اجتمعت البلده كلها
اجتمعت البلدة كلها في المزرعة القديمة، لكن هذه المرة لم تكن إيميلي متهمة بالخيانة أو الغدر، ولم يكن هناك أي شخص ثالث بين الشخصيات.
منذ الصباح، تجمع أهل البلدة حول الحظيرة، بينما وقفت إيميلي في منتصف الساحة، تحاول أن تخفي خوفها.
أمامها كان يقف الثور الأسود الضخم الذي ربّاه توماس هيل، مالك المزرعة السابق.
كان الجميع يعتقد أن إيميلي ستدفع ثمن تحديها لفيكتور، الرجل الذي سيطر على المزرعة بالقوة والخوف.
لكن إيميلي لم تكن قد فعلت شيئًا سوى أنها اكتشفت الحقيقة.
قبل أيام، عثرت بالصدفة على صندوق قديم مخبأ داخل مكتب توماس.
كان بداخله دفتر حسابات، وصور، وأوراق ملكية تثبت أن فيكتور استولى على المزرعة بطريقة غير قانونية بعد وفاة توماس.
والأخطر من ذلك أنها وجدت رسالة كتبها توماس قبل وفاته بساعات.
كانت الرسالة تقول
إذا حدث لي شيء، فلا تثقوا في فيكتور. الحقيقة موجودة في المكان الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
عرفت إيميلي أن المقصود هو الحظيرة القديمة.
ولهذا قررت الذهاب إليها.
لكن فيكتور اكتشف أمرها.
والآن أراد إخافتها أمام أهل البلدة حتى تتراجع عن كشف الحقيقة.
فتح رجاله بوابة القفص.
واندفع الثور نحوها.
صرخ الجميع
إيميلي!
لكنها لم تهرب.
رفعت يدها وقالت بصوت ثابت
هدي يا صديقي أنا مش جاية أؤذيك.
توقف الثور فجأة.
حدق فيها لثوانٍ.
ثم اقترب منها ببطء.
وعندما أصبح أمامها، خفض رأسه.
ساد الصمت.
قال أحد الرجال
هو يعرفها؟
ابتسمت إيميلي بحزن.
أنا كنت بساعد توماس في تربيته قبل ما يموت.
ثم لمست رأس الثور وقالت
وهو كمان كان موجود ليلة وفاة توماس.
تغير وجه فيكتور.
قال بغضب
كفاية كلام!
لكن إيميلي أخرجت الرسالة من جيبها ورفعتها أمام الجميع.
دي رسالة توماس.
ثم قالت
وهو كتب فيها إن موته مش حادث.
بدأ أهل البلدة يقتربون.
وفي تلك اللحظة، تقدم عامل عجوز كان يعمل مع توماس منذ سنوات.
قال
أنا شفت فيكتور ورجاله ليلة موت توماس.
تجمد فيكتور.
وأضاف الرجل
وخفت أتكلم لكن النهارده مش هخاف.
ثم أشار إلى الحظيرة.
الدليل لسه موجود هناك.
توجهت الشرطة التي كانت قد وصلت إلى المكان نحو الحظيرة، وبعد دقائق وجدوا صندوقًا مخفيًا تحت ألواح خشبية.
كان بداخله مستندات أصلية تثبت ملكية توماس للمزرعة، بالإضافة إلى تسجيلات ووثائق تدين فيكتور.
لم يجد فيكتور أي مكان يهرب إليه.
تم القبض عليه أمام أهل البلدة.
أما إيميلي، فخرجت من الحظيرة وهي تمسك يد العامل العجوز، بينما وقف الثور خلفها بهدوء.
وبعد عدة أشهر، عادت المزرعة إلى أصحابها الشرعيين.
وأصبح الثور يعيش في الحظيرة نفسها، لكن لم يعد أحد يخاف منه.
أما إيميلي، فأصبحت بالنسبة لأهل البلدة رمزًا للشجاعة.
وفي اليوم الذي افتتحت فيه المزرعة من جديد، وقفت أمام صورة توماس وقالت
وعدتك إن الحقيقة هتظهر ووفيت بوعدي.
ثم وضعت يدها على رأس الثور.
وفي تلك اللحظة، أطلق الحيوان صوتًا هادئًا، وكأنه كان يودع الرجل الذي ربّاه للمرة الأخيرة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أهل البلدة يسمون المكان المزرعة القديمة.
بل أطلقوا عليه اسم
مزرعة توماس المكان الذي انتصرت فيه الحقيقة على الخوف لكن حكاية إيميلي لم تنتهِ بعد.
بعد مرور ثلاثة أشهر على القبض على فيكتور، بدأت المزرعة تستعيد حياتها من جديد.
أعاد أهل البلدة إصلاح الأسوار، ونظفوا الحظائر، وعادت الحيوانات إلى أماكنها.
أما إيميلي، فكانت تزور المزرعة كل صباح.
وكان أكثر شيء يلفت انتباهها أن الثور الأسود أصبح يتبعها في كل مكان.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تنظف المخزن القديم، سمعت صوتًا غريبًا خلف أحد الجدران.
توقفت.
وضعت أذنها على الحائط.
ثم سمعت صوت ارتطام خافت.
طرقت على الخشب.
فجاءها الصوت مرة أخرى.
استدعت العامل العجوز، وبدأ الاثنان يفحصان الجدار.
وبعد دقائق، اكتشفا بابًا صغيرًا مخفيًا خلف ألواح خشبية قديمة.
فتحاه بحذر.
كان خلفه ممر ضيق يؤدي إلى غرفة تحت الأرض.
دخلت إيميلي وهي تحمل مصباحًا.
كانت الغرفة مليئة بصناديق قديمة.
فتحت أحدها.
فوجدت صورًا لتوماس مع أشخاص من البلدة، ووثائق قديمة، ورسائل.
لكن صندوقًا آخر جعل قلبها يتوقف.
كان عليه اسم
إلى إيميلي إذا وصلتِ إلى هنا.
حدقت في الاسم طويلًا.
قال العامل العجوز
توماس كان عارف إنك هتلاقي المكان ده؟
فتحت إيميلي الصندوق بيدين مرتجفتين.
في داخله كان هناك ظرف ورسالة.
فتحتها وبدأت تقرأ
إيميلي، لو أنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى الحقيقة ظهرت لكن لسه فيه شيء أهم.
توقفت عن القراءة.
ثم أكملت
فيكتور لم يكن وحده عندما حاول الاستيلاء على المزرعة. هناك شخص آخر ساعدني في إخفاء المستندات، وأنا طلبت منه ألا يظهر إلا بعد القبض على فيكتور.
رفعت إيميلي رأسها بدهشة.
شخص آخر؟
وفجأة، سمعا صوت خطوات قادمة من الممر.
تراجع العامل العجوز.
وانطفأ المصباح للحظة.
ثم ظهر رجل عند مدخل الغرفة.
كان يحمل عصا خشبية، وملامحه هادئة.
قال
كنت مستني اليوم ده من سنين.
اقتربت إيميلي بحذر.
إنت مين؟
ابتسم الرجل وقال
اسمي سامويل وكنت أقرب أصدقاء توماس.
ثم أضاف
وعندي الدليل الأخير على كل اللي حصل.
أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا.
لكن قبل ما أديهولك لازم تعرفي إن فيكتور ما كانش هو السبب الوحيد في اللي حصل لتوماس.
نظرت إليه إيميلي بدهشة.
يعني إيه؟
أجاب
لأن اللي حصل من عشر سنين كان أكبر بكتير من مجرد سرقة مزرعة.
وفجأة، دوّى صوت ارتطام قوي من الخارج.
ثم بدأ الثور يضرب باب الحظيرة بحوافره بعنف.
ركضت إيميلي نحو الخارج.
وعندما وصلت، وجدت الثور واقفًا أمام باب المخزن، وكأنه يحاول منع شخص ما من الاقتراب.
نظرت إيميلي إلى سامويل.
فقال بهدوء
يبدو إن الثور لسه فاكر كل حاجة.
ثم فتح المفتاح في يده وقال
والحقيقة الحقيقية موجودة هنا أمسكت إيميلي بالمفتاح، لكن سامويل منعها من التحرك.
قال بهدوء
استني المفتاح ده مش بيفتح باب عادي.
نظرت إليه باستغراب.
أمال بيفتح إيه؟
أشار إلى الثور.
توماس خبّى الحقيقة في مكان محدش يقدر يوصل له بسهولة.
اقتربت إيميلي من الثور، ولاحظت شيئًا لم تنتبه له من قبل.
كان هناك لوح معدني صغير مثبت في سياج الحظيرة، عليه نفس الرمز الموجود على المفتاح.
أدخلت المفتاح.
صدر صوت طقطقة.
وانفتح جزء من الأرض.
ظهر أسفلها صندوق حديدي قديم.
ركع سامويل وفتحه.
كان بداخله دفتر صغير، وعدة تسجيلات، ومجموعة من الأوراق المختومة.
أمسكت إيميلي الدفتر وبدأت تقرأ.
كان توماس قد كتب كل شيء بالتفصيل.
لم يكن يريد الانتقام من فيكتور.
كان يريد فقط حماية عمال المزرعة وأهل البلدة من شبكة من الأشخاص الذين حاولوا السيطرة على الأراضي الزراعية بالقوة.
والدليل الأكبر كان في آخر صفحة.
اسماء وتوقيعات وأرقام عقود.
قال سامويل
توماس كان بيجمع الأدلة بهدوء. لكنه عرف إنهم اكتشفوا أمره، فقرر يخبي كل حاجة قبل ما يحصل له أي شيء.
سألت إيميلي
وإنت كنت عارف؟
هز سامويل رأسه.
كنت عارف جزء من الحقيقة، لكن توماس طلب مني ما أتكلمش إلا لما يكون عندي دليل كامل.
رفعت إيميلي آخر ورقة.
كانت تحتوي على اعتراف مكتوب بخط يد فيكتور نفسه.
اتضح أنه كان قد اعترف بتزوير بعض المستندات والاستيلاء على المزرعة.
لكن قبل أن تتمكن إيميلي من قراءة بقية الورقة، سمع الجميع أصوات سيارات الشرطة تقترب.
وصل الضابط المسؤول، وأخذ المستندات.
قال لإيميلي
كده القضية بقت واضحة تمامًا.
وبعد أسابيع، صدرت أحكام قضائية أعادت حقوق عائلة توماس وأوقفت كل من شارك في الاستيلاء على المزرعة.
أما إيميلي، فقررت ألا تترك المكان.
ساعدت العمال في إعادة بناء المزرعة، وخصصت جزءًا منها لتعليم أبناء أهل البلدة تربية الحيوانات والزراعة.
أما الثور الأسود، فأصبح يعيش في مساحة واسعة داخل المزرعة، وكان الجميع يطلقون عليه