتعدت ببطء.
ذهب الشبل نحو القطيع.
وفي اللحظة التي كاد القطيع يختفي فيها بين الأعشاب...
سمعت إيميلي صوتًا عبر جهاز اللاسلكي.
إيميلي، ارجعي فورًا!
كان صوت مدير المحمية.
في حاجة حصلت في البوابة الشرقية.
سألت
إيه اللي حصل؟
جاء الرد
لقينا عربية متوقفة هناك.
عربية مين؟
صمت الرجل لحظة.
ثم قال
عربية دانيال.
تجمدت إيميلي.
مستحيل... دانيال تحت الحراسة.
هو فعلًا تحت الحراسة.
طيب العربية بتاعته هناك ليه؟
جاء الرد
لأن جوّاها رسالة باسمك.
ركبت إيميلي سيارتها وعادت بأقصى سرعة.
عندما وصلت، كان المحقق ينتظرها.
أشار إلى ظرف أبيض فوق طاولة.
كان مكتوبًا عليه
إلى إيميلي فقط.
فتحت الظرف.
وجدت ورقة واحدة.
وكان مكتوبًا فيها
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أوقفهم.
توقفت أنفاسها.
تابعت القراءة
اللي حصل من ثلاثة أشهر لم يكن النهاية.
كان مجرد بداية.
وفي أسفل الصفحة كان هناك رقم.
ليس رقم هاتف...
بل إحداثيات.
نظر المحقق إليها وقال
المكان ده فين؟
فتحت إيميلي الخريطة.
ثم شحب وجهها.
قالت
ده قلب المحمية.
سألها
فيه إيه هناك؟
أجابته
منطقة محدش بيدخلها من سنين.
ليه؟
رفعت عينيها إليه.
لأنها منطقة التكاثر الرئيسية للأسود.
ساد الصمت.
ثم جاء صوت من الخارج.
زئير قوي جدًا.
التفت الجميع نحو النافذة.
كان الأسد الضخم واقفًا بعيدًا.
لكن هذه المرة...
لم يكن وحده.
كان خلفه عشرات الأسود.
وكانت جميعها تنظر في اتجاه واحد.
نحو قلب المحمية.
قال المحقق
إيه اللي بيحصل؟
لم تجبه إيميلي.
كانت تعرف أن شيئًا خطيرًا يحدث.
أمسكت جهاز اللاسلكي.
وقالت
كل فرق الحراسة تتجه للقطاع الأوسط فورًا.
ثم أضافت
ومتحدش يطلق النار.
خرجت من المبنى.
نظرت إلى القطيع.
ثم إلى التلال البعيدة.
وفجأة...
بدأت الأرض تهتز تحت قدميها.
صوت انفجار مكتوم خرج من أعماق الأرض.
ثم ارتفع عمود من الدخان في قلب المحمية.
صرخ أحد الحراس
في انفجار تحت الأرض!
نظرت إيميلي إلى دانيال الذي كان قد وصل للتو مع رجال الشرطة.
كان وجهه شاحبًا.
وقال جملة واحدة
دلوقتي فهمت ليه كانوا عايزين يسيطروا على المياه.
سألته إيميلي
ليه؟
نظر نحو الدخان.
وقال
لأن تحت المحمية مش بس خزانات مياه...
في حاجة تانية.
وحاجة كبيرة جدًا.
وفي تلك اللحظة...
بدأت الأسود كلها تتحرك نحو مكان الانفجار.
وإيميلي أدركت أن القطيع لم يكن يحاول حمايتها فقط طوال هذه الفترة.
كان يحاول حمايتها من شيء...
كان موجودًا تحت أقدامهم منذ البداية انطلقت سيارات الحراسة بأقصى سرعة نحو قلب المحمية.
كانت إيميلي تجلس في المقعد الخلفي، وبجوارها دانيال، بينما كان المحقق يتابع الإحداثيات على جهاز تحديد المواقع.
وفجأة قال دانيال
وقفوا!
ضغط السائق على الفرامل.
نظر الجميع إليه بدهشة.
أشار دانيال إلى الأرض.
كانت هناك آثار عجلات حديثة، لكنها لم تكن آثار سيارات المجموعة التي دخلت المحمية.
قال
دي آثار عربية تانية.
اقترب المحقق من الآثار.
ثم رفع رأسه وقال
يعني فيه فريق تاني.
أومأ دانيال.
وده معناه إنهم عارفين إننا جايين.
ساد الصمت.
ثم دوى زئير قوي من بعيد.
نظرت إيميلي عبر النافذة.
كان قطيع الأسود يتحرك بسرعة بين الأعشاب.
لكن شيئًا غريبًا لفت انتباهها.
الأسود لم تكن تهرب من السيارات أو من أصوات البشر.
كانت تتجه إلى مكان محدد.
قالت إيميلي
اتبعوا الأسود.
نظر إليها المحقق باستغراب.
إيه؟
الأسود عارفة حاجة إحنا مش عارفينها.
تردد للحظة، ثم أمر السائق باتباع المسار.
بعد دقائق، وصلوا إلى منطقة صخرية.
كانت السيارات التي دخلت المحمية متوقفة هناك.
لكن لم يكن هناك أحد.
وجد الفريق أبواب السيارات مفتوحة، وبعض المعدات ملقاة على الأرض.
قال أحد الحراس
شكلهم هربوا.
لكن دانيال هز رأسه.
لأ.
وأشار إلى أحد الأجهزة.
سابوا ده عمدًا.
اقترب المحقق.
كان جهاز إرسال صغيرًا.
وفجأة انطلق منه صوت.
لو بتسمع الرسالة دي... يبقى إيميلي وصلت.
تجمدت إيميلي.
كان صوت زعيم الصيادين.
تابع التسجيل
أنتِ كنتِ فاكرة إنك قبضتي علينا لأنك صورتي شوية صناديق.
ثم ضحك.
لكن اللي شفتيه كان مجرد بداية.
تبادل الجميع النظرات.
قال الصوت
في مكان تحت الأرض داخل المحمية... فيه مخزن قديم من أيام المشروع الأول.
ثم توقف التسجيل لثوانٍ.
وهناك هتلاقوا السبب الحقيقي لكل اللي حصل.
انقطع التسجيل.
قال المحقق
لازم نلاقي المكان.
أخرج دانيال خريطة قديمة.
وبدأ يقلب صفحاتها بسرعة.
ثم توقف.
أنا عارف المكان.
قادهم إلى منطقة بعيدة خلف مجموعة من الصخور.
كانت هناك بوابة حديدية مغطاة بالأغصان.
فتح الحراس البوابة بصعوبة.
ظهرت أمامهم ممرات قديمة تحت الأرض.
نزلوا بحذر.
وبعد عدة أمتار، ظهرت غرفة واسعة.
كانت مليئة بصناديق خشبية.
فتح المحقق أحدها.
فتوقف مصدومًا.
لم تكن الصناديق تحتوي على عاج أو جلود.
كانت تحتوي على ملفات وصور ووثائق قديمة تخص المحمية.
قال دانيال
دي مش بضائع.
ثم فتح صندوقًا آخر.
وجدوا داخله خرائط لأماكن المياه ومناطق تجمع الحيوانات.
وفجأة قالت إيميلي
استنوا...
أشارت إلى إحدى الخرائط.
كانت هناك علامات حمراء حول مناطق معينة.
دي مصادر المياه.
نظر المحقق إليها.
يعني إيه؟
أجابت
لو حد سيطر على مصادر المياه، يقدر يتحكم في حركة الحيوانات كلها.
ساد الصمت.
وفجأة سمعوا صوت ارتطام قوي من أعلى.
ثم صوت محرك سيارة.
اقترب دانيال من المدخل ونظر بحذر.
قال
هم رجعوا.
أغلق المحقق المصباح.
وساد الظلام.
ثم بدأت خطوات تقترب من البوابة.
خطوة...
ثم أخرى...
وفجأة سمع الجميع زئيرًا هائلًا فوقهم.
توقفت الخطوات.
ثم جاء صوت رجل مذعور
الأسود هنا!
سمعوا صراخًا وارتباكًا في الخارج.
وبعد لحظات، انطلقت عدة سيارات بسرعة مبتعدة عن المكان.
انتظر الجميع حتى اختفت الأصوات.
ثم صعدوا إلى الخارج.
كان قطيع الأسود يقف أمام مدخل الممر.
وفي مقدمتهم الأسد الضخم نفسه.
نظر مباشرة إلى إيميلي.
اقتربت منه ببطء.
لمسته على رأسه للحظة.
ثم حدث شيء لم تنسه طوال حياتها.
رفع الأسد رأسه، ونظر خلفها نحو الجبال.
كان هناك دخان أسود يتصاعد من بعيد.
قال دانيال
ده مش دخان عربية.
ركض أحد الحراس نحو جهاز اللاسلكي.
وبعد ثوانٍ جاء صوت عاجل
حريق ضخم اندلع في الجزء الشمالي من المحمية!
نظرت إيميلي إلى القطيع.
ثم إلى الدخان.
وفهمت فجأة سبب تحرك الأسود.
لم تكن تحميها فقط...
كانت تحاول الوصول إلى مكان آخر.
مكان يوجد فيه شيء أخطر بكثير.
قالت إيميلي
لازم نروح هناك.
لكن المحقق أمسك بذراعها.
إيميلي، المكان مشتعل.
نظرت إلى الأسد.
كان القطيع قد بدأ بالفعل يتحرك نحو الشمال.
ثم التفت الأسد للحظة وكأنه ينتظرها.
وقالت إيميلي
يمكن دي المرة التانية اللي بينقذوني فيها.
وركضت خلف القطيع ركضت إيميلي خلف القطيع، بينما كان رجال الإنقاذ يحاولون اللحاق بها.
كان الدخان يزداد كثافة كلما اقتربوا من الجزء الشمالي من المحمية.
لكن بعد دقائق، لاحظت إيميلي شيئًا غريبًا.
الأسود لم تكن تتجه نحو النار مباشرة.
كانت تتحرك بمحاذاة السياج القديم.
ثم توقفت فجأة أمام منطقة منخفضة في الأرض.
اقتربت إيميلي بحذر.
وهناك رأت فتحة صغيرة بين الصخور.
قال دانيال
ده نفق.
انحنى أحد الحراس وأضاء مصباحه داخله.
كان النفق يؤدي إلى مكان بعيد عن الحريق.
دخلوا بسرعة.
وبعد مسافة قصيرة، وصلوا إلى غرفة تحت الأرض.
كانت هناك خزانات مياه كبيرة.
والغريب أن الأنابيب الخارجة منها كانت تتجه إلى أجزاء مختلفة من المحمية.
فهمت إيميلي الأمر فورًا.
قالت
كانوا بيحاولوا يسيطروا على المياه.
لكن قبل أن يكمل أحد كلامه، سمعوا صوتًا من خلفهم.
بالضبط.
استدار الجميع.
كان زعيم الصيادين يقف عند مدخل الغرفة.
لكن هذه المرة لم يكن يحمل سلاحًا.
رفع يديه ببطء.
وقال
أنا مش جاي أقاتلكم.
صرخ المحقق
إنت!
تقدم الشرطيون نحوه، لكنه قال بسرعة
اسمعوني الأول.
وأشار إلى الخزانات.
لو ما قفلتوش النظام ده خلال دقائق، المياه هتتحول بالكامل ناحية المنطقة الشرقية.
سألته إيميلي
وليه تعملوا كده؟
نظر إليها بصمت.
ثم قال
كان الهدف إجبار إدارة المحمية على إخلاء المنطقة.
تقدم دانيال.
ومين وراكم؟
لم يجب الرجل.
اقتربت إيميلي منه.
أنت مش صاحب الخطة.
خفض الرجل رأسه.
ثم قال
لا.
وأخرج من جيبه ورقة صغيرة.
كانت تحمل اسم شركة ومجموعة من التوقيعات.
قال
أنا كنت مجرد منفذ.
أخذ المحقق الورقة.
وقبل أن يقرأها، اهتزت الأرض فجأة.
صدر صوت قوي من الأنابيب.
بدأت المياه تتدفق بسرعة.
صرخ أحد الحراس
الضغط بيزيد!
ركض الجميع نحو الصمامات.
لكن أحد الصمامات كان عالقًا.
حاول الحارس إغلاقه دون جدوى.
ثم اقتربت إيميلي.
تذكرت شيئًا رأته في الخرائط.
قالت
الصمام الرئيسي مش هنا.
أشارت إلى فتحة في الجدار.
لازم نوصل له من الناحية التانية.
دخلت هي ودانيال النفق الضيق.
كان الماء يرتفع حول أقدامهما.
ومع كل ثانية، كان الصوت يزداد قوة.
وصل الاثنان إلى غرفة صغيرة.
وفي وسطها كان هناك صمام ضخم.
حاول دانيال تحريكه.
لم يتحرك.
ساعدته إيميلي.
مرة...
مرتين...
ثم تحرك الصمام فجأة.
انخفض ضغط المياه.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوتًا هائلًا من الخارج.
خرج الجميع من النفق.
كان المطر قد بدأ يهطل فوق المحمية.
والحريق الذي اشتعل في الشمال بدأ ينحسر.
وقفت إيميلي تحت المطر، تلتقط أنفاسها.
نظرت حولها.
كان قطيع الأسود لا يزال قريبًا.
لكن الأسد الضخم لم يعد أمامها.
بحثت عنه بعينيها.
ثم رأته بعيدًا فوق تلة صغيرة.
كان واقفًا وحده.
نظر إليها للحظات.
ثم أطلق زئيرًا قصيرًا.
ابتسمت إيميلي رغم دموعها.
وفي اليوم التالي، بدأت السلطات تحقيقًا واسعًا.
تم القبض على أفراد الشبكة واحدًا تلو الآخر.
أما دانيال، فقد قدم كل الأدلة التي جمعها خلال الأشهر الماضية.
وبفضلها، تم كشف شبكة كبيرة كانت تستغل المحمية وتخطط لطرد الحيوانات من مناطقها الطبيعية.
لكن إيميلي ظلت تفكر في سؤال واحد
لماذا أنقذتها الأسود؟
بعد أسابيع، عاد الهدوء إلى المحمية.
وفي إحدى جولاتها الصباحية، وجدت إيميلي آثار أقدام مألوفة قرب الشجرة القديمة.
توقفت.
ثم ابتسمت.
كان القطيع قد مر من هناك أثناء الليل.
جلست إيميلي تحت الشجرة، ووضعت يدها على الحبال القديمة التي احتفظت بها كذكرى.
وقالت بصوت منخفض
مش هنسى اللي عملتوه معايا.
ومن بعيد...
ظهر الأسد الضخم للحظة بين الأعشاب.
تلاقت عيناه بعينيها.
ثم استدار واختفى داخل السافانا.
ومنذ ذلك اليوم، أطلقت إدارة المحمية اسمًا جديدًا على المنطقة
وادي الحماة.
ليس لأن الأسود كانت حيوانات أليفة أو لأنها كانت تفهم البشر كما في الحكايات...
بل لأن ما حدث في تلك الليلة ظل لغزًا حقيقيًا بالنسبة لكل من شاهده.
أما
تم نسخ الرابط