حاول زوجى
ونبدأ من تجربة آدم وحمزة.
نظر آدم إلى أمه.
موافقة؟
ابتسمت.
موافقة.
وفي اليوم التالي، بدأت الفكرة تتحول إلى مشروع جديد.
ومرة أخرى، كانت الأسرة التي كادت أن تنقسم في قاعة المحكمة تبني شيئًا يجمع الناس بدلًا من أن يفرقهم.
أما ليان، فكانت كلما دخلت المركز، تتذكر المرأة التي كانت تجلس منذ سنوات وهي تخفي ارتجاف يديها.
وتقول لنفسها
أنا لم أعد تلك المرأة.
ثم تنظر إلى آدم وحمزة وتبتسم.
لأنها عرفت أن بعض المعارك لا تنتهي عندما يعلن القاضي الحكم.
بل تنتهي عندما يتوقف القلب عن الخوف.
وهذا اليوم كان قد جاء أخيرًا مرّ عام كامل على افتتاح المركز، وأصبح المكان معروفًا بين الأسر التي تمر بظروف صعبة.
كان آدم مسؤولًا عن البرامج التعليمية، وحمزة يهتم بالأطفال ويتابع أنشطتهم، بينما كانت ليان تشرف على الإدارة، ويساعدهم فراس في الأمور المالية والتنظيمية.
وفي صباح أحد الأيام، وصلت إلى المركز أسرة جديدة.
كانت أمًا ومعها طفل صغير اسمه يونس.
جلس يونس في آخر الغرفة، ولم يتحدث مع أحد.
اقترب منه آدم وجلس بجواره.
قال له
اسمك إيه؟
رد الطفل بصوت منخفض
يونس.
بتحب الرسم؟
هز رأسه.
أعطاه آدم ورقة وألوانًا.
بعد دقائق، بدأ يونس يرسم بيتًا.
كان للبيت بابان.
نظر آدم إلى الرسم وسأله
ليه بابين؟
قال يونس
عشان بابا وماما مش عايشين مع بعض.
توقف آدم للحظة.
ثم قال
وده مش معناه إن البيت ناقص.
رفع يونس عينيه.
لأ؟
قال آدم
لأ. البيت ممكن يتغير شكله، لكن المهم إنك تفضل عارف إنك محبوب.
كان حمزة يقف بعيدًا ويسمع الكلام.
ابتسم.
لأنه تذكر نفسه وهو طفل.
في المساء، حكى آدم لأمه ما حدث.
قالت ليان
إنت بقيت بتقول نفس الكلام اللي كنت محتاج تسمعه وإنت صغير.
أجاب
يمكن عشان عارف الإحساس.
في اليوم التالي، حدث شيء غير متوقع.
جاء فراس إلى المركز ومعه رجل مسن.
قال
ده عمي محمود.
رحبت به ليان.
جلس الرجل وقال
أنا كنت شاهد على بداية مشروع فراس من سنين طويلة.
ثم أخرج حقيبة قديمة.
فيها أوراق وذكريات من أول يوم بدأ فيه المشروع.
فتحت ليان الحقيبة، فوجدت صورًا قديمة وإيصالات ومستندات.
كان بينها دفتر صغير كتبت فيه ليان بخط يدها حسابات الأموال التي أعطتها لفراس في بداية مشروعه.
توقفت.
كانت قد نسيت هذا الدفتر تمامًا.
قال فراس
أنا محتفظ بيه من سنين.
نظرت إليه.
ليه؟
قال
عشان ما أنساش أبدًا إن أول خطوة في حياتي العملية بدأت بوقوفك جنبي.
ثم أضاف
وأنا عايز أستخدم جزء من أرباح المشروع القديم عشان نمول المركز بشكل دائم.
صمتت ليان.
لم تكن تتوقع هذا.
قالت
ده مش مجرد تبرع.
ابتسم فراس
عارف.
ده تصحيح لحاجة قديمة.
بالضبط.
في تلك اللحظة دخل آدم وحمزة.
سأل آدم
في إيه؟
قال فراس
أبوكم وأمكم قرروا حاجة جديدة.
نظر إليه حمزة
إيه؟
قال
هنخصص صندوق للمركز يساعد الأطفال اللي أسرهم مش قادرة تتحمل تكاليف التعليم والاستشارات.
فرح الطفلان.
وبعد أسابيع، بدأ الصندوق عمله.
أصبح عشرات الأطفال يحصلون على الدعم.
لكن ليان لم تكن تعرف أن أصعب اختبار سيأتي من مكان قريب جدًا.
في إحدى الليالي، اتصل بها آدم.
كان صوته مختلفًا.
قال
ماما، ممكن تيجي المركز؟
ذهبت بسرعة.
وجدت آدم وحمزة جالسين أمام أحد الملفات.
قال آدم
في مشكلة.
إيه؟
قال حمزة
حد استخدم اسم المركز في جمع تبرعات من الناس، من غير إذننا.
فتحت ليان الملف.
كانت هناك منشورات ورسائل تطلب أموالًا باسم المركز.
شعرت بالغضب.
لكن آدم قال
إحنا لازم نتصرف بهدوء.
نظرت إليه.
ثم ابتسمت.
بقيت أنت اللي بتقول لي أهدى؟
ضحك.
اتعلمت منك.
بدأوا يجمعون الأدلة، وأبلغوا الجهات المختصة، وتم التعامل مع الأمر رسميًا.
وبعد فترة، ظهرت الحقيقة، وتم إيقاف الشخص المسؤول.
عاد المركز للعمل من جديد.
وفي أول اجتماع بعد انتهاء الأزمة، قال فراس
أنا فخور بيكم.
قال حمزة
ليه؟
لأنكم لما اتعرضتم لمشكلة، ما استخدمتوش الغضب. استخدمتوا العقل.
نظرت ليان إلى أولادها.
كانت تتذكر نفسها في المحكمة وهي تحاول أن تثبت أنها ليست أمًا سيئة.
أما الآن، فكانت ترى أمامها شابين قادرين على حل أصعب المشاكل بهدوء.
وفي نهاية اليوم، جلست وحدها في مكتبها.
فتحت الدفتر القديم الذي وجدوه في الحقيبة.
نظرت إلى الأرقام المكتوبة بخط يدها منذ سنوات.
ثم أغلقت الدفتر.
لم تعد تلك الأموال بالنسبة إليها مجرد أرقام.
كانت بداية طريق طويل.
طريق بدأ بزواج، ثم انتهى بانفصال، ثم تحول إلى تعاون، ثم أصبح سببًا في مساعدة أطفال آخرين.
وقبل أن تغادر، دخل آدم.
قال
ماما؟
نعم؟
فاكرة يوم المحكمة؟
ابتسمت.
أيوه.
قال
أنا كنت فاكر إن اليوم ده كان أسوأ يوم في حياتنا.
ثم نظر حوله إلى المركز.
دلوقتي شايف إنه كان بداية كل حاجة حلوة حصلت بعده.
اقتربت منه.
وقالت
يمكن أصعب الأيام مش دايمًا بتكون نهايتنا.
ابتسم آدم
أحيانًا بتكون أول الطريق.
خرج من الغرفة.
جلست ليان للحظة، ثم نظرت إلى صورة معلقة على الحائط.
كانت صورة آدم وحمزة وهما طفلان، يمسكان بيديها.
وتحت الصورة كتبت جملة واحدة
لم أخسر زواجي فقد انتهى عندما لم يعد قادرًا على الاستمرار. لكنني ربحت أبناءً عرفوا أن الحب أكبر من الخلاف.
وأغلقت الأنوار.
كان المركز هادئًا.
لكن في اليوم التالي، كانت هناك حكايات جديدة تنتظر أن تبدأ بعد سنوات، ظنت ليان أن أبواب المحكمة أصبحت جزءًا من الماضي.
لكن في صباح أحد الأيام، وصلها اتصال جعلها تتوقف للحظات.
كان آدم هو المتحدث.
ماما، محتاجينك تيجي المركز بسرعة.
شعرت بالقلق.
حصل إيه؟
في أم جت النهارده ومعاها بنت صغيرة، والموضوع شبه اللي حصل معانا زمان.
وصلت ليان إلى المركز.
وجدت فتاة صغيرة تجلس في ركن الغرفة، وتضم حقيبتها إلى صدرها.
كان اسمها مريم.
والدها ووالدتها يمران بانفصال صعب، وكل طرف يحاول إثبات أن الآخر غير صالح لرعايتها.
اقتربت ليان منها وجلست بجوارها.
قالت
إنتِ خايفة؟
هزت مريم رأسها.
خايفة أقول إني بحب بابا وماما.
توقفت ليان.
كانت الجملة نفسها التي سمعتها من أطفال كثيرين طوال السنوات الماضية.
قالت لها
اسمعيني يا مريم حبك لأبوك وأمك مش خيانة لأي واحد فيهم.
رفعت الفتاة عينيها.
حتى لو هما مش بيحبوا بعض؟
ابتسمت ليان.
حتى لو اختلفوا طول العمر.
ثم أمسكت يدها.
إنتِ مش مسؤولة عن خلافهم.
في تلك اللحظة، دخل آدم.
قال
مريم، تحبي تشوفي حاجة؟
أخرج من هاتفه صورة قديمة.
كانت صورته هو وحمزة وهما طفلان.
قال
أنا كنت في موقف شبه موقفك.
نظرت مريم إلى الصورة.
وإنت عملت إيه؟
ابتسم آدم
قلت الحقيقة.
ومين كسب؟
ضحك آدم.
ولا حد.
ثم أضاف
إحنا اللي كسبنا لما بابا وماما فهموا إننا مش جائزة عند حد.
كانت ليان تستمع إليه، وشعرت بقلبها يمتلئ بالفخر.
بعد أيام، قررت الأسرة أن تساعد والدي مريم على الوصول إلى اتفاق يحمي الطفلة من الصراع.
لم يكن الأمر سهلًا.
لكنهم نجحوا في إقناع الطرفين بأن مصلحة ابنتهما أهم من أي خلاف.
وعندما عادت مريم إلى المركز بعد فترة، كانت تبتسم.
قالت لليان
بابا وماما اتفقوا.
سألتها
وإنتِ مبسوطة؟
هزت رأسها.
جدًا.
ثم قالت
أنا دلوقتي لما أكون عند بابا مش بخاف إن ماما تزعل، ولما أكون عند ماما مش بخاف إن بابا يزعل.
وفي المساء، جلست مع آدم وحمزة وفراس.
قال حمزة
عارفة يا ماما؟ إحنا بدأنا المركز عشان نساعد أطفال زيّنا.
قال آدم
لكن اللي حصل النهارده خلاني أفهم إننا مش بس بنساعدهم.
سألته ليان
أمال بنعمل إيه؟
قال
بنمنع الخوف إنه ينتقل من جيل لجيل.
ساد الصمت.
نظر فراس إلى أبنائه وقال
وده أعظم شيء ممكن تعملوه.
ثم أخرج هاتفه وفتح صورة قديمة لهم.
كانت صورة من يوم المحكمة.
ليان واقفة، وآدم وحمزة بجوارها.
قال
الصورة دي كانت زمان بتوجعني.
نظرت ليان إليها.
وأنا كمان.
قال فراس
دلوقتي بقيت أحبها.
استغرب حمزة
ليه؟
أجاب
لأنها بتفكرني باليوم اللي فهمت فيه إن أولادي مش محتاجين أب وأم يتخانقوا محتاجين أب وأم يتعلموا.
نظر الجميع إلى الصورة.
ثم قالت ليان
يمكن لو رجع الزمن، مش هنقدر نغير كل حاجة.
ابتسم فراس.
لكن هنقدر نتصرف بشكل مختلف.
قال آدم
وده اللي بنعمله دلوقتي.
ضحك حمزة
يعني باختصار، المحكمة طلعت لنا مركز!
ضحك الجميع.
وفي تلك الليلة، أغلقت ليان المركز بنفسها.
وقفت أمام الصورة القديمة للحظة.
ثم قرأت الجملة المكتوبة أسفلها
هل تشعر بالأمان مع أمك؟
ابتسمت.
ولأول مرة، أضافت تحتها جملة جديدة
الأمان لا يصنعه بيت واحد يصنعه أشخاص يرفضون أن يجعلوا الطفل يدفع ثمن خلافاتهم.
أغلقت الباب.
وعادت إلى بيتها.
كان آدم وحمزة ينتظرانها.
قال آدم
اتأخرتي.
ضحكت
المركز كان مليان.
قال حمزة
بكرة عندنا اجتماع بدري.
نظرت إليهما.
حاضر.
ثم دخلت غرفتها.
وقبل أن تنام، وصلتها رسالة من مريم
شكرًا يا طنط ليان أنا دلوقتي مش خايفة.
ظلت ليان تنظر إلى الرسالة طويلًا.
ثم ابتسمت، وأغلقت هاتفها.
كانت تعرف أن قصتها القديمة انتهت منذ سنوات.
لكن أثرها
كان لا يزال ينقذ أطفالًا آخرين.
وهنا فهمت أن بعض الحكايات لا تنتهي عندما تنتهي مشاكل أصحابها.
بل تبدأ من جديد كلما وجد طفل صغير شخصًا يقول له
إنت مش لازم تختار من حقك تحب من غير خوف مرت ثلاث سنوات أخرى، وأصبح مركز آدم وحمزة من أكبر المبادرات التي تساعد الأطفال وأسرهم.
لكن النجاح جلب مسؤوليات جديدة.
وفي أحد الأيام، وصل خطاب رسمي إلى المركز يخبرهم أن هناك مراجعة شاملة لكل أنشطتهم ومصادر تمويلهم قبل الموافقة على التوسع في محافظات جديدة.
قال حمزة بقلق
الموضوع كبير.
رد آدم
عشان كده لازم كل حاجة تكون واضحة.
جلست ليان معهم وقالت
إحنا بنينا المكان ده على الصراحة. مفيش حاجة نخاف منها.
بدأوا تجهيز كل المستندات.
لكن أثناء المراجعة، اكتشفوا خطأ قديمًا في بعض الحسابات.
لم يكن اختلاسًا ولا شيئًا متعمدًا، لكنه كان خطأ إداريًا حدث في بداية المشروع.
قال فراس
لازم نعلن عنه.
تردد حمزة
بس ممكن يوقف التوسع.
قالت ليان
الصراحة ممكن تأخرنا، لكنها عمرها ما هتخلينا نخسر نفسنا.
قرروا تقديم المستندات كاملة، وشرح الخطأ وتصحيحه رسميًا.
وبعد أسابيع من الانتظار، جاء الرد.
تمت الموافقة على استمرار المشروع والتوسع، بعد التأكد من تصحيح الإجراءات.
فرح الجميع.
قال آدم
لو كنا خبينا الخطأ، كان ممكن نخسر كل حاجة.
ابتسمت ليان
عشان كده أهم حاجة اتعلمناها مش إننا عمرنا ما نغلط.
ثم نظرت إلى أولادها.
أهم حاجة إننا لما نغلط، نعترف ونصلح.
وفي نفس الأسبوع، حدث أمر آخر.
وصل إلى المركز خطاب من إحدى المدارس يشكر آدم وحمزة على