يوم طلاقى
يوم طلاقي كنت مبسوط بشكل غريب، على عكس مراتي اللي كانت واقفة قدامي ودموعها في عينيها. كنت فاكر إني كده انتصرت عليها، وإن بعد الطلاق محدش هيقدر يساعدها أو يقف جنبها.
لكن الحقيقة إني كنت ظالمها من سنين.
كنت قاسي معاها، وبعاملها كأن وجودها في حياتي مجرد واجب. وكل ما كانت تطلب مني أعيش معاها حياة طبيعية، كنت أتهرب وأقول لها
إنتِ ليكي عندي الأكل والشرب والبيت، لكن متطلبيش أكتر من كده.
رفضت أخلف منها، مش عشان سبب حقيقي، لكن عشان كنت عايز أفضل متحكم في حياتها، وأضمن إنها تفضل محتاجة ليّ.
وفي يوم الطلاق، بدل ما أسيبها تبدأ حياتها من جديد، اتصلت بسمسار وقلت له يدور لها على أوضة بسيطة فوق سطح عمارة قريبة مني.
كنت عايزها قدام عيني.
كنت متخيل إنها لما تشوفني عايش مرتاح، هتندم وتيجي تترجاني أرجعها.
وفعلًا سكنت في الأوضة الصغيرة.
كنت كل يوم أقف في البلكونة وأبص ناحيتها، وأراقبها وهي بتنزل بدري تروح شغلها البسيط. كانت بتتعب طول اليوم، وترجع آخر الليل وهي شايلة حاجات قليلة في إيديها.
لكن الغريب إنها عمرها ما حاولت تكلمني.
ولا مرة وقفت تحت بيتي.
ولا مرة بصت لبلكونتي.
ولا حتى لما كانت بتقابلني صدفة، كانت بتخفض عينيها أو تطلب مني أرجع لها.
كانت بتعدي من جنبي وكأني شخص غريب.
النظرة دي كانت بتستفزني جدًا.
في يوم قلت لها وأنا بقابلها عند مدخل العمارة
إنتِ مش ناوية ترجعي؟
وقفت وبصت لي بهدوء وقالت
أرجع ليه؟
ضحكت بسخرية وقلت
عشان حياتك بقت صعبة.
ردت من غير ما تتردد
الحياة الصعبة أهون عندي من الحياة اللي كنت عايشاها معاك.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني طول الليل.
لكن بدل ما أراجع نفسي، زاد عنادي.
حاولت أضايقها وأخليها تحس إنها محتاجاني، لكن كل محاولة كانت بتفشل.
وفي ليلة شديدة البرودة، قررت أعمل أسوأ حاجة.
اتصلت بالسمسار وطلبت منه يخرجها من الأوضة بحجة إن المالك محتاج المكان.
كنت فاكر إن أول ما تلاقي نفسها من غير مأوى، هتجري على بابي.
وفعلًا، بعد ساعات، شفتها خارجة من العمارة وهي شايلة شنطة صغيرة.
وقفت بعيد أراقبها وأنا مستني اللحظة اللي هتيجي فيها ناحيتي.
لكنها لم تأتِ.
اتصلت بشخص تعرفه من شغلها، وبعد وقت قصير وصلت عربية صغيرة.
حطت شنطتها فيها، وركبت بهدوء.
وقبل ما العربية تتحرك، رفعت عينيها ناحية البلكونة.
لأول مرة شافتني واقف هناك.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
متقلقش... المرة دي أنا مش محتاجة منك حاجة.
ثم تحركت العربية واختفت من أمام عيني.
وقتها لأول مرة حسيت بالخوف.
لأني اكتشفت إن الإنسان اللي كنت فاكره ضعيف ومكسور، كان في الحقيقة بيستعد يبدأ حياته من غيري.
وبعد أيام، عرفت إنها استأجرت شقة صغيرة بمساعدة زملائها في العمل، وبدأت توفر من مرتبها عشان تكمل تعليمها اللي كانت تركته بسببي.
وبعد شهور، اتغيرت حياتها تمامًا.
أما أنا...
فبدأت أفهم متأخر جدًا إن الطلاق ماكانش هو اللي كسرها.
اللي كسرني أنا، كان اكتشافي إنسانة ظلمتها سنين، ومع ذلك قدرت تقف على رجليها من غير ما تحتاج لي.
وفي يوم قابلتها صدفة.
وقفت قدامي وقالت
أنا مسامحاك... بس عمري ما هرجعلك.
سألتها بصوت ضعيف
ليه؟
ابتسمت وقالت
لأني أخيرًا عرفت قيمتي.
ومشيت.
فضلت واقف مكاني، ولأول مرة فهمت إن أقسى عقاب للإنسان مش إن الناس تكرهه...
لكن إنه يخسر شخصًا كان يحبه بصدق، ثم يكتشف أن هذا الشخص أصبح سعيدًا بدونه مرت شهور بعد آخر مرة شفت فيها مراتي السابقة، وأنا كنت فاكر إن الموضوع انتهى.
لكن الحقيقة إن اللي انتهى كان جزء من حياتي أنا.
بدأت أسمع عنها من ناس مشتركة بينا. قالوا لي إنها اشتغلت أكتر، وطورت نفسها، وبدأت مشروع صغير من البيت. في البداية ضحكت وقلت لنفسي
أكيد بيبالغوا.
لكن مع الوقت، الأخبار كانت بتتكرر.
لحد ما في يوم دخلت المكتب، لقيت واحد من زمايلي بيقولي
إنت عارف إن الشركة اللي اتعاملنا معاها الأسبوع اللي فات صاحبتها اسمها إيه؟
سألته
مين؟
قال
مراتك السابقة.
اتجمدت مكاني.
في نفس اليوم كان عندنا اجتماع مهم مع صاحبة الشركة.
دخلت القاعة وأنا مش مستوعب، ولقيتها واقفة قدام مجموعة من الموظفين، لابسة لبس بسيط وأنيق، وبتتكلم بثقة.
أول ما شافتني سكتت لحظة.
لكنها ما اتوترتش.
قالت بهدوء
أهلاً.
رديت
إنتِ... إنتِ بقيتي صاحبة الشركة دي؟
ابتسمت وقالت
بدأتها بمبلغ صغير جدًا، وكبرت واحدة واحدة.
فضلت ساكت.
كنت فاكر إني لما طلقتها حكمت عليها بالفقر.
لكنها كانت بتبني حياتها من الصفر.
والأغرب إنها ما حاولتش تنتقم مني.
ولا مرة قالت كلمة تسيء ليا.
ولا حتى لما عرفت إنني كنت أتعمد أضايقها بعد الطلاق.
بعد الاجتماع، استنيتها عند باب الشركة.
قلت لها
ممكن نتكلم؟
قالت
اتفضل.
قلت
أنا غلطت في حقك.
سكتت.
كملت
مش غلط واحد... أنا ظلمتك سنين.
قالت بهدوء
أنا عارفة.
الكلمة وجعتني.
سألتها
طب ليه مسامحتيني؟
ردت
عشان أنا مش عايزة أفضل شايلة حياتك على كتفي. أنا اخترت أعيش لنفسي.
ثم مدت لي ملفًا وقالت
وده آخر تعامل بينا كشغل. من النهارده كل واحد في طريقه.
بصيت للملف، وبعدين بصيت لها.
وقلت
يعني مفيش أي فرصة؟
ردت
الفرصة اللي كانت بينا ماتضاعتش يوم الطلاق.
ثم سكتت لحظة وقالت
إنت اللي ضيعتها كل يوم كنت بتختار فيه القسوة بدل الرحمة.
ومشيت.
رجعت البيت في الليلة دي، وقعدت لوحدي لأول مرة من سنين.
بصيت للبلكونة اللي كنت أقف فيها وأستمتع بإذلالها.
وافتكرت كل مرة كنت أتعمد أضايقها.
وفهمت إنني لم أكن قويًا وقتها.
كنت فقط خائفًا من إنسانة تعرف حقيقتي.
وفي اليوم التالي، اتصلت بالسمسار القديم وسألته عن الأوضة فوق السطح.
قال لي
هي سابت المكان من زمان.
سألته
وبتسأل ليه؟
رد
الغريب إن بعدها بكام شهر، المالك قرر يصلح العمارة كلها. المكان اللي كانت عايشة فيه بقى مكتب صغير.
ضحكت بحزن.
حتى المكان الذي ظننت أنه سيكون رمزًا لانكسارها، أصبح جزءًا من بداية جديدة لها.
ومن يومها، بطلت أراقب حياتها.
وبدأت أراقب نفسي.
وكان أصعب شيء اكتشفته...
إن الإنسان ممكن يخسر شخصًا محترمًا، مش لأنه لم يكن يحبه، ولكن لأنه لم يعرف قيمة الحب إلا بعد فوات الأوان بعد مرور سنة تقريبًا، كنت فاكر إن كل واحد فينا خلاص أخد طريقه.
أنا بقيت أعيش بهدوء، لكن الهدوء ده كان مختلف عن زمان. بقيت أرجع البيت وألاقيه واسع وفاضي، وأفتكر قد إيه كنت بعتبر وجودها شيء مضمون.
وفي يوم، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، فسمعت صوتها.
قالت
ممكن نتقابل؟
قلبي دق بسرعة.
سألتها
في حاجة حصلت؟
قالت
لا... بس محتاجة أتكلم معاك في موضوع.
اتفقنا نتقابل في مكان عام.
وصلت قبلها بوقت طويل، وقعدت مستني وأنا مش عارف هي عايزة إيه.
ولما دخلت، لقيتها مختلفة تمامًا.
مش بس في شكلها.
كان في ثقة في عينيها ماكنتش موجودة قبل كده.
قعدت قدامي وقالت
أنا مش جاية أرجع.
الجملة دي نزلت عليّ زي الصدمة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
أنا جاية عشان أقولك حاجة مهمة.
سكت.
قالت
بعد الطلاق، كنت فاكرة إني مش هقدر أعيش لوحدي. كنت خايفة من كل حاجة. لكن مع الوقت اكتشفت إني كنت أقوى مما كنت متخيلة.
بصيت للأرض.
قالت
وأنت كنت فاكر إنك لما تخليني محتاجة لك، هتفضل أهم شخص في حياتي.
رفعت عيني لها.
قالت
لكن اللي حصل إنك علمتني من غير ما تقصد إزاي أعتمد على نفسي.
سألتها
طب ليه قابلتيني النهارده؟
طلعت ورقة من شنطتها وحطتها قدامي.
قالت
دي شراكة جديدة.
بصيت للورقة.
كانت شركتها بتجهز لمشروع كبير، والشركة اللي أنا بشتغل فيها كانت واحدة من الجهات المرشحة للتعاون معها.
قالت
أنا عايزة التعامل بينا يبقى رسمي ومحترم. لا أكتر ولا أقل.
ضحكت بحزن وقلت
يعني حتى الشغل بقي له حدود.
ردت
الحدود مش عقاب. الحدود احترام.
الكلمة دي علمتني حاجة جديدة.
بعد أسبوع بدأ المشروع.
كنت أشوفها