روايه مشوقه
وصلت إلى المستشفى لتضع مولودها لكن ما فعله الطبيب لحظة رؤيته للطفل لم يكن متوقعًا
دخلت المستشفى ولم يكن معها أحد.
لا زوج.
لا عائلة.
ولا يد تمسك بيدها بينما كانت الانقباضات تشتد وتسرق أنفاسها.
لم يكن معها سوى حقيبة صغيرة، وعباءة قديمة، وقلب أنهكته الخيبات منذ زمن.
كان اسمها زينب جاسم، في السادسة والعشرين من عمرها وقد تعلمت مبكرًا أن الأمومة قد تعني أن تواجهي الحياة وحدك.
ابتسمت الممرضة بلطف عند مكتب الاستقبال في مستشفى ببغداد، وسألتها
هل زوجك في الطريق؟
أجبرت زينب نفسها على ابتسامة باهتة، وقالت
سيصل قريبًا.
كانت كذبة كرّرتها مرات كثيرة حتى كادت تبدو حقيقية.
الحقيقة؟
أن حيدر علي رحل منذ سبعة أشهر في الليلة نفسها التي أخبرته فيها بحملها.
لم يكن هناك صراخ ولا جدال.
ولا حتى وداع.
حزم أغراضه بهدوء، وقال إنه يحتاج إلى وقت للتفكير ثم اختفى.
بكت زينب جاسم أسابيع طويلة
ثم، في يومٍ ما، توقفت.
ليس لأن الألم انتهى بل لأنه لم يعد هناك ما يكفي داخلها لتحمّله.
عملت لساعات إضافية.
ادّخرت كل ما استطاعت.
وفي كل ليلة،
لن أتركك أعدك.
بدأ المخاض قبل شروق الشمس.
واستمر اثنتي عشرة ساعة قاسية
ألم متواصل، يأتي على شكل موجات، يسلب أنفاسها، ويدفعها إلى أقصى حدودها.
كانت تهمس بين كل موجة وأخرى
يا رب احفظ طفلي
وفي تمام الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة مساءً
وُلد طفلها.
ملأ بكاؤه الغرفة قويًا، مليئًا بالحياة.
انهارت زينب على الوسادة، والدموع تنهمر من عينيها
لكنها لم تكن دموع ألم.
كانت دموع راحة.
دموع حب.
دموع انتصار بعد كل ما مرّت به.
سألت بصوت مرتجف
هل هو بخير؟
ابتسمت الممرضة وهي تلف الطفل ببطانية ناعمة، ثم قالت
إنه بخير طفل جميل.
وكانت على وشك أن تضعه بين ذراعي زينب
لكن فجأة انفتح الباب وتغيّر كل شيء.
دخل الطبيب المناوب رجل في أواخر الخمسينيات، هادئ الملامح، يفرض حضوره شعورًا فوريًا بالطمأنينة.
الدكتور سامي علي.
ألقى نظرة سريعة على الملف ثم اقترب من الطفل.
نظر إليه نظرة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
تجمّد في مكانه اختفى اللون من وجهه.
ارتجفت يده قليلًا ثم حدث ما لم يتوقعه أحد امتلأت عيناه بالدموع.
قالت الممرضة بقلق
دكتور هل هناك مشكلة؟
لم يُجب لم يستطع كانت عيناه معلّقتين بوجه الطفل
كأنه يرى شيئًا يعرفه جيدًا.
ملامح الأنف انحناءة الشفاه.
وتحت الأذن اليسرى مباشرة
وحمة صغيرة على شكل هلال.
حاولت زينب أن تنهض، وقد بدأ الخوف يسيطر عليها
ماذا حدث؟! هل طفلي بخير؟!
ابتلع الطبيب ريقه بصعوبة
وكان واضحًا أن الكلمات أثقل من أن تُقال.
عندما تكلّم أخيرًا، خرج صوته بصعوبة وكأنه يحمل ثقل سنوات طويلة، وقال وهو ينظر مباشرة إلى زينب
أين والد الطفل؟
فتصلّبت ملامح زينب جاسم فورًا، وأجابت ببرود
ليس هنا.
سأل مرة أخرى بنبرة أكثر إصرارًا
أريد اسمه.
عندها انفجرت بحدة، وقد تحوّل خوفها إلى غضب واضح
ولماذا يهم ذلك؟ أخبرني ماذا يحدث لطفلي!
نظر إليها الدكتور سامي علي بعينين مثقلتين بشيء عميق شيء قديم لم يُنسَ، ثم قال بصوت منخفض
من فضلك أخبريني باسمه.
ترددت زينب لثوانٍ
قبل أن تنطق أخيرًا
حيدر علي.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة وكأن الزمن توقف فجأة.
أغمض الطبيب عينيه ببطء، وانزلقت دمعة على خده دون أن يحاول إخفاءها، ثم همس بصوت مكسور
حيدر
لم يتحرك أحد.
حتى بكاء الطفل بدا وكأنه تراجع أمام وقع الكلمات.
شعرت زينب وكأن الهواء قد اختفى من حولها، وقالت بصوت يكاد لا يُسمع
هذا مستحيل.
لكن نظرة الطبيب كانت كفيلة بأن تسقط كل شك.
جلس ببطء، وكأن جسده لم يعد يحتمل ما أدركه، ثم رفع رأسه ونظر إليها مرة أخرى، وقال بصوت أثقل من السابق
لم أره منذ عامين ترك البيت بعد خلاف كبير بيننا، وقطع كل وسيلة تواصل ولم أكن أعلم أين ذهب
توفيت والدته قبل أشهر
أم حيدر، الحاجة أمينة، من وقتها أصبحت مكسورة القلب، تنتظر عودته حتى آخر لحظة.
كانت تضع طبقًا إضافيًا على المائدة كل يوم جمعة وكأنها تؤمن أنه قد يعود فجأة.
احتضنت زينب جاسم طفلها وهي تستمع وكان عالمها يتغيّر مع كل كلمة.
ثم بدأت تروي قصتها.
كيف تعرّفت على حيدر علي
كم كان هادئًا وجذابًا بطريقته الخاصة
وكيف أنه لم يتحدث يومًا عن ماضيه.
كيف بنى حياته على الصمت وأنصاف الحقيقة
وكيف، في اللحظة التي أصبحت فيها الأمور جدية
اختفى.
استمع الدكتور سامي علي بصمت
ثم نظر إلى الطفل مرة أخرى، وبدأت ملامحه تلين تدريجيًا.
وقال بهدوء
لديه ملامح جدته.
ابتسمت زينب ابتسامة صغيرة، خرجت وسط دموعها
لأن هذه الجملة