صحيت من البينج
فلم يكونوا مثاليين.
لكنهم تعلموا.
وأنا تعلمت.
ومالك لم ينسَ.
وفي النهاية، لم يكن أهم شيء هو المال الذي امتلكه مالك، ولا البيت الذي استعدناه، ولا المؤسسة التي بنيناها.
أهم شيء كان ذلك الطفل الصغير الذي كان يجلس وحده في الكافتيريا...
والفتاة الصغيرة التي قررت يومًا أن تدفع ثمن وجبته من مرتبها.
لأن الخير الحقيقي لا ينتهي عندما تعطيه.
أحيانًا...
الخير يبدأ حياته الحقيقية بعد خمسين سنة. مرت عشر سنوات.
كنت بقيت خمسة وسبعين سنة، وشعري كله بقى أبيض، لكن بيت عايدة كان لسه مليان حياة.
الأطفال اللي دخلوا المكان وهم صغيرين، بعضهم كبر وبقى مهندس، وبعضهم بقى مدرس، وبعضهم رجع يشتغل معانا عشان يساعد أطفال غيره.
وفي يوم عيد ميلادي، دخلت الصالة الكبيرة، لقيت أولادي التلاتة واقفين جنب بعض.
أحمد كان ماسك ملف.
سارة ماسكة باقة ورد.
وكريم كان بيحاول يخبي ابتسامته.
قلت
إيه اللي مخبينه عليا؟
أحمد قال
المرة دي مش فلوس.
ضحكت.
طيب الحمد لله.
فتح الملف.
إحنا عملنا حاجة من غير ما نعرفك.
قلبي اتقبض.
عملتوا إيه؟
قال
فاكرة الأرض اللي جنب بيت عايدة؟
هزيت رأسي.
أيوه.
اشتريناها.
اتصدمت.
ليه؟
قالت سارة
عشان المركز كبر ومبقاش يكفينا.
وأضاف كريم
وبنينا عليها قسم جديد للأطفال اللي محتاجين علاج.
بصيت لهم.
دفعتوا منين؟
أحمد ابتسم.
من شغلنا.
ثم قال
ولا جنيه من فلوسك.
الكلمة دي كانت أهم من أي هدية.
قلت
أخيرًا فهمتوا.
ضحكوا.
في اللحظة دي دخل مالك.
كان عمره قرب من خمسة وستين، وشعره بقى أبيض تقريبًا.
وكان ماسك ظرفًا صغيرًا.
قال
عندي هدية أنا كمان.
قلت
مش هتقول لي إنك اشتريت مستشفى جديد؟
ضحك.
لأ.
فتح الظرف.
وجدت داخله صورة قديمة جدًا.
صورة لي وأنا صغيرة، واقفة أمام المدرسة.
لكن خلف الصورة كان مكتوب بخط يد قديم
عايدة، لو في يوم من الأيام شكيتِ إن الخير اللي عملتيه راح، افتكري إن في طفل واحد على الأقل عاش بسببه.
سألت
مين كتب الكلام ده؟
قال مالك
أنا.
نظرت إليه.
إمتى؟
يوم ما عرفت إنك عملتي العملية.
سكت لحظة.
كنت خايف ما ألحقش أقولك.
مسكت الصورة.
لكنك لحقت.
ابتسم.
الحمد لله.
ثم نظر لأولادي.
وقال
دلوقتي أنا مطمئن.
سألت
ليه؟
قال
لأنك مش لوحدك.
نظرت لأولادي.
كانوا واقفين جنبي.
لكن هذه المرة، لم يكن وجودهم مرتبطًا بالمال.
كانوا موجودين لأنهم اختاروا يكونوا موجودين.
بعد الحفل، خرجت إلى الحديقة.
جلست على الكرسي القديم الذي كنت أجلس عليه كل صباح.
جاء ولد صغير وقعد على الأرض أمامي.
قال
طنط عايدة؟
نعم يا حبيبي؟
هو ممكن أبقى زي الدكتور مالك؟
ابتسمت.
ممكن تبقى أحسن منه.
ضحك.
إزاي؟
قلت
لما تكبر، لو لقيت حد محتاج، ساعده.
وبعدين؟
وبعدين ما تستناش منه حاجة.
سكت يفكر.
ثم قال
طب لو محدش ساعدني؟
ابتسمت وقلت
هتلاقي حد.
نظر لي.
إنتِ متأكدة؟
قلت
متأكدة.
لأنني كنت أعرف معنى أن يكون طفل محتاجًا، ويظهر في حياته شخص واحد فقط يقول له
أنا شايفك.
في المساء، جلست مع أولادي ومالك حول المائدة.
سألني أحمد
ماما، لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي صحيتي فيه من العملية، كنتِ هتتمني يحصل إيه؟
فكرت طويلًا.
ثم قلت
كنت هتمنى أصحى وألاقيكم جنبي.
ساد الصمت.
أكملت
لكن لو كنت لقيتكم جنبي، يمكن ما كنتش قابلت مالك.
ابتسم مالك.
قلت
ويمكن ما كناش عملنا بيت عايدة.
نظرت إلى أولادي.
ويمكن أنتم ما كنتوش اتعلمتوا الدرس اللي اتعلمتوه.
أحمد مسك إيدي.
يعني مش زعلانة مننا؟
قلت
الزعل بيعدي.
ثم ابتسمت.
المهم إنكم اتغيرتوا.
اقتربت سارة وقالت
وإنتِ سامحتينا؟
قلت
من زمان.
كريم سأل
طب إيه الحاجة اللي نفسك فيها دلوقتي؟
نظرت إلى مالك.
ثم إلى أولادي.
ثم إلى البيت المليان أطفال.
وقلت
ولا حاجة.
استغربوا.
إزاي؟
ابتسمت.
لأول مرة في حياتي، عندي كل اللي محتاجاه.
وفي اليوم التالي، دخلت بيت عايدة كالعادة.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا عند المدخل.
الكارت الأصفر القديم لم يعد موجودًا.
ناديت الموظفة
فين الكارت؟
ابتسمت.
مالك أخده.
اتصلت به.
عملت إيه بالكارت؟
ضحك.
خليته في مكان أهم.
فين؟
قال
في أول فرع جديد للمؤسسة.
سألته
وإيه المكتوب تحته؟
سكت لحظة.
ثم قال
نفس الجملة.
إيه هي؟
قال
لا تستهين أبدًا بخير صغير... فقد يكون بداية حياة كاملة.
أغلقت الهاتف.
وبصيت للأطفال اللي داخلين المركز.
وقتها فهمت إن حكايتي لم تنتهِ يوم خرجت من المستشفى.
ولا انتهت يوم سامحت أولادي.
ولا حتى يوم قابلت مالك من جديد.
حكايتي الحقيقية بدأت يوم اكتشفت إن الإنسان ممكن يزرع خيرًا صغيرًا وهو لا يعرف أين سيصل.
وبعد عشرات السنين...
يرجع له الخير في صورة إنسان.
أو طفل.
أو فرصة.
أو عائلة تتعلم كيف تحبه من غير ما تستغلّه.
ومن يومها، كلما سألني أحد
إيه أعظم شيء حصل لك في حياتك؟
كنت أبتسم وأقول
إني في يوم من الأيام كنت قادرة أساعد طفل جعان... وما كنتش أعرف إن الطفل ده هيرجع بعد خمسين سنة عشان يساعد آلاف الأطفال.
وهكذا...
لم تكن نهاية الحكاية هي أن مالك رد الجميل.
كانت النهاية الحقيقية أن الجميل نفسه كبر، وانتقل من شخص إلى شخص، حتى أصبح حياة كاملة من الخير. مرت سنوات أخرى، وكبر بيت عايدة أكثر، حتى أصبح مكانًا يعرفه الجميع.
أما أنا، فكنت قد وصلت إلى الثمانين.
لم أعد أستطيع الحركة كما كنت، لكنني كنت أصر على زيارة المكان كل أسبوع.
وفي يوم، طلبت من أولادي الثلاثة أن يجتمعوا حولي.
قلت لهم
أنا عايزة أقول لكم حاجة قبل ما أمشي.
سكتوا، وظهرت الدموع في عيونهم.
قلت
أنا مش زعلانة منكم.
أحمد مسك إيدي.
إحنا اللي لازم نعتذر لك.
ابتسمت.
الاعتذار الحقيقي مش كلام. وإنتوا أثبتوا إنكم اتغيرتوا.
ثم أعطيتهم مفتاحًا صغيرًا.
ده مفتاح مكتب مالك.
فتح أحمد عينيه بدهشة.
مالك كان سايب لك حاجة؟
هززت رأسي.
كان سايب لنا أمانة.
فتحنا المكتب لأول مرة منذ وفاته.
وجدنا صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
داخله كان الكارت الأصفر القديم، وصورة لي وأنا في السادسة عشرة، ورسالة.
قرأها أحمد بصوت مرتجف
لو وصلتم للرسالة دي، يبقى عايدة كملت الطريق اللي بدأته من خمسين سنة.
ما تخلوش الخير يموت بعدنا.
كل طفل ساعدتوه، اعتبروه امتدادًا لأول وجبة أعطتها عايدة لطفل صغير.
وفي النهاية كتب
أجمل شيء ممكن يتركه الإنسان بعد رحيله، مش ثروة... لكن أثر يعيش في حياة الآخرين.
بكيت.
ليس حزنًا.
كان فخرًا.
بعد أيام، قرر أولادي أن يوسعوا المؤسسة باسم مالك وعايدة معًا.
وأصبح هناك مركز طبي ومدرسة ومطعم مجاني للأطفال.
وفي يوم الافتتاح، وقف أحمد أمام الناس وقال
أمي علمتني إن الفلوس ممكن تشتري أشياء كثيرة، لكن ما تقدرش تشتري قلب طفل فقد الأمل.
ثم نظر إلى سارة وكريم.
وإحنا الثلاثة وعدناها إن الخير ده عمره ما ينتهي.
صفق الناس.
أما أنا، فجلست في الصف الأول، وبجانبي صورة مالك.
نظرت إلى صورته وقلت بصوت منخفض
عملناها يا مالك.
ثم نظرت للكارت الأصفر.
الكارت اللي كان ثمنه تلاتة دولار... بقى سبب في تغيير حياة آلاف الأطفال.
بعد الحفل، اقترب مني طفل صغير وسألني
طنط عايدة، هو مين الراجل اللي في الصورة؟
ابتسمت.
قلت
ده كان طفل صغير جدًا، وفي يوم كان جعان.
وإنتِ أكلتيه؟
ضحكت.
أيوه.
وبعدها؟
نظرت إلى صورة مالك.
كبر... وما نسيش.
الطفل ابتسم وقال
لما أكبر أنا كمان هساعد الناس.
مسحت على رأسه وقلت
وأنا متأكدة إنك هتعمل كده.
رجعت إلى بيتي في آخر اليوم.
وضعت الكارت الأصفر بجانب سريري.
وأغمضت عيني وأنا مطمئنة.
لأنني عرفت أخيرًا أن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا وهو يظن أن أفعاله الصغيرة لا قيمة لها...
ثم يكتشف في النهاية أنها كانت أكبر شيء تركه خلفه.
لم تكن عايدة بحاجة إلى ثروة حتى تشعر أنها نجحت.
ولم يكن مالك بحاجة إلى أن يرد لها ثمن وجبة.
كل واحد منهما أعطى الآخر شيئًا أكبر
هي أعطته بداية.
وهو أعطاها فرصة تجعل تلك البداية تستمر.
وهكذا...
انتهت حكاية عايدة ومالك.
لكن الخير الذي بدأ بتذكرة غداء صغيرة...
فضل عايش حتى بعد ما انتهت الحكاية.