مزارعة
المحتويات
والمحصول، لما شافت عربية الحاج حسن داخلة من أول الطريق.
نزل حسن ومعاه الحاجة فاطمة.
ابتسمت مريم
أهلًا بيكم.
فاطمة قربت منها وقالت
عندنا خبر مهم.
مريم ضحكت
خير إن شاء الله؟
حسن حط ملف على الترابيزة الخشبية الصغيرة.
الأرض اللي اشتريناها جنب أرضك مش هتكون مشروع عادي.
فتح الملف.
هنزرع فيها محاصيل مختلفة، وهنعمل مكان لتعبئة المنتجات وتغليفها بدل ما نبيع المحصول للتجار بأقل من تمنه.
مريم بصت له
يعني هنبيع بنفسنا؟
بالضبط.
ثم أضاف
وإنتِ هتكوني المسؤولة عن المشروع.
مريم اتفاجئت
أنا؟
إنتِ أدرى واحدة بالأرض دي.
لكن مريم هزت رأسها بتردد
أنا بعرف أزرع مش بعرف أدير شركة.
فاطمة ابتسمت
الإدارة بتتعلم. إنما الأمانة والخوف على الشغل، مش بيتعلموا بسهولة.
الكلمة لمست قلب مريم.
وافقت.
وبدأ العمل.
لكن رجب السيوفي، رغم إن نفوذه اتكسر، ما كانش مستعد يختفي بسهولة.
في أحد الأيام، وصل لمريم خطاب رسمي.
فتحت الخطاب، فوجدت مطالبة جديدة بدين قديم.
ارتبكت.
هو لسه بيحاول؟
أخذ حسن الورقة وقرأها.
سكت للحظات.
ثم قال
دي مش من رجب.
مريم بصت له
أمال من مين؟
رد
من شركة كانت بتتعامل مع أبوكي من أكتر من عشرين سنة.
فاطمة قربت من حسن وقالت
معقول يكونوا رجعوا؟
حسن هز رأسه.
الظاهر إن فيه حد بيدور على الورق القديم.
مريم شعرت بالخوف.
يعني الأرض لسه مهددة؟
حسن قال
مش الأرض بس.
ثم أشار إلى العقد.
حد بيحاول يثبت إن أبوكي كان عليه التزام كبير قبل وفاته.
مريم جلست على الكرسي.
بابا ما كانش عليه الكلام ده.
حسن قال بثقة
وأنا متأكد.
وفي اليوم التالي، بدأوا يبحثون في أرشيف والدها.
قضوا ساعات طويلة بين الملفات القديمة.
حتى وجدت مريم دفترًا صغيرًا مخبأً داخل صندوق حديدي.
فتحته.
وكانت أول صفحة مكتوب عليها
لو حد حاول يطالب بنتي بأي دين بعد وفاتي، لازم تعرف الحقيقة الأول.
مريم تجمدت مكانها.
قلبت الصفحة بسرعة.
وفي الداخل كان والدها مسجلًا بالتواريخ أسماء الأشخاص الذين تعامل معهم، والمبالغ التي دفعها، والعقود التي أغلقها.
وفي آخر الدفتر، كان هناك اسم واحد محاط بدائرة.
رجب السيوفي.
مريم رفعت عينيها للحاج حسن.
بابا كان متوقع إن رجب يعمل كده؟
حسن أخذ الدفتر، وبدأ يقرأ.
وبعد دقائق قال
أبوكي كان أذكى مما كنا فاكرين.
فاطمة سألت
يعني إيه؟
حسن أشار إلى آخر صفحة.
هو ما سابش الدفتر ده علشان يحمي نفسه.
ثم نظر إلى مريم.
سابه علشان يحميكي.
وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت سيارة تتوقف أمام البيت.
خرجوا جميعًا.
كان محاميًا شابًا يقف أمام الباب.
قال
أنا جاي من القاهرة مخصوص.
مريم سألت
حضرتك مين؟
أخرج بطاقة تعريف وملفًا.
اسمي سامح. ووالدي كان شريك والدك في أول مشروع زراعي بدأه قبل أكثر من عشرين سنة.
ثم قال
ووالدي توفى من شهر.
مريم شعرت بقشعريرة.
وإيه علاقة ده بالأرض؟
فتح سامح الملف.
قبل وفاته، والدي قال لي لو حصل أي خلاف على أرض مريم، لازم تسلمها الورق ده.
وضع ملفًا كبيرًا أمامها.
مريم فتحت أول ورقة.
كانت خريطة قديمة للأرض.
لكن الخريطة كشفت شيئًا لم يكن موجودًا في السجلات الحالية.
جزء كبير من الأرض كان مسجلًا قديمًا باسم والدها، لكن الحدود الحديثة كانت ناقصة.
سامح قال
المساحة الحقيقية لأرض أبوكي أكبر من المساحة اللي في الأوراق الحالية.
مريم شهقت
أكبر بكام؟
ابتسم سامح.
حوالي سبعة أفدنة.
سكت الجميع.
الحاج حسن بص إلى مريم وقال
واضح إن أبوكي كان مخبي مفاجآت أكتر مما توقعنا.
لكن مريم لم تفرح.
لأنها سألت
ولو الأرض دي بتاعتي فعلًا مين ماسكها دلوقتي؟
سامح أغلق الملف ببطء.
ودي بقى المشكلة.
ثم قال
السبعة أفدنة دول موجودين على أرض الواقع لكن شخص تاني بيزرعهم من سنين.
مريم وقفت.
مين؟
سامح نظر إلى حسن.
وحسن رد بدلًا منه
الشخص اللي بيزرعهم هو أقرب شخص كان أبوكي واثق فيه.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
ومريم لأول مرة بدأت تشعر أن قصة أرض أبيها لم تبدأ مع رجب السيوفي
بل بدأت قبل ذلك بعشرين سنة.
يتبعمريم فضلت واقفة مكانها، وعينيها على الحاج حسن.
يعني مين الشخص ده؟
الحاج حسن ما ردش فورًا.
فتح الملف القديم، وطلع منه صورة لرجل في الخمسينيات من عمره.
ناولها لمريم.
اسمه عماد.
مريم قربت الصورة من عينيها.
عماد؟ أنا أعرفه ده كان محاسب عند أبويا زمان!
حسن هز رأسه.
بالضبط.
مريم اتصدمت.
بس عماد اختفى من البلد من سنين!
سامح قال
هو ما اختفاش. نقل شغله لمحافظة تانية، لكنه فضل محتفظ بالأرض اللي كان أبوكي ائتمنه عليها.
مريم بصت للخريطة.
يعني هو زرع سبعة أفدنة من أرض أبويا؟
من غير ما يقولك.
سكتت مريم لحظة.
ثم قالت
لازم نروح له.
حسن حاول يمنعها
مش دلوقتي.
ليه؟
لأننا محتاجين نعرف الحقيقة كاملة قبل ما نواجهه.
مريم ردت بحزم
أنا استنيت كتير. المرة دي مش هسيب حقي يضيع.
وفي اليوم التالي، سافروا إلى القرية المجاورة حيث كان عماد يعيش.
وصلوا أمام مزرعة كبيرة.
لكن المفاجأة أن عماد لم يهرب عندما رأى مريم.
بالعكس.
خرج من البيت، وبدا على وجهه التعب.
قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
مريم وقفت أمامه.
ليه خبيت أرض أبويا عني؟
عماد تنهد.
لأن أبوكي هو اللي طلب مني.
مريم اتجمدت.
بابا؟
أيوه.
دخل عماد إلى غرفة قديمة، وأخرج صندوقًا معدنيًا.
فتحه أمامهم.
كان بداخله عشرات الأوراق.
قال
أبوكي قبل وفاته كان عارف إن عليه ناس طماعة، وكان خايف إن الأرض كلها تضيع منك بعد موته.
ثم أخرج ورقة.
كتب لي إن السبعة أفدنة دول لازم يفضلوا بعيد عن أي تعامل تجاري لحد ما تكبري وتقدري تديري أرضك بنفسك.
مريم أخذت الورقة.
قرأت التوقيع.
كان توقيع والدها فعلًا.
لكنها رفعت رأسها بسرعة.
طب ليه ما قلتليش الكلام ده من الأول؟
عماد خفض عينيه.
لأن أبوكي وصاني ما أقولش غير لما أشوفك قادرة تحمي حقك.
مريم سكتت.
ثم قالت
بس إنت كنت بتزرع الأرض وتبيع المحصول.
وكنت بحوش كل قرش في حساب باسم والدك.
فتح دفترًا قديمًا.
كانت فيه حسابات لسنوات طويلة.
كل موسم، كل محصول، كل مصروف وكل جنيه تم تحصيله.
مريم بدأت تبكي.
يعني الفلوس دي موجودة؟
عماد أومأ.
موجودة.
الحاج حسن ابتسم.
أبوكي كان عامل حساب لكل حاجة.
لكن سامح قلب الأوراق فجأة.
وتغير وجهه.
استنوا.
الجميع بص له.
قال
الحسابات دي كاملة لكن فيه مبلغ ناقص.
عماد استغرب
مستحيل.
سامح أشار إلى صفحة قديمة.
هنا مكتوب إن فيه دفعة كبيرة اتسحبت قبل وفاة والد مريم بشهر.
مريم سألت
مين سحبها؟
عماد فتح عينيه بدهشة.
أنا ما سحبتش حاجة.
الحاج حسن أخذ الورقة.
ثم نظر إلى التاريخ.
سكت.
مريم سألت بقلق
إيه؟
حسن قال
التاريخ ده كان بعد دخول أبوكي المستشفى.
ثم نظر إلى توقيع السحب.
والتوقيع مش توقيعه.
سامح قال
يبقى حد زور توقيعه وسحب الفلوس.
ساد الصمت.
مريم شعرت أن القضية أكبر مما كانت تتخيل.
فقالت
مين كان عنده حق يدخل على الحساب؟
عماد رد
أنا وأبوكي وشخص واحد تالت.
مريم سألت
مين؟
عماد نظر إليها مباشرة.
رجب السيوفي.
الجميع اتجمد.
لكن الحاج حسن لم يبدُ متفاجئًا.
قال بهدوء
كنت شاكك.
مريم قبضت يدها.
يعني كل اللي حصل ده مرتبط ببعضه؟
حسن قال
ممكن.
سامح أخرج هاتفه.
لو أثبتنا إن توقيع السحب مزور، ده هيغير القضية كلها.
مريم قالت
نعمل إيه؟
سامح رد
نرجع القاهرة، ونطلب كشف الحساب الأصلي، ونجيب خبير خطوط.
عماد وقف.
وأنا هاجي معاكم.
مريم بصت له.
ليه؟
ابتسم بحزن.
لأن أبوكي ائتمنني على أرضه عشرين سنة.
ثم أضاف
والوقت جه إني أرجعلك الأمانة كاملة.
وفي طريق العودة، كانت مريم تنظر من شباك السيارة إلى الأراضي الممتدة على جانبي الطريق.
لأول مرة، بدأت تفهم أن أبوها لم يترك لها مجرد 25 فدانًا.
لقد ترك لها شبكة من الأمانات والوثائق والأشخاص الذين حفظوا وعدهم له سنوات طويلة.
لكنها لم تكن تعرف أن الورقة التي سيكشفها خبير الخطوط بعد يومين
ستغير كل شيء.
لأن التوقيع المزور لم يكن مجرد توقيع مزيف.
كان بداية خيط يقود إلى سر أخطر بكثير.
يتبعبعد يومين، رجعت مريم ومعاها الحاج حسن والحاجة فاطمة وعماد إلى مكتب الخبير.
كان الظرف مفتوحًا على المكتب.
الخبير قال
راجعت التوقيع أكثر من مرة.
مريم سألت بقلق
والنتيجة؟
رد بهدوء
التوقيع الموجود على طلب سحب الفلوس مش توقيع والدك.
مريم تنفست براحة.
لكن الخبير أكمل
والأغرب إن التزوير اتعمل باحتراف شديد، كأن الشخص اللي عمله كان معاه مستندات أصلية يقدر يقلد منها.
عماد قال
يعني كان حد قريب من أبوها.
الخبير هز رأسه.
غالبًا.
الحاج حسن فتح الملف وقال
طيب نقدر نعرف مين اللي قدم الطلب للبنك؟
البنك هو اللي يقدر يحدد ده.
وفي نفس اليوم، راحوا للبنك.
بعد مراجعة السجلات، ظهر اسم الموظف اللي استلم الطلب.
لكن الموظف كان متقاعدًا من سنين.
تم استدعاؤه للتحقيق، ولما شاف صورة التوقيع، قال
أنا فاكر المعاملة دي.
مريم قربت منه.
مين اللي جابها؟
الرجل فكر قليلًا.
ثم قال
مش والدك.
سألته مريم
أمال مين؟
كان راجل شاب وقال إنه شريك والدك.
عماد قال بسرعة
كان اسمه إيه؟
الرجل أغمض عينيه محاولًا التذكر.
أظن اسمه رجب.
سادت لحظة صمت.
مريم قبضت على الملف.
لكن الحاج حسن قال
لسه محتاجين دليل أقوى.
عادوا إلى القرية.
وهناك كانت المفاجأة.
أحد العمال القدامى عند البنك اتصل بمريم وقال لها
عندي حاجة أبوكي كان سايبها عندي من سنين.
ذهبت إليه.
وأعطاها ظرفًا صغيرًا.
والدك قال لي لو مريم في يوم احتاجت تثبت إن رجب كان بيحاول ياخد أرضي، سلّمها الظرف ده.
مريم فتحت الظرف.
وجدت بداخله صورة لدفتر حسابات، وصورة لرجب وهو يوقع على ورقة قديمة.
وفي أسفل الصورة تاريخ يسبق عملية سحب الأموال بأيام.
مريم بصت للحاج حسن.
يعني كان بيجهز لكل حاجة من بدري.
حسن قال
الظاهر إن أبوكي اكتشف الموضوع قبل وفاته.
فاطمة سألت
طيب ليه ما بلغش الشرطة؟
مريم قلبت الورقة الأخيرة.
وكان عليها كلام بخط والدها
أنا مش خايف على نفسي أنا خايف لو دخلت في صراع معاه، مريم تخسر الأرض كلها.
مريم ضمت الورقة لصدرها.
بابا كان بيحميني حتى بعد ما مات.
في اليوم التالي، تم تقديم المستندات للجهات المختصة.
وبعد مراجعة الحسابات والعقود، ظهرت مخالفات عديدة في طريقة نقل الدين ومحاولة تنفيذ المزاد.
لكن رجب أنكر كل شيء.
قال
كل المستندات دي ممكن تكون متفبركة.
وقبل ما ينتهي التحقيق، حدث شيء مفاجئ.
رجب نفسه طلب مقابلة مريم.
وافقت، لكن بحضور الحاج حسن والمحامي.
دخل رجب الغرفة، ولم يكن بنفس الثقة القديمة.
جلس وقال
أنا غلطت.
مريم ردت
الغلط إنك تحاول تاخد أرض ناس غلابة؟
خفض رأسه.
أنا كنت فاكر إن الفلوس أهم من كل حاجة.
مريم سكتت.
قال
بس في حاجة لازم تعرفيها.
أخرج ورقة قديمة.
أبوكي هو اللي علمني الشغل.
مريم استغربت.
أبويا؟
أيوه. قبل ما أبقى بالشكل اللي إنتِ شايفاه، كنت شاب غلبان، وأبوكي ساعدني.
ثم نظر إليها.
وأنا بدل ما أرد الجميل حاولت أستغل غيابه.
الحاج حسن قال بغضب
والاعتراف ده مش هيمسح اللي حصل.
رجب أومأ.
عارف.
ثم وضع الورقة أمام مريم.
عشان كده جاي أرجعلك حاجة تخص أبوكي.
مريم فتحت الورقة.
كانت إيصالًا قديمًا يثبت أن جزءًا كبيرًا من الدين الذي اشترى رجب حقوقه قد تم سداده بالفعل قبل سنوات.
وهنا فهمت مريم الحقيقة كاملة.
رجب لم يكن يملك الدين بالشكل الذي ادعاه.
وكان يعرف ذلك.
لكنه استغل خوف مريم وقلة خبرتها بالأوراق، وحاول أن يجعلها تستسلم.
المحامي أخذ الإيصال وقال
دي ورقة مهمة جدًا.
رجب وقف.
أنا مستعد أتحمل نتيجة اللي عملته.
مريم نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
أنا مش هنتقم منك.
رجب رفع عينيه.
بس كمان مش هسمحلك تاخد حق أبويا.
وبالفعل، انتهت القضية بإلغاء إجراءات الاستيلاء على الأرض، وإلزام رجب بتسوية المبالغ وفق المستندات الصحيحة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بشأن التزوير والمخالفات.
وبعد شهور، كانت أرض مريم قد تحولت تمامًا.
المشروع الزراعي كبر.
وال أفدنة القديمة عادت رسميًا تحت إدارتها.
أما الحاج حسن والحاجة فاطمة، فكانوا كلما زاروا مريم، يجلسون في نفس المكان الذي ناموا فيه أول ليلة.
وفي إحدى الزيارات، قالت مريم للحاجة فاطمة
فاكرة أول ليلة جيتوا فيها؟
ضحكت فاطمة
عمري ما أنساها.
مريم ابتسمت
وأنا كمان.
ثم نظرت إلى الأرض.
لو كنت أعرف وقتها إنكم هتغيروا حياتي بالشكل ده، كنت قسمت معاكم الأكل كله.
فاطمة ضحكت وقالت
وإنتِ كنتِ أصلًا هتعملي كده.
الحاج حسن قال
وده السبب اللي خلانا نثق فيكي.
مريم رفعت عينيها للسماء.
وتذكرت كلام أبوها
الأرض عمرها ما بتفلس.
وفهمت أخيرًا المعنى الحقيقي للجملة.
الأرض مش بس بتطلع محصول.
الأرض بتطلع رزق
والرزق الحقيقي أحيانًا بيكون في الناس اللي ربنا بيبعتهم لك في أصعب ليلة.
وفي ليلة ممطرة بعد سنة، وقفت مريم أمام باب بيتها.
سمعت ثلاث خبطات.
فتحت الباب.
كان قدامها شاب ومراته وطفل صغير، وعربيتهم تعطلت بسبب المطر.
مريم ابتسمت وقالت فورًا
اتفضلوا البيت بيتكم.
ثم دخلت وأغلقت الباب.
لأنها كانت عارفة إن الخير
متابعة القراءة