روايه عزوتي و كرامتي أغلي ما أملك.. بقلم منــال عـلـي
الطريق لبيت أهلي كان عبارة عن وصلة "نكد" وسكوت يقطع القلب.
قلت له بهدوء وأنا بحاول ألطف الجو: "عشان خاطري يا عمرو.. بلاش تكشر، خليك لطيف معاهم النهاردة ده إحنا في عيد." بقلم منــال عـلـي
ضحك بسخرية تقهر: "آه طبعاً! تحبي أرقصلهم كمان ولا أعملهم نمرة؟ ما أنا جاي أهو ومغصوب، عايزة إيه تاني؟!"
كتمت غيظي بالعافية و قولت: "أنا بس عايزة اليوم يعدّي على خير، أهلي وحشوني ونفسي أفرح معاهم."
أول ما وصلنا، ماما استقبلتنا بحب كبير وفتحت دراعاتها وحضنتنا وهي بتدعي لنا، وبابا واقف وراها بضحكته الصافية اللي بتنور وشه. عمرو رمى السلام بالعافية، ومن غير ما يبص لحد دخل قعد في الصالون وكأنه داخل سجن.
دخلت المطبخ أساعد ماما نحضر السفرة، وهي عينيها عليه وهو قاعد بره "بوزه شبرين" ومطلع الموبايل ولا كأن حد قاعد. معاه متوفره على روايات واقتباسات ماما سألتني بصوت واطي: "هو ماله يا جنى يا بنتي؟ هو إحنا زعلناه في حاجة؟"
قلت بكسرة نفس: "لا يا ست الكل، تلاقيه بس مصدع من الطريق.."
سكتت لحظة وبصت لي بوجع وقالت: "هو إحنا مش أهله برضه يا بنتي؟ ولا إحنا غرب؟"
السؤال نزل عليا زي السكينة. قلت وصوتي مخنوق: "حقك عليّا يا ماما.. معلش."
طبطبت عليا
السفرة كانت تشرح القلب، أكل بيتي مصري أصيل، محشي ورق عنب وكفتة، وصواني كحك وبسكويت العيد اللي ريحتهم مالية البيت، بس الجو كان "تقيل" بسبب عمرو.
ماما حاولت تفتح كلام وتجبر خاطره: "ها يا عمرو يا حبيبي، الشغل أخبارك فيه إيه؟". بقلم منــال عـلـي
هز كتفه ببرود من غير ما يرفع عينه من الطبق: "ماشي.."
حاولت ألحق الموقف وأنا كلي إحراج: "تصدق يا عمرو، بابا لسه مخلص تظبيط البلكونة والزرع اللي فيها بقى يجنن، إبقى شوفه."
قال من غير ما يبص لي أصلاً: "يمكن.. مخدتش بالي."
حسيت بدموعي قريبة، الإحراج قدام أهلي كان أكبر من طاقتي.
قولت له بصوت واطي: "في إيه يا عمرو؟ ما تفكها شوية!"
فجأة، راح رامي الشوكة فى الطبق وعملت صوت عالي هز السفرة وقال بعصبية:
"هو ده عيد أصلاً؟! كل حاجة هنا ناقصة! هو ده ينفع عيد من غير كحك أمي والبسكويت بتاعها اللي متعود عليه؟ أنا مش عارف آكل!"
ماما اتصدمت وقالت باستغراب: "كحك؟ ما الكحك قدامك يا ابني وأنا اللي عاملاه بإيدي.."
قولت بسرعة عشان ألم الدور: "خلاص يا عمرو، حقك عليا، هنبقى نعدي على مامتك وناخد منها اللي إنت
انفجر فيا بقلة ذوق: "بسيط إيه؟! إنتي دايماً شايفة إن طلباتي تافهة! دايماً كل حاجة لازم تمشي على مزاجك إنتي وأهلك! أنا تعبت من القعدة دي!"
قومت وقفت وصوتي بيترعش: "لو سمحت.. احترم المكان اللي إنت فيه، ده يوم عيد والمفروض نكون فيه مع بعض."
زق الكرسي لدرجة إنه كان هيقع وقال بحدة: "أنا زهقت! قومي لمي حاجتك ويلا نمشي حالاً.. البسي طرحتك وإخلصي!"
في اللحظة دي، بابا قام مرة واحدة، وبص لعمرو بنظرة حزم وقوة خلت الكل يسكت، وقال بصوت جهوري هز الحيطان:
"لا يا حبيبي.. إنت اللي تسمعني كويس!"
عمرو لسه هيتكلم ويقل أدبه، بابا مسك صدره فجأة وتعب وتعبيرات وشه اتغيرت من الوجع. ماما جريت عليه وهي بتعيط: "يا نهار أبيض.. يا حاج كمال! أنا آسفة يا بنتي.. شوفي جوزك عمل فينا إيه!"
قولت لها بدموع وحسم: "متقلقيش يا ماما.. أنا هاتصرف."
روحت عند الباب، لقيت عمرو واقف مستني ببرود وكأنه معملش كارثة.
قال لي: "ها؟ خلصتي؟ يلا إخلصي عشان ورانا مشوار لأمي."
بصيت له في عينه بكل قوة وثبات قولت له بكلمة واحدة: "لا."
اتصدم ورفع حاجبه: "نعم؟! يعني إيه لا؟"
قلت له: "يعني إنت اللي تمشي.. أنا قاعدة في بيت أبويا. البيت اللي إنت مهنتوش بس، إنت هنتني أنا قبله.
زعق بعصبية: "إنتي اتجننتي؟ إنتي مراتي! والمفروض تسمعي الكلام وتمشي ورايا زي الـ..."
قاطعته بثبات: "أنا كنت مستنية الراجل اللي اتجوزته يرجع لي تانى.. الراجل اللي بيعرف يعني إيه أصول وواجب، بس واضح إنه مات واختفى تحت أنانيتك. الباب يفوت جمل يا عمرو."
سكت ومبقاش عارف ينطق، ملامحه كانت مزيج من الصدمة والغيظ.
قلت له ببرود: "امشي يا عمرو.. وكل حاجة كانت بتربطنا انتهت النهاردة."
خرج وهو بيخبط الباب وراه بكل غله لدرجة إن الشقة كلها اتهزت.
رجعت السفرة، وقفت قدام بابا وماما، قلبي كان بيدق بس كنت حاسة براحة عمري ما دوقتها.
قلت لبابا وماما وأنا بحضنهم: "أنا اللي آسفة.. سبته يتمادى كتير ويدوس على كرامتكم، بس خلاص، الكابوس ده انتهى ومش هيتكرر تاني."
ماما ضمتني وقالت: "إنتي في بيتك يا جنى.. والبيت من غيرك ملوش طعم، إنتي بنتنا الغالية."
ولأول مرة من سنين، حسيت إني بتنفس بجد.. حسيت إني حرة.
وأخيراً، عرفت إن العيلة الحقيقية هي اللي تشيلك وتصون كرامتك، مش اللي تكسر بخاطرك في يوم فرحك.
تفتكروا عمرو هيحاول يرجع يعتذر بعد ما يحس بقيمتها، ولا كرامة جنى