عارف يعني ايه بقلم اماني سيد
عارف يعني إيه تقف تتفرج على حتة من قلبك بتتهان… وأنت متكتف بعجز السنين وقلة الحيلة؟
إيده اللي اترفعت عليها… ما نزلتش عليها هي بس، دي نزلت على روحي أنا. قسمت ظهري نصين.
شفت في عينيها كسرة عمري ما شفتها قبل كده… دموع محبوسة، نظرة رعب وعتاب مكتوم. كانت بتبصلي من على الأرض، مستنية مني أتحرك… أتكلم… أهد الدنيا فوق دماغ اللي كسرها.
لكن أنا؟
كل اللي قدرت أعمله… إني أمد إيدي المرتعشة وأسندها.
… وهي بتنهار في صدري بصمت، دموعها بتحرقني وأنا ساكت.
وهو؟
واقف عند باب الشقة… فارد صدره، بيبصلنا باحتقار، كأنه بيرمي حاجة مالهاش لازمة من حياته.
وفجأة صرخ بصوت قاسي: "خد بنتك… مش عايزها! أنا خلاص طلقتها!"
الكلمة وقعت علينا زي الصاعقة.
ما اداناش فرصة نفهم… ولا حتى نسأله ليه.
كمل وهو بيعدل هدومه ببرود: "أنا عايز أبدأ حياة جديدة… وهي مش هتنفعني."
وقبل ما أستوعب… كان سحب نفسه ومشي، ورزع الباب وراه، صوت رجّ البيت كله.
خدتها ودخلت… قفلت علينا الباب.
قعدت جنبها على السرير في الضلمة، وهي بتترعش زي طفل تايه. مش لاقي كلمة أقولها… ولا عارف أواسيها إزاي.
الدقايق كانت بتمشي تقيلة… لحد ما فجأة رفعت راسها، وعينيها حمرا، وقالت بصوت مكسور:
"عارف هو عمل كده ليه يا بابا؟"
بصيت لها… قلبي بيتقبض.
طلعت تليفونها بإيد بتترعش، وورتني صورة.
كانت صورة له… لابس بدلة، وقاعد وسط أهله… وجنبه نوال، أرملة أخوه.
وهو… بيلبسها دبلة.
بس المرة دي… باسمه هو.
اتجمدت مكاني.
ميرفت ضحكت ضحكة موجوعة وقالت: "الصورة
سكتت لحظة، ودموعها نزلت تاني:
"هو قال إني السبب… عشان ما بخلفش. بس الحقيقة… إنه كان عايز يمشي من زمان… ويدور على حياة تانية… وأنا كنت مجرد خطوة في طريقه."
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.
"يعني كل ده كان مترتب؟" سألتها بصوت واطي.
هزت راسها: "أيوه… حتى كلامه عني قدام الناس… كله عشان يطلع هو صح وأنا الغلط."
بصيت لبنتي… لقيت واحدة اتغيرت.
مش بس مجروحة…
دي اتكسرت… واترمت.
لكن فجأة… حاجة جوايا اتحركت.
يمكن لأول مرة من سنين.
مسكت إيديها بقوة، وقلت:
"لا… مش هتنتهي كده."
بصتلي بدهشة.
كملت وأنا بحاول أثبت صوتي: "حقك هيرجع… وهيرجع قدام الكل."
سكتت… بس دموعها وقفت.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت… حضني ليها كان فيه أمان.
لكن اللي ما كناش نعرفه ساعتها…
إن الطلاق ده…
ما كانش نهاية الحكاية.
ده كان بداية سر أكبر…
سر… هيقلب كل حاجة.كانت الليلة دي مختلفة… مش بس في البيت، لكن جوايا أنا كمان.
الهدوء كان تقيل، كأنه سابق عاصفة.
ميرفت نامت بالعافية بعد ما انهارت من العياط، وأنا قاعد جنبها، بصص في الفراغ… بس عقلي مش ساكت.
كل كلمة قالتها كانت بترجع تتكرر في دماغي: “كلهم كانوا عارفين… كلهم كانوا موافقين…”
بس في حاجة مش راكبة.
لو الموضوع كله “رفض عشان الخلفة” زي ما قالوا… ليه الطريقة دي؟ ليه الإهانة؟ وليه السرعة في الطلاق والزواج بعده مباشرة؟
في الصبح… قررت أتحرك.
لبست وخرجت من غير ما أقول لها حاجة.
روحت لأول مكان ممكن
أول ما دخلت… كان في صمت غريب.
مش صمت عادي… صمت ناس مستنية مواجهة.
أمّه كانت قاعدة، وإيدها بتلف سبحة ببطء.
وأخته واقفة عند الباب، بتتجنب تبص في عيني.
سألت بصوت ثابت رغم النار اللي جوايا:
"إيه اللي حصل لبنتي؟ وإيه اللي حصل في اليوم ده بالظبط؟"
سكتوا.
الأم بصت للأرض، والأخت حاولت تتكلم، لكن الكلمة وقفت في نص حلقها.
لحد ما الأب اتكلم من ورايا فجأة:
"اللي حصل انتهى."
لفيت له بسرعة.
"انتهى؟ بنتي اتكسرت وإنت بتقول انتهى؟"
رد ببرود: "ابني كان له حق يختار حياته… وهي مش مناسبة ليه."
ساعتها فهمت إن الموضوع أعمق من مجرد زواج فشل.
قربت منه وقلت:
"اختار حياته؟ ولا حد وجهه؟"
سكت لحظة… لحظة كانت كافية تكشف كتير.
الأخت بصت له بخوف.
والأم… دمعت عينيها.
هنا اتأكدت.
في حاجة مستخبية.
طلعت من البيت وأنا النار بتاكلني.
وفي نص الطريق، التليفون رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت رجالي هادي قال:
"لو عايز تعرف الحقيقة كلها… تعالى الشركة النهاردة الساعة 5. واسأل عن ملف اسمه (المشروع العائلي)."
المكالمة اتقفلت.
وقفت مكاني.
“المشروع العائلي؟”
أول مرة أسمع الاسم ده.
بس قلبي كان بيقولي إن اللي جاي مش مجرد خلاف عائلي…
ده ملف كامل… متخطط له من سنين.
واللي حصل لبنتي… كان جزء صغير منه.وقفت قدام مبنى الشركة وأنا حاسس إن رجليا تقيلة كأنها مش بتاعتي.
“المشروع العائلي…”
الاسم كان غريب… بس الأغرب إن قلبي كان متأكد إنه مش مجرد شغل.
طلعت للأدوار العليا، لحد ما وصلت مكتب الاستقبال.
سألت بهدوء: "أنا جاي بخصوص ملف اسمه المشروع العائلي."
الموظفة بصّتلي بسرعة، كأن الاسم ده ممنوع يتقال.
وقالت: "حضرتك معادك مع مين؟"
قبل ما أرد، لقيت باب المكتب الكبير بيتفتح.
خرج راجل في منتصف الخمسينات، أنيق، ووشه مش غريب عليا… بس مش قادر أحدده.
قال وهو بيبصلي: "اتفضل… كنت مستنيك."
دخلت وقلبي بيدق بسرعة.
قعد قدامي، وفتح ملف سميك قديم.
وقال: "قبل ما أبدأ… لازم تفهم حاجة واحدة… اللي حصل لبنتك مش خلاف عائلي عادي."
سكت لحظة، وبعدين كمل: "ده جزء من صفقة قديمة… من سنين."
رفعت عيني له بسرعة: "صفقة إيه؟ وبنتي دخلت فيها إزاي؟"
فتح الورق قدامي.
صور… عقود… وأسماء.
ومن بينهم اسم جوزها السابق.
قال: "عيلته دخلت في مشروع شراكة كبير من زمان… مشروع مبني على نسب، ووراثة، واستمرارية اسم العيلة."
حسيت بصدمة: "يعني إيه الكلام ده؟"
رد بهدوء خطير: "يعني كانوا شايفين إن استمرار العيلة مرتبط بموضوع معين… ولما حصلت مشكلة في الإنجاب، بدأوا يدوروا على حل يحافظ على الشكل الاجتماعي قدام الناس."
قفلت إيدي: "إنت بتتكلم عن بنتي كأنها ورقة!"
بصلي وقال بهدوء أقسى: "مش أنا اللي عملت كده… هم اللي قرروا يضحوا بعلاقتهم علشان يحافظوا على اسمهم."
سكت.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
وبعدين كمل الجملة اللي كسرتني أكتر:
"وبنتك… كانت الطرف اللي اتقدم ككبش فداء."
قمت من مكاني بغضب: "إنت بتقول إيه؟!"
رد بهدوء: "هي ما كانتش المشكلة… هي كانت الحل الأسهل بالنسبة لهم."
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي غيرت كل
"بس في حاجة هم ما حسبوهاش… إن في أوراق تانية ظهرت بعد الطلاق… ممكن تقلب كل حاجة ضدهم."
بصيت له بسرعة: "أوراق إيه؟"