يوم طلاقى

لمحة نيوز

في الاجتماعات، وكل مرة كنت أكتشف إنها مش بس نجحت ماديًا.
كانت بتساعد موظفين جدد، وتدرب ناس أصغر منها، وخصصت جزءًا من أرباحها لمساعدة سيدات فقدن مصدر دخلهن.
وفي أحد الاجتماعات، سألتها
ليه بتعملي كل ده؟
قالت
عشان عارفة إحساس إن الإنسان يبقى محتاج فرصة.
سكت.
لأنني كنت أعرف أنني في يوم من الأيام كنت أكثر شخص منع عنها الفرصة.
بعد انتهاء المشروع، حصلت شركتها على عقد أكبر.
وفي الحفل، وقف مدير الشركة وقال أمام الجميع
نجاح المشروع ده كان بسبب صاحبة الفكرة والإصرار.
ثم نادى اسمها.
القاعة كلها صقفت.
وأنا كنت واقف في آخر الصف.
صفقت لها من قلبي.
ولما انتهى الحفل، مرّت من جانبي.
قالت
شكرًا إنك احترمت حدود الشغل.
قلت لها
أنا اللي بشكرك.
استغربت وقالت
على إيه؟
قلت
لأنك علمتيني إن احترام الإنسان مش بيبدأ لما نخسره... المفروض يبدأ وهو لسه موجود.
ابتسمت.
ثم قالت
اتعلمت الدرس أخيرًا.
رديت
متأخر... بس اتعلمته.
مشيت وتركتني واقفًا.
لكن المرة دي، ما حسيتش بالغضب.
حسيت براحة.
لأني لأول مرة تمنيت لها الخير من غير ما أتمنى إنها ترجع لي.
وعرفت إن ده كان آخر اختبار ليا.
فالحب الحقيقي مش إنك تمتلك شخصًا...
الحب الحقيقي إنك تتمنى له حياة سعيدة، حتى لو لم تكن أنت جزءًا منها بعد الحفل، عدت إلى بيتي وأنا أشعر أن شيئًا بداخلي تغيّر فعلًا.
لأول مرة منذ سنوات، لم أفتح هاتفى لأبحث عن أخبارها، ولم أسأل أحدًا عنها، ولم أحاول أن أعرف أين ذهبت وماذا تفعل.
بدأت أركز في حياتي.
وبعد فترة، قررت أن أبيع الشقة التي كنت أعيش فيها، وأنتقل إلى مكان أصغر. لم أعد محتاجًا إلى ذلك البيت الكبير الذي كنت أستخدمه يومًا كوسيلة لاستعراض حياتي أمامها.
وأثناء نقل أغراضي، وجدت صندوقًا قديمًا في آخر الدولاب.
فتحته، فوجدت صورًا من أيام زواجنا.
قعدت على الأرض وبدأت أقلب الصور واحدة وراء الثانية.
في كل صورة كانت تبتسم.
وأنا كنت فاكر وقتها إن ابتسامتها شيء مضمون.
لكنني اكتشفت أنني كنت أملك إنسانة تحبني بصدق، ومع ذلك اخترت أن أجعل حياتها مليئة بالخوف.
قفلت الصندوق وقلت لنفسي
كفاية.
وفي اليوم التالي، اتصلت بها.
ترددت قبل ما أتكلم.
قلت
أنا مش بتصل عشان أطلب منك ترجعي.
سكتت.
كملت
أنا بس عايز أعتذر.
قالت بهدوء
اتفضل.
قلت
أنا ظلمتك، وقللت منك، وحاولت أخلي حياتك صعبة بعد الطلاق. كنت فاكر إن كسر الإنسان قوة.
فضلت ساكتة.
قلت
دلوقتي عرفت إن القوة إنك تقدر تسيب المظلوم يعيش بسلام.
قالت
أنا قبلت اعتذارك.
اتنهدت براحة.
لكنها أكملت
بس قبول الاعتذار مش معناه إن الماضي هيرجع.
قلت
فاهم.
ثم قالت
أتمنى فعلًا تكون اتغيرت.
رديت
أنا كمان.
وانتهت المكالمة.
مرت أسابيع.
وفي يوم، كنت في طريقي للشغل، لقيت حادثة صغيرة حصلت في الشارع.
وقفت العربية ونزلت أشوف لو حد محتاج مساعدة.
وفجأة سمعت صوتًا أعرفه.
كانت هي.
لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
كانت واقفة بجانب شابة صغيرة تبكي، وتحاول تهدئتها.
سألتها
في إيه؟
قالت
العربية خبطت موتوسيكل البنت، وهي خايفة.
اتصلت بالإسعاف، وساعدنا البنت لحد ما وصلت المساعدة.
وأثناء وقوفنا، قالت لي
غريبة الدنيا.
سألتها
ليه؟
قالت
زمان كنت فاكرة إن الناس اللي بتقف جنب بعض لازم يكون بينهم مصلحة.
ابتسمت وقالت
دلوقتي عرفت إن أحيانًا الإنسان بيقف جنب غيره لمجرد إنه إنسان.
الكلام أثر فيّ.
قلت لها
أنا اتعلمت ده متأخر.
ردت
المهم إنك اتعلمته.
ثم ابتسمت ومشت.
راقبتها وهي تبتعد.
لكن المرة دي ما تمنيتش أوقفها.
كنت سعيدًا لأنها أصبحت قادرة على المشي في طريقها بثقة.
وبعد سنوات، سمعت أنها أسست مؤسسة صغيرة تساعد السيدات اللي فقدوا مصدر دخلهم، وتوفر لهم تدريبًا وفرص عمل.
ذهبت يومًا إلى المكان من بعيد.
لم أدخل.
وقفت أمام الباب فقط.
شفت مجموعة من السيدات بيضحكوا، وهي واقفة وسطهم.
وقتها فهمت الحقيقة التي كنت أرفض الاعتراف بها
أنا كنت أظن أنني عندما طلقتها، أخذت منها حياتها.
لكنها في الحقيقة...
بدأت حياتها يوم خرجت من حياتي.
أما أنا، فلم تبدأ حياتي الحقيقية إلا يوم توقفت عن محاولة التحكم في حياتها.
ومن يومها، لم أعد أقول إنني خسرتها.
كنت أقول لنفسي
أنا خسرت إنسانة عظيمة بسبب أخطائي... لكن على الأقل، تعلمت ألا أكررها مع أي إنسان آخر.
وكان ذلك هو العقاب الحقيقي...
أن تعيش باقي عمرك وأنت تعرف أن الشخص الذي حاولت كسره، أصبح أقوى بكثير من أن يحتاج إليك مرت سنتان كاملتان.
خلال السنتين دول، اتغيرت حياتي بشكل ماكنتش أتخيله.
بدأت أراجع نفسي، وأصلح أخطائي، وبقيت أتعامل مع الناس باحترام بدل ما أستخدم قوتي أو فلوسي عشان أضغط عليهم.
لكن رغم كل التغيير، كان في سؤال واحد بيفضل جوايا
هل أنا فعلًا اتغيرت؟
ولا أنا بس ندمت عشان خسرت إنسانة كانت بتحبني؟
وفي يوم، جالي جواب السؤال.
كنت خارج من الشركة، لقيت اتصال من رقم مجهول.
رديت.
صوت راجل كبير قال
إنت فلان؟
قلت
أيوه.
قال
أنا والد طليقتك.
اتوترت.
سألته
خير؟
قال
هي في المستشفى.
الدنيا وقفت بيا.
سألته بسرعة
مالها؟
قال
تعبت من الإرهاق، والدكتور قال إنها محتاجة راحة.
قفلت المكالمة، وفضلت واقف مكاني ثواني.
أول رد فعل جه في بالي إني أروح لها.
لكنني توقفت.
افتكرت كلامها عن الحدود.
فقلت لنفسي
لو محتاجة وجودي، هتطلبه.
لكن بعد دقائق، اتصل بي والدها مرة ثانية.
قال
هي سألت عليك.
سألته
قالت إيه؟
قال
قالت عايزة تشوفك.
روحت المستشفى.
دخلت غرفتها، فوجدتها جالسة على السرير، وملامحها متعبة، لكنها كانت هادئة.
أول ما شافتني قالت
كنت عارفة إنك هتيجي.
قلت
أنا جيت عشان إنتِ طلبتي.
ابتسمت.
ثم قالت
أنا مش عايزة منك حاجة.
قلت
عارف.
سكتنا للحظات.
ثم قالت
بس كنت محتاجة أشوف إذا كنت فعلًا اتغيرت.
سألتها
ولقيتي إيه؟
قالت
لقيت راجل مختلف.
نزلت عيني للأرض.
قالت
زمان لو كنت تعبانة، كنت هتستغل تعبي عشان تحسسني إني محتاجة لك.
ثم ابتسمت
لكن دلوقتي دخلت وقعدت بعيد ومستني إني أنا اللي أتكلم.
ضحكت بحزن وقلت
أنا اتعلمت.
قالت
واضح.
بعد أيام خرجت من المستشفى.
وأنا كنت متوقع إن الموضوع انتهى عند كده.
لكن بعد أسبوع، اتصلت بي وقالت
عايزاك في حاجة.
روحت لها.
فتحت لي باب مكتبها، وعلى المكتب كان فيه ملف.
قالت
فاكر أول مشروع عملناه سوا؟
قلت
فاكر.
قالت
أنا عندي مشروع جديد، وعايزة أعمله معاك.
استغربت.
سألتها
ليه أنا؟
قالت
لأنك بقيت شخص مختلف، ولأني شفت إنك لما قررت تتغير، ما كنتش مستني تصفيق من حد.
سكت.
ثم قالت
بس فيه شرط.
قلت
إيه؟
قالت
الشغل شغل، وحياتنا الخاصة تفضل منفصلة.
ابتسمت وقلت
موافق.
بدأنا المشروع.
ومع مرور الوقت، حصل شيء لم أتوقعه.
بقينا نتكلم.
مش عن الماضي.
عن الحياة.
عن الشغل.
عن أحلامنا.
عن الأشياء اللي كل واحد فينا كان نفسه يعملها.
وفي يوم، كنا قاعدين بعد اجتماع طويل، فقالت فجأة
تعرف إيه أغرب حاجة حصلت؟
قلت
إيه؟
قالت
أنا زمان كنت فاكرة إن أكبر انتصار ليا إني أنجح من غيرك.
ابتسمت.
قالت
لكن اكتشفت إن أكبر انتصار هو إني أنجح من غير ما أكرهك.
سكت طويلًا.
ثم قلت
وأنا اكتشفت إن أكبر خسارة مش الطلاق.
سألتني
أمال إيه؟
قلت
إني احتجت أخسرك عشان أعرف قيمتك.
نظرت لي طويلًا.
ولأول مرة منذ سنوات، لم تكن نظرتها مليئة بالمسافة.
قالت
يمكن بعض الناس لازم تبعد عن بعض فترة، عشان يعرفوا إذا كانوا فعلًا اتغيروا.
قلبي دق بسرعة.
لكنني لم أضغط عليها.
قلت فقط
أنا مش هطلب منك أي حاجة.
ابتسمت وقالت
وعشان كده بالذات... يمكن لأول مرة أقدر أفكر في إننا نتكلم من جديد.
خرجت من عندها وأنا مش مصدق.
لكنني هذه المرة لم أعتبر كلامها وعدًا بالرجوع.
اعتبرته فرصة.
والفرق بين الاثنين كبير.
لأن الرجل الذي كان يريد امتلاكها والسيطرة عليها، لم يعد موجودًا.
والمرأة التي كانت تخاف أن تعيش بدونه، لم تعد موجودة هي الأخرى.
ولو كان فيه بداية جديدة...
فلازم تبدأ بين شخصين اتغيروا فعلًا، مش بين زوجين يحاولوا يرجعوا للماضي مرّت أسابيع، وبدأت علاقتنا ترجع بشكل مختلف تمامًا.
مفيش وعود، ومفيش استعجال، ومفيش كلام عن الماضي إلا لما يكون ضروري.
كنت كل مرة أشوفها أفتكر الرجل القديم اللي كنت عليه، وأقول لنفسي
إوعى ترجع للشخص ده تاني.
وفي يوم، كنا خارجين من اجتماع، وفجأة قالت لي
ممكن أسألك سؤال؟
قلت
طبعًا.
قالت
لو رجع بيك الزمن
تم نسخ الرابط