روايه جبر الخواطر بقلم شروق خالد

لمحة نيوز

في اليوم ده، كانت كل خطوة ليا جوه السوبر ماركت تقيلة ومهمومة. "تامر" لسه سايب شغله، ومرتبي البسيط من الشغل الإضافي يدوبك بيكفي الإيجار، وكل حاجة كنت بحطها في العربة كنت بحسبها مية مرة. وقفت قدام رف الحفاضات وأنا بحاول أوفق ميزانيتي وأشوف إيه اللي ممكن أستغني عنه عشان أجيبها.
وفجأة شفته عند الكاشير.
راجل مسن، لابس جاكيت قديم ومهلهل، وإيده كانت بتترعش وهو بيعد الفكة اللي معاه. الكاشير قاله ببرود: "يا حاج، الفلوس دي لسه ناقصة كتير".
الراجل زق علبة فول براحة وقال بصوت واطي ومكسور: "طيب كده كفاية؟".
رد الكاشير: "لسه ناقص عشرين جنيه.. تحب ترجع كيس الرز كمان؟".
بص لشنطة الرز الصغيرة، وإيده كانت بتتحرك بتردد فوقيها.. وكأنه بيفكر في لقمته.
في اللحظة دي، حاجة جوايا انكسرت.
وقبل ما أفكر في ديوننا أو في الميت جنيه اللي كانت في إيدي – آخر مبلغ شايلينه للزمن – قربت بسرعة.
قلت بصوت عالي من غير ما أحس: "استنى يا بني.. خد، كمل من دي".
عينه وسعت من المفاجأة وقال: "لا يا بنتي، مقدرش آخد منك—".
قلتله وصوتي مخنوق بالدموع: "أرجوك.. خدها وهات طلباتك وخلي الباقي معاك". في اللحظة دي بالظبط، حسيت بحركة ابني اللي لسه مجاش للدنيا جوايا، وكأنه بيشاركني اللحظة.
الراجل لم أكياسه بإيد بتترعش والدموع مالية عينه: "ربنا يباركلك يا بنتي ويجبر بخاطرك.. أنتي مش عارفة دي عندي بالدنيا".
بس أنا كنت عارفة.
الميت جنيه دي كانت الأمان بتاعنا، السند الأخير اللي فاضل في المحفظة. مكنتش عارفة هعوضها إزاي، بس وأنا شيفاه ماشي وابتسامة الرضا على وشه، حسيت إني بقيت أخف.. وكأني وزعت خوفي مع

الفلوس دي.
بالليل لما حكيت لـ "تامر"، حط إيده على راسه وقال بضيق: "يا حبيبتي، إحنا محتاجين كل قرش دلوقتي، مكنش ينفع تضحي بآخر مبلغ معانا".
همستله: "عارفة، بس الراجل كان باين عليه الجوع والتعب.. مقدرتش أشوف كسرته".
شدني ليه وقال: "عشان كده أنا بحبك.. قلبك دايماً بيغلبك".
نمنا ليلتها وإحنا معندناش كتير، بس كان عندنا رضا وسلام نفسي غريب.
تاني يوم الصبح، صحيت على خبط قوي ومفاجئ على الباب. قلبي قبضني وقولت أكيد ده صاحب البيت جاي يطالب بالإيجار المتأخر.
فتحت الباب..
ووقفت مكاني مذهولة مش مصدقة اللي شايفاه...

فتحت الباب..
ووقفت مكاني مذهولة مش مصدقة اللي شايفاه. مكنش صاحب البيت، كان "تامر" جوزي واقف وشايل في إيده شنط كتير، ووراه راجل في الخمسينات لابس بدلة شيك جداً وواقف بيبتسم.
دخل تامر وهو مش سايعاه الفرحة وقال: "مش هتعرفي اللي حصل يا سارة! الصبح جالي تليفون من شركة كبيرة كنت قدمت فيها من شهور وفقدت الأمل، قالولي إنهم محتاجين أقابل المدير فوراً".
بصيت للراجل اللي معاه باستغراب، فكمل تامر بحماس: "ده الأستاذ مجدي، مدير الموارد البشرية في الشركة، وجه معايا بنفسه عشان يخلص إجراءات استلام الشغل لأنهم محتاجين تخصصي جداً، وصرفوا لي مكافأة توقيع عقد فورية!".
هنا الأستاذ مجدي اتكلم وقال بصوت هادي: "الحقيقة يا مدام سارة، أنا كنت واقف وراكم في السوبر ماركت امبارح.. وشفت اللي عملتيه مع الراجل الغلبان. لما شفت تامر في الشركة النهاردة وعرفت إنه جوزك من صورته اللي كانت في محفظتك وأنتي بتطلعي الفلوس، اتأكدت إن ده الشخص اللي أئتمنه على شغلنا.. البيت اللي فيه

الخير ده، هو اللي يستحق الفرصة".
بصيت لتامر والدموع في عيني، وافتكرت دعوة الراجل المسن وهو بيقول "ربنا يجبر بخاطرك".
المعجزة مكنتش بس في الشغل ولا في الفلوس اللي رجعت أضعاف، المعجزة كانت في اليقين اللي ملى قلبي إن اللي بيسيب حاجة لله، ربنا بيردها له في وقت مكنش يتخيله، وبطريقة مكنش يحلم بيها.
قعدنا كلنا نفطر، وأنا حاطة إيدي على بطني وبهمس لابني اللي لسه مشرفش: "شوفت يا حبيبي؟ الخير مبيضيعش أبداً".
وبعد ما الأستاذ مجدي مشي، قعدت أنا وتامر في هدوء، مكنتش قادرة أوقف دموعي وأنا ببص لشنط الخير اللي ملت البيت. تامر قرب مني وقال: "أنا مكنتش فاهم ليه عملتي كده امبارح، بس النهاردة عرفت إن العشرين دولار دول كانوا أغلى استثمار عملناه في حياتنا".
فتحت الشنط لقيت فيها كل اللي كنا محتاجينه وزيادة، حتى الحفاضات اللي كنت محتارة أجيبها، تامر جاب منها كرتونة كاملة.
مرت الأيام، وتامر استلم شغله الجديد بمرتب أحسن بكتير مما كنا نحلم. وفي يوم، وأنا ماشية في نفس المنطقة، شفت الراجل المسن تاني. كان قاعد على رصيف، بس المرة دي كان وشه منور ولابس هدوم أنضف شوية.
قربت منه وسلمت عليه، فابتسم أول ما شافني وقالي: "عارفة يا بنتي؟ الستر اللي جالي بسببك اليوم ده، فتح لي أبواب مكنتش أتخيلها. ناس كتير شافت اللي حصل وبدأوا يساعدوني، وابني اللي كان غايب عني من سنين كلمني ورجع لي".
وقفت مذهولة.. المعجزة مكنتش عندي أنا بس، دي كانت دايرة من الخير لفت ورجعت لكل واحد فينا.
بصيت للسما وقلت: "يا رب، يخلينا دايماً سبب في جبر الخواطر".
دلوقتي، كل ما بمر بظروف صعبة، بفتكر اليوم ده، وبفتكر
إن رزق ربنا مش بس فلوس، رزق ربنا قلوب بتحس ببعضها، ومعجزات بتستنى بس "لحظة يقين".
عدت شهور، وجه اليوم اللي كنت مستنياه.. ابني "زين" شرف الدنيا.
وفي أول خروجة ليا وأنا شايلاه، صممت أروح لنفس السوبر ماركت. مش عشان أشتري حاجة، لكن عشان أفتكر المكان اللي حياتي اتغيرت فيه. وقفت قدام رف الحفاضات وبصيت لزين وابتسمت، وافتكرت اليوم اللي كنت بقلب فيه الجنيهات في إيدي ودموعي قريبة.
وأنا خارجة، شفت الكاشير اللي كان واقف يومها. أول ما شافني، عرفني فوراً، ملامحه كانت متغيرة، مكنش فيها البرود بتاع زمان.
قرب مني وقال بصوت واطي: "أنا مكنتش بعرف أنام من يوم الموقف بتاعك مع الحاج. طريقتك خلتني أراجع نفسي في معاملتي مع الناس. ومن يومها، بقيت أحاول أساعد أي حد يقصر معاه الفكة من جيبي الخاص.. وسبحان الله، ربنا بارك لي في رزقي بشكل مش طبيعي".
حسيت بقعشة في جسمي. العشرين دولار مكنتش مجرد وجبة لراجل مسن، ولا مجرد شغل لتامر.. دي كانت "عدوى خير" انتشرت ولمست كل واحد حضر الموقف.
رجعت البيت، لقيت تامر مستنيني ومعاه هدية صغيرة. فتحتها لقيت فيها سلسلة فضة رقيقة، ومنقوش عليها كلمة واحدة: **"يقين"**.
بص لي تامر وقال: "عشان تفضلي فاكرة إنك أنقذتينا بقلبك قبل فلوسك".
دلوقتي، لما حد بيسألني عن سر السعادة اللي في حياتنا رغم بساطتها، ببتسم وبفتكر إن أحياناً أصغر عمل بتعمله وأنت في قمة احتياجك، هو اللي بيفتح لك أبواب السما.
الحكاية مخلصتش عند العشرين دولار، الحكاية بدأت من عندها.. وعلمتني إن "صنايع المعروف" بجد هي اللي بتقي مصارع السوء، وإن ربنا مبيسيبش حد جَبَر خاطر حد وهو محتاج.

عشرين دولار غيرت حياتي. حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط