امه كانت بتاكل حكايات بسمه

لمحة نيوز

أمه كانت بتاكل في صمت بواقي أكل العيلة لحد ما ابنها الأغنى اكتشف الحقيقة.
الحاج عزت خطف طبق بواقي الأكل من قدام مراته، وحطه على الأرض جنب باب البيت عشان الكلاب تاكله، من غير ما يعرف إن ابنه الأصغر كان لسه داخل المطبخ.
وقال لها ببرود
لو لسه جعانة، كان زمانك اشتغلتي أكتر.
نوال فضلت قاعدة على الكرسي الخشب الصغير.
كان عندها 72 سنة، ركبتها وارمة، وإيديها لسه عليها آثار الصوص اللي كانت عاملاه لتجار المواشي اللي جايين البيت.
من الساعة خمسة الفجر وهي واقفة على رجليها.
طبخت وخدمت أكل ل شخص
ومحدش حتى حجز لها طبق.
عادل، ابنها الكبير، كان واقف جنب التلاجة بياكل من الحلويات ولا كأنه شايف حاجة.
وفجأة
سامح حط شنطته على الأرض.
صوت وقعتها خلّى كل اللي في المطبخ يلفوا يبصوله.
بقاله ست سنين بيتخيل لحظة رجوعه لبيت العيلة في البلد.
كان فاكر إنه هيلاقي أمه قاعدة في الطرقة، مرتاحة، يمكن ماسكة إبرة وخيط وبتطرز زي زمان.
كل شهر كان بيبعت لها فلوس عشان ما تضطرش تطبخ، ولا تقلق من تمن علاجها.
لكن اللي شافه قدامه كان مختلف تمامًا.
أمه كانت بتحاول تخبي رعشة إيديها تحت المريلة.
أول ما شافته قالت
يا حبيبي كان لازم تقول إنك جاي.
سامح نزل على ركبته قدامها ومسك إيديها.
وسألها
إنتي بتاكلي هنا من إمتى؟
نوال بصت لجوزها قبل ما ترد.
أنا مرتاحة هنا يا ابني.
عزت عدّل الجلابية بتاعته وقال
أمك ليها عوايدها. إنت لسه جاي ومش فاهم حاجة.
سامح بص ناحية السفرة الكبيرة من باب المطبخ.
زجاجات مفتوحة
مناديل مطرزة
وحلل لسه فيها أكل.
وبعدين بص للطبق اللي أبوه رماه على الأرض.
ماجادلش.
بس قال لأمه
ماما، تحبي تيجي تقعدي معايا؟
ساعدها تقوم.
الحاجة زينب، الطباخة اللي بقالها أكتر من عشرين سنة شغالة في البيت، جابت حلة نضيفة وسخنت لها شوية شوربة.
ولما سامح سحب كرسي جنب السفرة عشان أمه تقعد، نوال مسكت دراعه بقوة وقالت له بصوت واطي
متخليش أبوك يزعل.
الجملة دي وجعته أكتر من الإهانة نفسها.
عزت دخل أوضته وقفل على نفسه.
وعادل خرج وهو بيرن مفاتيح عربيته الجديدة في إيده.
سامح فضل جنب أمه وهي بتاكل.
كان ساكت
بس دماغه كانت بتغلي.
هو ساب البيت وهو عنده 18 سنة، ومعاه مية جنيه بس، كانت أمه حطاهم له في هدومه من غير ما أبوه يعرف.
سافر القاهرة، اشتغل في تحميل الأسمنت، وكان بيدرس بالليل.
وبعد سنين، قدر يعمل شركة لتوزيع مواد البناء.
بقى عنده مخازن
موظفين
وبيت كبير فيه أوض أكتر من اللي محتاجها.
لكن أمه؟
كانت بتنام في الأوضة القديمة اللي كانوا بيحطوا فيها شوالات الغلال.
عرف ده لما دخل معاها يدور لها على بلوفر.
الأوضة كانت مليانة رطوبة.
السرير الحديد قديم، وهدومها معلقة على مسامير في الحيطة.
وفوق الترابيزة، علبة أدوية شبه فاضية.
سامح بص لها وقال
والفلوس اللي ببعتها لك بتروح فين؟
نوال بدأت تعدل البطانية من غير سبب.
البيت عليه مصاريف كتير يا ابني.
سامح كان بيبعت 18 ألف جنيه كل شهر لعادل.
وعادل كان دايمًا يقول له
خلي الحسابات عندي أسهل فتح حساب لماما وتعقيد الموضوع ده ملوش لازمة.
وسامح كان مصدقه.
كان مصدق كمان المكالمات القصيرة
ومصدق لما كانوا يقولوا له إن أمه نايمة ومش قادرة تكلمه.
ومصدق الصور اللي كانت أمه بتظهر فيها دايمًا من بعيد.
بعد الخلاف الكبير اللي حصل بينه وبين أبوه، سامح افتكر إن إرسال الفلوس كفاية.
لكنه اكتشف متأخر جدًا إن الفلوس عمرها ما كانت بديل عن وجوده جنب أمه.
في الليلة دي، طلب من أمه يسمح له يبات في البيت.
وفي الصبح، لقى الحاجة زينب بتلم البيض من ورا البيت.
قرب منها وقال
أنا محتاج أعرف الحقيقة.
زينب بصت ناحية البيت بخوف.
وقالت
وأنا محتاجة أحافظ على شغلي يا ابني.
سامح ماوعدهاش إنه يقدر يواجه أبوه أو يضمن لها حاجة.
بس قال
لو كلامك خلّاك تخسري شغلك، أنا هساعدك. بس مقدرش أفضل مصدق إن كل حاجة هنا تمام.
زينب سابت السلة من إيدها.
وسكتت ثواني.
وبعدين بدأت تحكي.
قالت له إن أمه كانت بتاخد 200 جنيه بالعافية كل فترة.
وإنها كانت بتبيع شغل التطريز اللي بتعمله بإيديها عشان تكمل تمن علاجها.
أما عادل
فكان بيدفع أقساط عربيته الجديدة.
وأبوه عزت كان بيصرف فلوس كتير على مصارعة الديوك والقمار، وكمان فتح محل باسم روحية، واحدة من البلد.
سامح حس إن الأرض بتلف بيه.
زينب كملت
أنا كنت بخبيلها أكل على قد ما أقدر بس أبوك كان بيفتش الحلل بنفسه.
سامح اضطر يسند إيده على السور.
في نفس اليوم، أخد أمه للدكتور.
وبعدها اشترى لها سرير جديد، وقال لها
تعالي نقعد في فندق كام يوم لحد ما أرتب كل حاجة.
نوال هزت راسها برفض.
وقالت
أنا اتولدت هنا يا ابني مش هسيب بيتي كأني أنا اللي عملت حاجة غلط.
سامح سكت.
وفي الآخر وافق إنها تنقل لأوضة فاضية في البيت، قريبة من الأوضة اللي هو هيقعد فيها.
وأثناء ما كانوا بينقلوا السرير القديم
وقعت علبة صفيح قديمة كانت مستخبية تحت السرير.
نوال جريت عليها بسرعة غريبة، ومسكتها قبل ما سامح يلمسها.
وقالِت
دي متترميش.
لكن الغطا كان اتفتح.
ووسط جوابات قديمة لونها اصفر من الزمن، ظهر مستند محروق من أطرافه.
سامح مد إيده وأخده.
بدأ يقرأ.
أول اسم وقعت عينه عليه كان اسم جده.
وتحته مباشرة
اسم أمه.
وبعد الاسمين، كانت فيه كلمة واحدة خلّت قلبه يقف
المالكة.
رفع عينيه لأمه.
نوال ضمت العلبة لصدرها وقالت بصوت مرتعش
أبوك فاكر إنه حرق الورق كله
سكتت لحظة.
وبعدين بصت له وقالت
بس هو مايعرفش إن النسخة دي مش هي أخطر حاجة مخبياها عنه.
حكايات بسمة 
سامح فضل باصص لأمه، وكأنه مستني منها تشرح له اللي قرأه.
يعني إيه المالكة يا ماما؟
نوال قعدت على طرف السرير، وإيديها بتترعش وهي بتضم العلبة لصدرها.
جدك كان عنده أرض كبيرة يا سامح وأبوك مش هو اللي ورثها كلها زي ما إحنا فاكرين.
سامح قرب منها.
أمال مين اللي ورث؟
نوال سكتت.
وبصت ناحية باب الأوضة، كأنها خايفة يكون حد واقف بيسمعهم.
وبعدين قالت
أنا.
سامح اتصدم.
إنتِ؟!
هزت راسها.
أبوك كان عارف إن أبويا كتب جزء كبير من أملاكه باسمي قبل ما أموت. بس يومها كنت صغيرة، وهو أقنعني إن الورق مجرد حصر ميراث وطلب مني أمضي على حاجات كتير.
سامح قلب الورقة بين إيده.
وإنتِ مضيتي؟
أيوه.
من غير ما تعرفي؟
نوال نزلت عينيها.
كنت بثق فيه.
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات في الطرقة.
نوال خطفت الورقة من إيده.
حطها مكانها بسرعة!
سامح ما اتحركش.
الباب اتفتح.
كان عادل واقف.
بص لهم ثواني، وبعدين ابتسم ابتسامة باردة.
إيه اللي بتدوروا عليه؟
سامح رد بهدوء
بننقل حاجات ماما.
عادل دخل خطوتين.
عينه راحت للعلبة.
نوال خبّتها ورا ضهرها.
عادل قرب أكتر.
العلبة دي لسه عندك؟
سامح ثبت نظره عليه.
إنت تعرفها؟
عادل سكت.
ولأول مرة، سامح شاف الخوف في عيني أخوه.
مش خوف على أمه
ولا على أبوه.
خوف على حاجة تانية.
حاجة مرتبطة بالعلبة.
عادل مد إيده.
هاتها.
سامح ضحك بسخرية.
ليه؟
عشان دي حاجات قديمة تخص أبويا.
نوال قالت بسرعة
لأ دي حاجتي.
عادل لف لها.
ماما، بلاش تلعبي بالنار.
الجملة دي خلت سامح يقف.
يعني إيه تلعبي بالنار؟
عادل ما ردش.
لف وخرج من الأوضة.
سامح استنى لحد ما اختفت خطواته، وبعدها قال لأمه
ماما إنتِ مخبية عني إيه؟
نوال دمعت.
كنت خايفة عليك.
من مين؟
من أبوك.
سامح قرب منها.
أنا بقيت راجل يا ماما. قولي الحقيقة.
نوال فتحت العلبة تاني.
طلعت جواب قديم، مربوط بخيط أزرق.
ده آخر جواب كتبه جدك قبل ما يموت.
سامح فتحه.
قرأ أول سطر
فتجمد مكانه.
الجواب كان مكتوب فيه
يا نوال، لو وصلك الجواب ده، يبقى أنا ماقدرتش أحميكي بنفسي. أوعي تمضي على أي ورقة تخص الأرض أو البيت، مهما قال لك عزت.
سامح رفع عينه.
جدي كان عارف؟
نوال هزت راسها.
كان شاكك.
وإيه اللي حصل بعد كده؟
نوال بدأت تتكلم، لكن صوت عربية وقف فجأة قدام البيت.
سامح بص من الشباك.
عربية غريبة نزل منها راجل في الخمسينات، ماسك ملف أسود.
دخل البيت من غير ما يخبط.
وبعد ثواني، سمعوا صوته عالي من الصالة
الحاج عزت موجود؟
سامح خرج من الأوضة.
الراجل أول ما شافه، وقف.
بص له كويس.
وبعدين قال
إنت سامح؟
سامح عقد حاجبه.
أيوه.
الراجل فتح الملف.
يبقى لازم تعرف حاجة قبل ما أبوك يقابلك.
سامح قرب منه.
حاجة إيه؟
الراجل طلع صورة قديمة وحطها قدامه.
سامح مسك الصورة
وكان فيها جده واقف قدام البيت، وبجانبه نوال وهي أصغر بسنين.
لكن الصدمة مش كانت في الصورة.
الصدمة كانت في الشخص الواقف خلفهم.
شخص سامح كان فاكر إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
رفع سامح عينه ببطء.
مين الراجل ده؟
الراجل رد
هو السبب الحقيقي إن أبوك قدر يتحكم في كل حاجة لحد النهارده.
وقبل ما يكمل
جاء صوت عزت من آخر الطرقة
إنت بتعمل إيه هنا؟!الراجل قفل الملف بسرعة.
عزت كان واقف عند باب الصالة، وشه متغير تمامًا.
بص للراجل، وبعدها لسامح.
مين سمح لك تدخل بيتي؟
الراجل رد بهدوء
أنا مش داخل بيتك أنا داخل بيت الست اللي واقف في اسمها.
عزت اتوتر.
اطلع بره!
سامح وقف بينهم.
استنى يا أبويا.
عزت بص له بحدة.
إنت مالك؟
سامح رفع الصورة.
مين الراجل اللي في الصورة؟
عزت سكت.
ثواني طويلة مرت من غير ما حد يتكلم.
وبعدين قال
صورة قديمة ملهاش لازمة.
الراجل ضحك بسخرية.
بالعكس الصورة دي أهم حاجة معايا.
عزت قرب منه.
إنت عايز إيه؟
الراجل فتح الملف من جديد.
عايز أبلغكم إن جلسة تسجيل الملكية اتحددت.
سامح قطب حاجبيه.
ملكية إيه؟
الراجل بص لنوال.
ملكية الأراضي والبيت والمخازن القديمة باسم الحاجة نوال.
نوال شهقت.
عزت انفجر
مستحيل!
سامح لف ناحية أمه.
يعني كل اللي هنا
نوال قاطعته وهي بتعيط
كان بتاع أبويا.
عزت ضرب بإيده على الترابيزة.
أبوكي مات وساب ديون!
الراجل رد فورًا
دي كانت الرواية اللي اتقالت زمان.
طلع ورقة تانية.
لكن عندي أصل عقد الشراكة، وإيصالات الضرائب، وإقرار مكتوب بخط جدك.
سامح أخذ الأوراق.
بدأ يقلب فيها واحدة واحدة.
كل ورقة كانت بتكشف جزء جديد من الحكاية.
الأرض.
البيت.
المخزن.
حتى قطعة الأرض اللي عادل بنى عليها معرض العربيات
كلها كانت مرتبطة باسم نوال.
سامح رفع رأسه ناحية أخوه.
عادل كان واقف عند باب المطبخ، وشه شاحب.
سامح قال
وإنت كنت عارف؟
عادل ما ردش.
عادل!
سكت لحظات، وبعدين قال
كنت عارف إن فيه مشكلة في الورق.
مشكلة؟
أبويا قال لي إن الموضوع خلص من زمان.
الراجل هز راسه.
ماخلصش.
وفجأة، سمعوا صوت حاجة وقعت جوه أوضة عزت.
عزت اتجه بسرعة ناحية غرفته.
سامح لحقه.
لكن قبل ما يدخل، شاف أبوه واقف قدام دولاب خشبي قديم، وإيده على درج صغير.
سامح قال
بتدور على إيه؟
عزت وقف مكانه.
ولا حاجة.
سامح قرب.
افتح الدرج.
ده شأني.
افتحه.
عزت رفض.
سامح مد إيده وفتح الدرج بنفسه.
كان فاضي تقريبًا
إلا من مفتاح نحاسي قديم.
أول ما شافه الراجل اللي جاي بالملف، تغيرت ملامحه.
وقال
المفتاح ده
سامح سأله
بتاع إيه؟
الراجل قرب منه.
بتاع المخزن القديم.
نوال، اللي كانت واقفة عند الباب، حطت إيدها على بُقها.
وقالت بصوت مرتجف
المخزن اللي أبويا منع عزت يدخله؟
عزت صرخ
نوال! كفاية!
لكن
سامح كان خلاص فهم إن الموضوع أكبر من مجرد ورق ميراث.
أخذ المفتاح من الدرج.
وقال
هنروح المخزن دلوقتي.
عزت وقف قدامه.
محدش هيروح في حتة.
سامح بص له بثبات.
المرة دي يا أبويا أنا اللي هقرر.
ولأول مرة في حياته
عزت ما لاقاش رد.
وفي نفس اللحظة، موبايل سامح رن.
رقم مجهول.
رد.
جاله صوت رجل مسن
سامح؟
أيوه، مين؟
لو معاك المفتاح متفتحش المخزن.
سامح سكت.
ليه؟
الصوت رد
لأن أبوك مش مخبي فلوس هناك
وسكت ثواني.
هو مخبي الدليل اللي ممكن يضيّع كل حاجة بناها طول السنين.
سامح بص لأبوه.
ولقى عزت واقف بعيد
وبيسمع المكالمة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت إن عزت بدأ يبكي.
لأول مرة سامح يشوف أبوه بيعيط.
وقال بصوت مكسور
أنا عملت كل ده عشان أحميكم.
سامح اتجمد.
تحمينا من مين؟
عزت بص ناحية نوال.
وبعدين قال
من الشخص اللي قتل جدك سامح حس إن قلبه وقف.
إنت بتقول إيه يا أبويا؟
عزت مسح دموعه بسرعة، وكأنه ندم إنه أظهر ضعفه.
جدك ما ماتش زي ما الناس قالت.
نوال شهقت.
عزت اسكت.
سامح لف لها.
ماما، إنتِ كنتِ عارفة؟
نوال هزت راسها وهي بتبكي.
كنت أعرف إن فيه حاجة غلط بس أبوك خلاني أصدق إن السكوت هو الحل.
الراجل صاحب الملف تدخل
السكوت كان الحل وقتها لكنه بقى المشكلة دلوقتي.
سامح بص له.
إنت مين أصلًا؟
الراجل سكت لحظة.
وبعدين قال
اسمي فؤاد. كنت شريك جدك في التجارة.
عزت ضحك بمرارة.
شريك؟
فؤاد بص له.
أيوه، وكنت آخر واحد شاف جدك قبل ما يختفي.
سامح قرب منه.
يختفي؟
فؤاد فتح الملف وطلع ورقة قديمة.
في الليلة اللي اختفى فيها جدك، كان مجهز الورقة دي.
سامح أخذها.
قرأها بصوت منخفض
لو حصل لي أي حاجة المسؤول عن إدارة أملاكي هو ابنتي نوال، وليس زوجها عزت.
رفع عينه بسرعة.
طيب ليه الورقة دي ما اتنفذتش؟
فؤاد بص ناحية عزت.
لأن الورقة الأصلية اختفت.
سامح فهم فجأة.
وأبويا كان آخر واحد في البيت؟
عزت رد بعصبية
كنت بحاول أحمي أمك!
سامح صرخ
من مين؟!
عزت سكت.
نوال قالت بصوت ضعيف
من أخويا.
سامح اتصدم.
خالي؟
نوال هزت رأسها.
كان عايز ياخد كل حاجة لنفسه. ولما جدك رفض، بدأ يضغط عليه.
فؤاد أضاف
لكن جدك



كان أذكى منه. خبّى أهم مستند في مكان محدش يتوقعه.
سامح رفع المفتاح.
في المخزن؟
فؤاد قال
أيوه.
عزت اتجه للباب بسرعة.
سامح مسك دراعه.
استنى.
عزت حاول يفلت.
سيبني يا سامح.
مش هسيبك لحد ما أعرف الحقيقة كاملة.
عزت بص له طويلاً.
وبعدين قال
لو فتحت المخزن حياتك كلها هتتغير.
سامح رد
حياتي اتغيرت من أول ما شفت أمي بتاكل بواقي الأكل.
نوال بدأت تبكي.
سامح، متروحش.
قرب منها ومسك إيدها.
المرة دي مش هسيبك لوحدك.
وبعد دقائق، خرج سامح وفؤاد ونوال إلى المخزن القديم.
كان موجودًا خلف البيت، بابه الحديدي عليه طبقات تراب وصدأ.
سامح دخل المفتاح.
لفه مرة
المفتاح ما اتحركش.
لفه للمرة التانية.
فجأة
سمعوا صوت تك.
الباب اتفتح سنتيمتر واحد.
لكن قبل ما سامح يمد إيده
وقع شيء من أعلى الباب.
ظرف بني قديم.
فؤاد انحنى وأخذه.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
إلى نوال لو سامح عرف الحقيقة.
سامح تجمد.
اسمي مكتوب عليه؟
نوال قربت ببطء.
جدك كان يعرف إنك هتدور ورا الحقيقة يومًا ما.
سامح فتح الظرف.
لكن الورقة اللي جواه كانت ناقصة.
كان فيه نصف صفحة فقط.
وفي آخر سطر منها
الجزء الثاني من الدليل موجود مع الشخص الذي ربّى سامح بعيدًا عن عيني
سامح رفع رأسه فجأة.
إيه الكلام ده؟
نوال وشها اصفر.
فؤاد بص لها.
نوال هو مش عارف؟
سامح قرب منهم.
مش عارف إيه؟
نوال سكتت.
سامح صرخ
ماما!
نوال غطت وشها بإيديها.
وبعد ثواني قالت
أبوك قال لي طول عمرك إنك سافرت لوحدك وأنت عندك 18 سنة
سكتت.
لكن الحقيقة يا سامح إنك ما خرجتش من البيت لوحدك.
سامح حس إن رجليه مش شايلينه.
أمال مين أخدني؟
نوال بصت لفؤاد.
وفؤاد قال بهدوء
الراجل اللي ربّاك بعيد عن عيلتك كان أقرب شخص لجدك.
سامح اتراجع خطوة.
وأنا أعرفه؟
فؤاد هز رأسه.
أكتر مما تتخيل.
وفجأة
اتسمع صوت عربية بتقف قدام المخزن.
الكل لف ناحية الباب.
عادل نزل من العربية، وكان ماسك ظرف أبيض في إيده.
وقال من بعيد
سامح لازم تشوف الورقة دي قبل ما تفتح أي حاجة.
رفع الظرف.
لأنها بتثبت إن أبويا ماكانش هو اللي سرق حق أمي.
وسكت لحظة.
أنا لقيتها النهارده في مكتبه.
سامح بص للظرف
ثم بص لأمه.
لأن نوال بمجرد ما شافته، قالت كلمة واحدة
الورقة دي مستحيل تكون موجودة عادل قرب منهم وهو ماسك الظرف بإيد مرتعشة.
سامح أخده منه.
لقيته فين؟
عادل رد
في درج سري ورا مكتبة أبويا.
سامح بص لأمه.
افتحيه إنتِ.
نوال رفضت في البداية، لكن سامح حط الظرف قدامها.
ماما، كفاية أسرار.
إيدها كانت بتترعش وهي بتفتح الظرف.
طلعت ورقة واحدة.
نوال قرأت أول سطر
وفجأة وشها اتغير.
دي مش إمضتي.
سامح أخد الورقة.
كان مكتوب فيها إن نوال تنازلت عن جميع حقوقها في الأرض والبيت والمخازن لصالح زوجها عزت.
لكن التوقيع الموجود في آخر الصفحة كان مزورًا.
فؤاد قرب منها.
كنت متأكد.
سامح بص لعادل.
وإنت عرفت منين إن الورقة دي مهمة؟
عادل سكت.
سامح كرر
عادل.
أخوه بلع ريقه.
لأني سمعت أبويا بيتكلم عنها من كام سنة.
مع مين؟
مع خالي.
نوال شهقت.
أخويا رجع؟
عادل هز رأسه.
مش بس رجع هو اللي كان بياخد فلوس من أبويا.
سامح حس إن الصورة بدأت تكتمل.
يعني خالي كان شريك أبويا؟
عادل قال
كان بيضغط عليه.
فؤاد قاطعهم
مش شريك.
وسكت لحظة.
كان بيبتزه.
سامح عقد حاجبيه.
ليه؟
فؤاد أشار للورقة.
لأن التزوير ده مش أول ورقة اتعملت.
وبعدين أخرج من ملفه صورة صغيرة.
حطها قدام سامح.
دي صورة من سجل قديم.
سامح قرأ الأسماء.
ثم توقف.
اسم نوال
واسم عزت
واسم ثالث.
رفع رأسه.
الاسم ده مين؟
نوال قربت من الصورة.
وبمجرد ما شافته، وقعت على الكرسي.
لا
سامح أمسك كتفها.
ماما، مين ده؟
نوال قالت بصوت مخنوق
ده عمك رجب.
سامح اتصدم.
عمي اللي مات من زمان؟
نوال هزت رأسها.
الناس قالت إنه مات.
فؤاد قال بهدوء
محدش شاف جثته.
ساد الصمت.
حتى عادل، اللي كان طول الوقت بيتكلم، ما بقاش قادر ينطق.
سامح قال
يعني عمي ممكن يكون عايش؟
فؤاد ما ردش.
بدلًا من ذلك، أخرج ورقة صغيرة من الملف.
فيه عنوان.
سامح أخدها.
العنوان كان في قرية بعيدة، على بعد ساعات من بلدهم.
وتحته مكتوب
البيت الذي عاش فيه رجب باسم مختلف.
نوال مسكت إيد سامح.
متروحش.
سامح بص لها.
ليه؟
لأن جدك كان خايف منه أكتر من أي حد.
وقبل ما سامح يرد، رن هاتفه.
رقم مجهول.
رد.
جاله صوت رجل كبير
سامح لو عايز تعرف الحقيقة عن جدك وأبوك وأمك، متروحش للعنوان اللي معاك.
سامح سأل
إنت مين؟
الرجل قال
أنا الشخص اللي أخدك من البيت وأنت عندك 18 سنة.
سامح تجمد.
مستحيل
الصوت كمل
وأبوك كان فاكر إني أخدتك عشان أهربك منه.
سامح بص ناحية عزت.
كان أبوه واقف بعيد، ووشه مليان خوف.
الرجل قال
لكن الحقيقة إن أبوك هو اللي طلب مني آخدك.
سامح صرخ
ليه؟!
الصوت سكت ثواني.
ثم قال
لأن في الليلة دي كان فيه حد داخل البيت ناوي يقتلك.
وانقطع الاتصال.
سامح فضل ماسك الموبايل، مش قادر يتحرك.
لكن قبل ما يستوعب كلامه
عادل قرب منه وقال
سامح
سامح بص له.
عادل كان ماسك ورقة تانية.
أنا لقيت دي تحت مكتب أبويا.
مدها له.
سامح فتحها.
وكان أول سطر فيها
لو سامح رجع للبلد لازم يتمنع من دخول المخزن.
سامح رفع عينه ببطء.
ثم بص لباب المخزن المفتوح.
وفجأة
سمعوا صوت ارتطام قوي جوا المخزن.
الكل سكت.
سامح همس
إحنا مش لوحدنا سامح ثبت مكانه.
الصوت جاي من جوه المخزن.
فؤاد رفع إيده يمنعه.
متدخلش لوحدك.
سامح بص له.
أمي جوه البيت، وأنا مش هسيب حد يستخبى هنا.
أخد كشاف من جنب الباب، ودخل خطوة بخطوة.
المخزن كان ضلمة وريحتُه تراب ورطوبة.
كراتين قديمة فوق بعضها
أجولة مهترئة
وأرفف مليانة دفاتر.
وفجأة سمع صوت تنفس.
سامح وجه الكشاف ناحية الركن.
مفيش حد.
لكن كان فيه صندوق خشب صغير واقع على الأرض.
قرب منه.
ولاحظ إن الصندوق كان مفتوح.
جواه شريط كاسيت قديم.
وفوقه ورقة مكتوب عليها
تشغّل بعد ما تعرف مين كان بيكذب عليك.
سامح رجع خطوة.
فؤاد!
فؤاد دخل بسرعة.
أول ما شاف الشريط، وشه اتغير.
ده شريط جدك.
سامح سأله
إنت متأكد؟
أنا كنت موجود يوم تسجيله.
سامح حط الشريط في جهاز قديم موجود على الرف.
ضغط تشغيل.
طلع صوت تشويش
وبعدين صوت رجل عجوز.
كان صوت جده.
لو سامح بيسمع التسجيل ده يبقى أنا ماقدرتش أوصل له الحقيقة وأنا عايش.
نوال كانت واقفة عند الباب.
دموعها نزلت فورًا.
الصوت كمل
يا سامح، أبوك مش هو الشخص الوحيد اللي ظلم أمك لكن كمان مش هو الشخص الوحيد اللي حاول يحميها.
سامح بص ناحية عزت.
عزت كان واقف بره المخزن، ساكت.
صوت الجد استمر
أنا كتبت أملاك بنتي باسمها، وعملت نسخة من كل الأوراق. لكن فيه شخص من العيلة حاول يزوّر التنازل.
فجأة التسجيل اتقطع.
سامح ضرب الجهاز بإيده.
ليه وقف؟!
فؤاد قال
الشريط اتقطع.
سامح بص للصندوق.
أكيد فيه الجزء التاني.
بدأوا يفتشوا.
بعد دقائق، عادل صرخ
لقيته!
كان ماسك شريط صغير ملفوف في قطعة قماش.
سامح أخده.
شغله.
رجع صوت الجد
الشخص اللي زور الأوراق مش عزت.
نوال شهقت.
سامح بص لأبوه.
عزت نزل عينيه.
الصوت كمل
لكن عزت عرف، وسكت.
سامح قفل عينه للحظة.
وبعدين التسجيل قال
ولو سامح عرف الحقيقة، لازم يعرف ليه أبوه سكت.
صمت.
ثم جاء صوت طرقات قوية على باب المخزن.
ثلاث طرقات.
كلهم بصوا ناحية الباب.
فؤاد همس
محدش كان يعرف إننا هنا.
الطرقات تكررت.
سامح قرب من الباب.
مين؟
جاء صوت رجل من الخارج
أنا جاي آخد حقي.
نوال تراجعت للخلف.
عزت قال بصوت منخفض
رجب.
سامح لف له بسرعة.
عمي؟
عزت ما ردش.
الباب بدأ يهتز.
ضربة قوية
ثم ضربة ثانية.
المسمار القديم خرج من مكانه.
سامح وقف قدام أمه.
وعادل مسك عصا خشبية كانت جنب الحائط.
الضربة الثالثة كانت أقوى.
وفجأة الباب اتفتح.
لكن مفيش حد واقف.
فقط ظرف أبيض سقط على الأرض.
سامح انحنى وأخده.
مكتوب عليه
لسامح وحده.
فتح الظرف.
كان جواه مفتاح صغير، وصورة له وهو طفل.
وعلى ظهر الصورة جملة واحدة
لو عايز تعرف مين أنقذك يوم اختفيت اسأل أمك عن اللي حصل في محطة القطار.
سامح رفع عينه ناحية نوال.
وشها كان أبيض تمامًا.
وقال
ماما
إنتِ كنتِ هناك يوم أنا اختفيت؟
نوال بدأت تبكي.
لكنها لم تجب.
وعادل قال فجأة
أنا كنت هناك.
سامح بص له بصدمة.
إنت؟!
عادل هز رأسه.
وشفت الشخص اللي أخدك.
سامح قرب منه.
مين كان؟
عادل فتح بقه
لكن قبل ما ينطق، سمعوا صوت سيارة بتتحرك بسرعة أمام البيت.
فؤاد جرى ناحية الباب.
صرخ
حد كان واقف بره!
سامح خرج يجري.
لكن العربية كانت اختفت.
وعلى الأرض أمام المخزن، كانت فيه ورقة صغيرة.
سامح التقطها.
قرأها.
ثم اتغيرت ملامحه تمامًا.
لأن الورقة كانت تحمل اسمًا واحدًا فقط
نوال سامح بص في وشوشهم واحد واحد.
الرسالة كانت لسه مفتوحة على شاشة الموبايل.
خمس دقايق لإيه؟
محدش رد.
سامح لف ناحية عادل.
وريني موبايلك.
عادل اتوتر.
ليه؟
لأن الرسالة قالت إن الدليل ممكن يتمسح.
وإيه علاقتي؟
سامح مد إيده.
موبايلك.
عادل رفض.
وفي اللحظة دي، سامح لاحظ حاجة صغيرة
إيد عادل كانت بتترعش.
سامح قرب منه.
إنت كنت عارف إن المخزن فيه حاجة.
عادل قال بسرعة
لأ.
كنت عارف إن أبويا مخبي أوراق.
لأ.
وكنت عارف إن عمنا رجب ممكن يكون عايش.
عادل سكت.
سامح صرخ
عادل!
عادل انهار على الكرسي.
أنا ماكنتش عايز أذي حد!
نوال قربت منه.
عملت إيه يا ابني؟
عادل حط وشه بين إيديه.
أبويا طلب مني من كام شهر أدور على العلبة.
سامح اتجمد.
عشان كده كنت بتراقب ماما؟
لأ كنت بدور على الورق.
والفلوس اللي كنت باخدها كل شهر؟
عادل رفع عينه.
أبويا كان بيقول لي إنها مصاريف البيت.
سامح ضحك بمرارة.
ومصاريف العربية الجديدة؟
عادل سكت.
نوال قالت
يا عادل
قال بصوت ضعيف
أنا غلطت.
سامح قرب منه.
الغلط إنك أخدت فلوسي.
عادل نزل عينه.
لكني ماكنتش عارف إنك بتبعت 18 ألف كل شهر.
سامح اتصدم.
أمال كنت فاكر الفلوس جاية منين؟
عادل ما ردش.
فجأة، فؤاد أشار ناحية الساعة.
الوقت بيعدي.
سامح رجع للموبايل.
كانت الرسالة الأولى اختفت.
وبدلها ظهرت رسالة جديدة
اتأخرت.
ثم ظهرت صورة.
صورة لدرج مكتب عزت.
الصورة كانت جديدة.
سامح بص لأبوه.
مين كان في مكتبك النهارده؟
عزت رد
محدش.
سامح فتح الصورة على أكبر حجم.
ظهر في الخلفية شيء صغير.
ورقة مطوية نصفين.
سامح قال
دي الورقة اللي بندور عليها.
عزت اندفع ناحية باب المخزن.
متقربش من المكتب!
سامح جرى وراه.
دخلوا البيت.
عزت وصل للمكتب قبله، لكنه وقف فجأة.
الدرج كان مفتوحًا.
والورقة اختفت.
على المكتب كان فيه ظرف أبيض جديد.
سامح أخده.
فتح الظرف.
فيه مفتاح صغير، ومعاه ورقة مكتوب عليها
المفتاح ده هيفتح المكان اللي اتدفن فيه سر جدك لكن مش في المقابر.
سامح بص لفؤاد.
يعني إيه؟
فؤاد كان شاردًا.
ثم قال
جدك كان عنده مزرعة قديمة.
نوال شهقت.
المزرعة اتباعت.
فؤاد هز رأسه.
لأ.
أنا متأكدة.
الورق الرسمي بيقول كده.
سامح قال
لكن الحقيقة؟
فؤاد بص له.
الحقيقة إن المزرعة ما اتباعتش.
عزت قعد على الكرسي.
كفاية
سامح لف له.
إنت عارف مكانها.
عزت سكت.
سامح قرب.
صح؟
عزت غطى وشه.
وبعد لحظات قال
أيوه.
فين؟
عزت رفع عينه.
تحت البيت القديم.
نوال قامت فجأة.
عزت البيت القديم اتهد من عشرين سنة!
عزت رد
الجزء اللي فوق الأرض آه.
سامح اتجمد.
والجزء اللي تحت؟
عزت لم يجب.
فؤاد قال
القبو.
سامح فهم.
فيه قبو تحت البيت؟
عزت هز رأسه.
جدك بناه ومحدش كان بيدخله غيره.
سامح أخذ المفتاح.
يبقى هنروح دلوقتي.
عزت وقف بسرعة.
لأ.
سامح بص له.
ليه؟
عزت قال بصوت مرتعش
لأن آخر مرة دخلت المكان ده
سكت.
لقيت حاجة خلتني أخاف على حياتكم كلها.
سامح قرب منه.
إيه اللي لقيته؟
عزت بص لنوال.
ثم قال
لقيت رسالة من جدك.
مكتوب فيها إيه؟
عزت همس
يا عزت لو دخلت القبو، اعرف إن اللي قتله مش بعيد عنك.
وساد الصمت.
ثم جاء صوت طرق خفيف على باب البيت.
ثلاث طرقات.
نوال بصت ناحية الباب.
وسامح قال
محدش يتحرك.
الطرقات تكررت.
ثم جاء صوت رجل من الخارج
سامح أنا جاي أرجع لك حاجة تخص أمك.
سامح تجمد.
لأن الصوت
كان نفس الصوت اللي كلمه في الهاتف سامح وقف مكانه، وعينه على باب البيت.
الرجل بره خبط مرة تانية.
سامح افتح.
عزت قرب من الباب بسرعة.
متفتحش.
سامح بص له.
إنت تعرف صوته؟
عزت ما ردش.
نوال قالت بصوت مرتجف
أنا أعرفه.
سامح لف لها.
مين؟
نوال قربت من الباب، لكن عزت منعها.
متقوليش اسمه.
الرجل من الخارج قال
نوال أنا عارف إنك سامعاني.
نوال حطت إيدها على بُقها.
سامح فهم إن المسألة مش مجرد أوراق.
فتح الباب فجأة.
الرجل كان واقف بعيد خطوتين، في إيده حقيبة جلد قديمة.
سامح بص له.
كان رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض ووشه متعب.
الرجل قال
أنا اسمي كمال.
فؤاد شهق.
كمال؟!
كمال بص له.
لسه عايش يا فؤاد.
سامح سأله
إنت اللي كنت بتكلمني؟
كمال هز رأسه.
أيوه.
وإنت اللي أخدتني من البيت وأنا عندي 18 سنة؟
كمال بص لعزت.
أبوك هو اللي طلب مني.
سامح لف ناحية أبوه.
ليه؟
عزت ما ردش.
كمال حط الحقيبة على الترابيزة.
لأن في الليلة دي كان فيه حد داخل البيت يدور على المستندات، ولما ملقاش اللي عايزه قرر يستخدمك للضغط على أمك.
سامح سأل
مين؟
كمال قال
رجب.
نوال انهارت على الكرسي.
أخويا
كمال أخرج من الحقيبة صورة قديمة.
دي آخر صورة لرجب قبل ما يختفي.
سامح بص للصورة.
كان الرجل الموجود فيها أكبر سنًا، لكن ملامحه واضحة.
فجأة عادل قال
دي مش آخر صورة.
الجميع بص له.
عادل كان واقف عند الباب.
أنا شفت صورة أحدث منها.
كمال عقد حاجبيه.
فين؟
عادل قال
في مكتب أبويا.
سامح سأله
وإنت ليه مخبي ده؟
عادل رد
لأني كنت خايف.
كمال قال
الخوف هو اللي خلّى عيلتكم تضيع عشرين سنة.
سامح فتح الحقيبة.
كان جواها دفتر قديم، ومفتاح، وشريط تسجيل.
أخذ الدفتر.
في أول صفحة كان مكتوب
حسابات


المزرعة نوال.
سامح قلب الصفحات.
أرقام كثيرة
أسماء
وتواريخ.
وفي آخر الصفحة، كان فيه مبلغ ضخم مكتوب بجانبه
تم سحبه بأمر من عزت.
سامح رفع عينه لأبوه.
إنت سحبت الفلوس دي؟
عزت قال
أيوه.
ليه؟
عشان أحمي أمك.
سامح ضرب الدفتر على الترابيزة.
كل حاجة بتقولها مرتبطة بحمايتنا!
عزت سكت.
كمال قال
لأنه كان بيحاول يصلح غلطة قديمة.
سامح بص له.
غلطة إيه؟
كمال فتح الشريط.
اشتغل التسجيل.
طلع صوت عزت نفسه، أصغر سنًا
أنا مش هقدر أسيبها تعرف الحقيقة لو عرفت، هتدور ورا رجب، ورجب مش هيسيبها.
سامح تجمد.
ثم جاء صوت رجل آخر في التسجيل.
صوت لم يسمعه من قبل.
ولو سامح كبر وسأل؟
عزت رد
هقوله إن جده مات طبيعي وإن رجب اختفى وإن أمه مالهاش أي حق في الأرض.
سامح قفل التسجيل.
البيت كله سكت.
نوال كانت بتبكي.
سامح قال لأبوه
إنت كذبت عليا طول عمري.
عزت رد بصوت مكسور
عشان تفضل عايش.
كمال فجأة قال
لكن فيه حاجة أهم.
أخرج آخر ورقة من الحقيبة.
أنا ماجيتش النهارده عشان أتكلم عن الماضي.
سامح أخد الورقة.
كان عليها عنوان.
ده عنوان إيه؟
كمال قال
المكان اللي موجود فيه رجب.
سامح رفع رأسه.
هو عايش؟
كمال هز رأسه.
أيوه.
ثم أضاف
وطلب يقابلك الليلة.
سامح سأل
ليه؟
كمال بص لنوال.
لأنه قال إن معاه آخر جزء من الحقيقة.
وسكت لحظة.
وقال إن الشخص اللي قتل جدك لسه عايش، ولسه قريب منكم سامح حس إن الكلام نزل عليه زي الصاعقة.
يعني رجب عايش كل السنين دي؟
كمال هز رأسه.
أيوه.
عزت وقف فجأة.
سامح، متروحش.
سامح لف له.
ليه؟
عزت قرب منه.
لأن رجب مش هيقول الحقيقة ببلاش.
سامح ضحك بمرارة.
وإنت عايزني أفضل عايش طول عمري وسط نص حقائق؟
نوال قامت بصعوبة.
سامح خدني معاك.
سامح رفض فورًا.
لأ يا ماما.
دي حكايتي.
وإنتي كفاية عليكي اللي شوفتيه.
لكن نوال أمسكت إيده.
أنا فضلت ساكتة سبعة وعشرين سنة ومش هفضل ساكتة أكتر.
كمال قال
رجب طلب إن نوال تكون موجودة.
عزت اتوتر.
ليه؟
كمال رد
لأنه قال إن عندها جواب من جدها ماوصلش لصاحبه.
سامح بص لأمه.
عندك جواب تاني؟
نوال سكتت.
سامح فهم.
ماما!
نوال فتحت حقيبتها القديمة.
طلعت منها ورقة مطوية بعناية.
كنت خايفة أطلعها.
سامح فتحها.
كان خط الجد واضح.
نوال لو عزت طلب منك تسكتي، اسكتي عن كل شيء إلا عن الحقيقة اللي تخص سامح.
سامح وقف عن القراءة.
تخصني أنا؟
نوال قالت
آه.
قرأ باقي السطر
ابنك لم يكن سببًا في تركه للبيت بل كان سببًا في إنقاذه.
سامح رفع عينه.
أنا مش فاهم.
كمال قال
هتفهم لما تشوف رجب.
بعد ساعة، خرج سامح مع أمه وكمال.
عزت فضل واقف عند باب البيت.
قبل ما العربية تتحرك، ناداه سامح.
أبويا.
عزت بص له.
لو كنت بتقول الحقيقة
سكت سامح لحظة.
هسامحك.
عزت دمعت عينه.
ولو كنت بكذب؟
سامح رد
ساعتها مش هعرف أناديك أبويا.
وانطلقت العربية.
بعد ساعتين، وصلوا لبيت قديم في أطراف قرية بعيدة.
كمال نزل أولًا.
خبط على الباب.
بعد ثواني، فتح رجل عجوز.
سامح أول ما شافه
حس إن ملامحه مألوفة بشكل غريب.
الرجل بص لنوال.
عينه دمعت.
أختي
نوال وقفت مكانها.
رجب؟
الرجل هز رأسه.
نوال قربت منه، لكن توقفت قبل ما تلمسه.
إنت عايش؟
رجب قال
عشت وأنا مستني اليوم اللي أرجع فيه.
سامح قرب.
ليه اختفيت؟
رجب بص له طويلًا.
عشان أبوك كان فاكر إني السبب في موت جدك.
سامح قال
وإنت كنت السبب؟
رجب هز رأسه.
لأ.
كمال قال
قول له الحقيقة.
رجب دخل البيت.
وأشار لهم يقعدوا.
طلع صندوق خشبي صغير.
حطه قدام سامح.
ده كان عند جدك.
سامح فتحه.
جواه صور قديمة، ومستندات، ومفتاح مختلف.
ثم وجد ظرفًا مكتوبًا عليه
إلى سامح عندما يبلغ 30 عامًا.
سامح اتجمد.
أنا عندي 28.
رجب قال
عارف.
مين كتب ده؟
رجب بص له.
جدك.
سامح فتح الظرف.
قرأ أول سطر
وبدأ وشه يتغير.
يا سامح لو وصلت للرسالة دي، يبقى أبوك نفذ وعده.
سامح رفع عينه.
وعد إيه؟
رجب قال
وعد إنه يخليك بعيد عن البيت لحد ما تكبر.
سامح رجع للرسالة.
وفي السطر التالي قرأ
لأن اللي حصل ليلة اختفائي لم يكن محاولة سرقة كان محاولة لإخفاء شهادة.
سامح قال
شهادة مين؟
رجب رد
شهادتي.
إنت شفت إيه؟
رجب سكت طويلًا.
ثم قال
شفت الشخص اللي دخل على جدك.
سامح اقترب.
مين؟
رجب رفع عينه.
شخص محدش في عيلتكم كان يشك فيه.
وسكت.
وكان موجود هنا النهارده.
سامح تجمد.
موجود فين؟
رجب أشار للباب.
برا.
الجميع التفتوا.
كان فيه ظل واقف خلف الزجاج.
ثم سمعوا صوت المفتاح وهو بيدخل في قفل الباب.
رجب همس
وصل الباب بدأ يتفتح ببطء.
سامح وقف، وحط أمه خلفه.
كمال مد إيده يمنعه من الاقتراب.
لكن الباب اتفتح بالكامل
ودخل رجل في أواخر الستينات.
سامح أول ما شافه، اتجمد.
كان يعرفه.
مش معرفة قريبة
لكن شافه عشرات المرات في طفولته.
كان عم جابر، جار جده القديم، والرجل اللي كان أبوه دايمًا بيقول عنه
ده راجل أمين، جدك كان بيثق فيه أكتر من نفسه.
سامح بص لرجب.
هو ده؟
رجب هز رأسه.
أيوه.
جابر قفل الباب بهدوء.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
نوال قالت
إنت عملت إيه لأبويا؟
جابر ما ردش.
حط عصاه جنب الحائط، وقعد.
أنا ماقتلتش أبوكي.
سامح قال
بس إنت كنت موجود.
أيوه.
وشفت مين؟
جابر سكت.
رجب قال
اتكلم.
جابر بص لنوال.
أبوكي في الليلة دي كان عارف إن حد بيزور الإمضات وبيسحب فلوس من حساباته.
نوال قالت
مين؟
جابر رد
عزت.
سامح اتجمد.
أبويا؟
جابر هز رأسه.
أيوه لكن مش لوحده.
سامح قرب منه.
مع مين؟
جابر أخرج ورقة من جيبه.
مع أخوكي عادل.
سامح اتصدم.
عادل كان طفل!
جابر قال
مش عادل ابنك عادل أخو أمك.
نوال شهقت.
أخويا؟
أيوه.
رجب قال
أخوكي كان اسمه عادل قبل ما يغير اسمه ويسافر.
نوال حطت إيدها على صدرها.
مستحيل
سامح بدأ يفهم إن كل حاجة كانت متشابكة بأسماء قديمة.
لكن جابر قال
المشكلة إن أخوكي ماكانش هو اللي بيزور الإمضات.
أمال مين؟
جابر بص مباشرة في عين سامح.
أنا.
ساد صمت ثقيل.
سامح اتراجع خطوة.
إنت؟
جابر هز رأسه.
جدك أجبرني.
ليه؟
لأن عنده سر لو خرج للناس كان هيضيع كل العيلة.
نوال صرخت
إيه السر؟
جابر فتح حقيبته.
أخرج مستندًا قديمًا.
جدك كان عامل حساب سري، وكل فلوسه كانت بتروح لمكان واحد.
سامح أخذ الورقة.
فين؟
جابر قال
لمؤسسة خيرية باسم شخص مجهول.
سامح قطب حاجبيه.
مين الشخص؟
جابر أشار لاسم مكتوب في أسفل الصفحة.
سامح قرأه.
وبمجرد ما قرأ الاسم، رفع عينه بصدمة.
لأن الاسم كان
نوال عزت.
نوال شهقت.
أنا؟!
رجب قال
جدك كان بيحط الفلوس باسمك عشان يضمن مستقبلك.
سامح قال
طيب ليه أبويا خبّى كل ده؟
جابر رد
لأن الأموال اختفت.
سامح سأل
مين سرقها؟
جابر سكت.
ثم قال
الشخص اللي كان ماسك الحسابات.
سامح قال
مين؟
جابر بص ناحية الباب.
أبوك.
نوال بدأت تهز رأسها.
لا
جابر أضاف بسرعة
لكن عزت ماكانش بيستخدم الفلوس لنفسه.
سامح وقف ساكت.
أمال كان بيعمل بيها إيه؟
جابر قال
كان بيدفع منها مصاريف علاج جدك سرًا، وبيسدد ديون اتراكمت عليه بسبب شخص تاني.
سامح سأله
مين الشخص ده؟
جابر فتح آخر درج في الحقيبة.
طلع صورة.
حطها قدام سامح.
سامح نظر للصورة.
كان فيها عزت
وبجانبه رجل لم يره من قبل.
لكن رجب بمجرد ما شاف الصورة قال
ده هو.
سامح سأله
هو مين؟
رجب رد
الشخص اللي جدك كان خايف منه.
ثم قلب جابر الصورة.
كان مكتوبًا خلفها
لو حصل لي أي شيء لا تثقوا في الشخص الذي يحمل مفتاح القبو.
سامح بص للمفتاح اللي معاه.
ثم رفع عينه ببطء.
أنا معايا المفتاح.
جابر هز رأسه.
لأ.
إيه؟
جابر قال
المفتاح اللي معاك مش بتاع القبو.
ثم أشار للمفتاح الموجود في الصندوق.
ده هو مفتاح القبو الحقيقي.
سامح مد إيده وأخده.
وفي اللحظة نفسها
رن هاتف نوال.
نوال بصت للشاشة.
رقم مجهول.
ردت.
جاءها صوت هادئ
لو سامح معاك قولي له إن أبوه وصل قبله.
سامح خطف الهاتف.
مين؟
الصوت رد
روحوا البيت القديم لو عايزين تعرفوا مين كان بيحرك كل الخيوط.
وانقطع الخط.
سامح بص لرجب.
هنروح دلوقتي.
رجب هز رأسه.
روحوا.
ثم قال جملة جعلت سامح يتوقف عند الباب
بس لو لقيتوا أبوك جوه القبو
سكت.
متصدقوش أول كلمة هيقولها سامح فضل واقف عند الباب ثواني.
جملة رجب كانت بتتردد في دماغه
متصدقوش أول كلمة هيقولها.
ركب العربية مع أمه وكمال، ورجب أصر يروح معاهم.
طول الطريق، نوال كانت ساكتة.
سامح بص لها.
ماما إنتِ عارفة إن أبويا راح البيت القديم؟
نوال هزت رأسها.
لا.
طيب مين اللي اتصل؟
معرفش.
كمال قال من المقعد الأمامي
مهما كان واضح إن حد عايزنا نوصل للقبو.
سامح سأله
عايزنا نلاقي إيه؟
كمال رد
مش عارف.
ثم سكت لحظة.
لكني متأكد إن جدك ماكانش بيكتب رسائل من غير سبب.
بعد حوالي ساعة، وصلوا للبيت القديم.
كان المكان شبه مهجور.
الجدران متشققة، والشبابيك مكسورة، والباب الخشبي مائل.
سامح نزل.
وأول حاجة لاحظها
آثار عربية جديدة على التراب.
قال
حد كان هنا قريب.
دخلوا.
البيت كان فاضي تمامًا.
لكن في منتصف الصالة، كان فيه كرسي مقلوب.
وعلى الأرض
ولاعة فضية.
نوال انحنت وأخذتها.
دي بتاعة أبوك.
سامح بص لها.
متأكدة؟
أنا اللي اشتريتها له من أكتر من عشرين سنة.
كمال أشار للأرض.
بصوا هنا.
كان فيه أثر أقدام متجه ناحية آخر طرقة.
سامح مشي وراها.
وصلوا لباب صغير شبه مخفي خلف خزانة قديمة.
زق الخزانة.
ظهر باب حديدي.
سامح أخرج المفتاح.
حطه في القفل.
لفه.
تك.
الباب اتفتح.
نزلوا سلم ضيق لتحت.
كل درجة كانت بتطلع صوتًا مزعجًا.
وفي آخر السلم، ظهرت غرفة كبيرة تحت الأرض.
سامح وجه الكشاف.
على الحائط كانت فيه صور قديمة.
صور لجده
لنوال
لعزت
ولسامح وهو طفل.
سامح اتجمد.
مين كان بيصورنا؟
كمال قرب من الصور.
الشخص اللي كان بيراقب العيلة.
وفجأة نوال قالت
دي مش كل الصور.
أشارت لزاوية بعيدة.
كانت هناك لوحة كبيرة مغطاة بقماش.
سامح سحب القماش.
وتجمد الجميع.
كانت اللوحة عبارة عن شجرة عائلة.
وتحت اسم نوال مباشرة
كان فيه اسم شخص آخر.
سامح قرأه بصوت منخفض
محمود الابن الأكبر.
نوال شهقت.
محمود مات وهو صغير.
كمال بص لها.
ده اللي اتقال لك.
نوال بدأت تهز رأسها.
لا أنا شفته.
سامح قرب منها.
شفتِ مين؟
نوال قالت
محمود.
إمتى؟
قبل ما أتجوز أبوك بأيام.
سامح اتصدم.
ماما إنتِ عندك أخ تاني؟
نوال سكتت.
ثم قالت
كان فيه خلاف كبير بينه وبين أبويا وبعدها اختفى.
سامح بص للشجرة.
وليه اسمه موجود هنا؟
كمال قال
لأن جدك كان كاتب كل حاجة.
فجأة سمعوا صوت حركة من فوق.
الجميع سكت.
ثم صوت خطوات على السلم.
خطوة
ثم خطوة
ثم خطوة.
سامح أطفأ الكشاف.
نوال همست
مين؟
جاء صوت رجل من أعلى السلم
متخافوش.
سامح عرف الصوت.
أبويا.
عزت ظهر عند آخر السلم.
كان ماسك ظرفًا أسود.
قال
كنت عارف إنكم هتوصلوا هنا.
سامح رد بعصبية
وإنت كنت مستني؟
عزت نزل آخر درجة.
لأ.
أمال جيت ليه؟
عزت رفع الظرف.
عشان أوريك الحاجة اللي كنت بحاول أخبيها عنك طول السنين.
سامح مد إيده.
لكن عزت رفض يسلمه.
قبل ما تقراها، لازم تسمعني.
سامح قال
اتفضل.
عزت بص لنوال.
أبوكي ماكانش أول واحد يملك البيت ده.
نوال عقدت حاجبيها.
أمال مين؟
عزت فتح الظرف.
وأخرج شهادة قديمة.
حطها على الطاولة.
صاحب البيت الأول كان جدك لكن الأرض نفسها كانت باسم شخص تاني.
سامح قرب.
مين؟
عزت قال
محمود.
نوال شهقت.
ابني؟
عزت هز رأسه.
أيوه.
وفي اللحظة دي، انطفأت كل الأنوار.
وسمعوا صوت باب القبو بيتقفل من فوق.
سامح جرى ناحية السلم.
لكن الباب كان مقفول.
ثم ظهر صوت رجل من خلفهم في الظلام
أخيرًا كلكم اجتمعتوا في المكان اللي كان لازم تموت فيه الحقيقة من زمان.
سامح لف بسرعة.
وأضاء الكشاف.
لكن الشخص اللي كان واقف في آخر الغرفة
كان وجهه شبهه بشكل صادم سامح فضل ثابت مكانه.
الكشاف في إيده كان بيهتز.
الرجل اللي واقف في آخر القبو رفع إيده عن وشه ببطء.
ملامحه كانت أكبر سنًا، وشعره أبيض، لكن العينين
نفس عيني سامح.
نوال حطت إيدها على بقها.
محمود
الرجل ابتسم ابتسامة حزينة.
أيوه يا نوال.
سامح بص لأمه.
ده أخوكي؟
نوال ماقدرتش ترد.
محمود قرب خطوتين.
أنا أخوها.
سامح قال
إنت كنت عايش كل السنين دي؟
أيوه.
وليه اختفيت؟
محمود بص ناحية عزت.
اسأل جوز أختك.
عزت رد بعصبية
أنا ماعملتش اللي إنت فاكره.
محمود ضحك.
لسه بتكذب؟
سامح وقف بينهم.
محدش هيتكلم بالألغاز تاني.
وبص لمحمود.
إنت مين بالظبط؟
محمود أخرج صورة قديمة.
كانت تجمعه مع نوال وهما أطفال.
أنا الابن الأكبر لجدك.
ثم أشار للشهادة على الطاولة.
وجدك كتب الأرض باسمي وأنا صغير.
نوال قالت
لكن بابا قال لي إنك مت.
محمود رد
لأن حد أقنعه إني مت.
سامح بص لعزت.
إنت؟
عزت هز رأسه.
لأ.
محمود قال
مش هو.
ثم نظر ناحية باب القبو.
الشخص اللي عمل كده كان أقرب لجدك مما تتخيلوا.
سامح قال
مين؟
محمود لم يجب.
بدلًا من ذلك، توجه إلى الحائط.
ضغط على حجر صغير.
صدر صوت طقة.
جزء من الحائط اتحرك.
ظهر تجويف صغير.
جواه دفتر جلدي قديم.
محمود أخده.
ده آخر دفتر كتبه أبوك يا نوال.
نوال قربت منه.
أبويا؟
أيوه.
فتح الدفتر على صفحة معينة.
قرأ سامح
لو ظهر محمود يومًا، لازم يعرف إن اختفائه لم يكن بأمر عزت وحده.
سامح رفع عينه.
يعني أبويا كان مشارك؟
عزت قال
كنت أحاول أرجعه.
محمود رد
بعد ما اتأخرت.
عزت صرخ
كنت بحاول أنقذ أختك!
نوال بصت لهم.
من مين؟
عزت سكت.
محمود قال
من الشخص اللي كان عايز الأرض.
سامح قال
مين؟
محمود قلب صفحة.
في آخر الصفحة كان اسم واحد مكتوب بالحبر الأحمر.
سامح قرأ الاسم
وتغير وشه.
لأن الاسم كان فؤاد.
سامح بص ناحية الباب.
فؤاد؟
نوال قالت
مستحيل.
محمود قال
هو مش الشخص اللي قال لكم إنه شريك جدكم.
سامح رجع بذاكرته.
فؤاد كان موجودًا في كل لحظة تقريبًا.
هو اللي جاب المستندات.
هو اللي عرف مكان المخزن.
هو اللي


عرف قصة رجب.
وهو اللي كان بيقودهم من دليل لدليل.
سامح قال
هو كان بيوجهنا من البداية.
محمود هز رأسه.
أيوه.
وفجأة سمعوا صوت المفتاح في باب القبو.
حد كان بيفتحه من الخارج.
محمود قال بسرعة
مفيش وقت.
سامح سأله
نعمل إيه؟
محمود أشار للدفتر.
خد الدفتر.
سامح أخده.
الباب بدأ يفتح.
محمود قال
لو دخل فؤاد، متديلوش الدفتر.
سامح وقف قدام أمه.
الباب اتفتح ببطء
وفؤاد ظهر عند السلم.
ابتسم.
وقال
كنت متأكد إنكم هتوصلوا هنا.
سامح شد الدفتر لصدره.
إنت مين يا فؤاد؟
ابتسامة فؤاد اختفت.
أنا الشخص اللي كان لازم يحمي العيلة
ثم بص لمحمود.
لكنك رجعت وفسدت كل حاجة.
محمود رد
لأ.
ثم أشار لسامح.
هو اللي هيفسد خطتك كلها.
فؤاد بص لسامح.
وقال بهدوء
للأسف أنت لسه ماعرفتش أهم سر في الحكاية.
سامح سأله
إيه؟
فؤاد ابتسم.
الدليل اللي بتدور عليه من البداية
وأشار للدفتر.
مش موجود فيه.
ثم أضاف
الدليل الحقيقي مع أمك سامح لف ناحية أمه بسرعة.
ماما؟
نوال كانت واقفة في مكانها، وشها شاحب.
فؤاد قال
هي عارفة مكان الدليل من أول يوم.
سامح قرب منها.
إيه الدليل يا ماما؟
نوال بدأت تبكي.
كنت مستنية الوقت المناسب.
فؤاد ضحك.
الوقت المناسب عدى من سنين.
محمود وقف قدام نوال.
سيبها يا فؤاد.
فؤاد بص له.
إنت آخر واحد يتكلم.
عزت تدخل بينهم.
كفاية.
فؤاد لف ناحيته.
إنت بالذات متتكلمش.
سامح بص لأبوه.
هو بيهددك ليه؟
عزت سكت.
فؤاد قال
لأن أبوك عارف مين زور الورق، وعارف مين كان موجود ليلة اختفاء جدك.
سامح قال
وإنت عارف؟
فؤاد ابتسم.
أنا كنت هناك.
سامح اتجمد.
يعني إنت شفت اللي حصل؟
شفت أكتر مما تتخيل.
نوال فجأة قالت
لأ.
الجميع بص لها.
فتحت حقيبتها القديمة.
طلعت علبة صغيرة من الصفيح.
سامح عرفها فورًا.
دي العلبة اللي لقيتها تحت سريري.
نوال هزت رأسها.
أيوه.
فتحتها.
لكن بدل ما تطلع ورقة، أخرجت مفتاحًا صغيرًا جدًا.
محمود أول ما شافه قال
ده هو.
سامح سأله
مفتاح إيه؟
نوال ردت
مفتاح صندوق جدك.
فؤاد اتغيرت ملامحه.
الصندوق اتفتح؟
نوال بصت له.
لأ.
فؤاد قرب خطوة.
يبقى لسه عندك فرصة تسلمي المفتاح.
سامح وقف أمامها.
محدش هياخد حاجة منها.
فؤاد قال
إنت مش فاهم.
فاهم إنك كنت بتكدب علينا.
فؤاد لأول مرة فقد هدوءه.
أنا اللي حافظت على العيلة دي!
سامح رد
بالحقيقة ولا بالخوف؟
فؤاد سكت.
محمود قال
الصندوق مش هنا.
سامح بص له.
فين؟
في المكان اللي دفن فيه جدك أهم أوراقه.
سامح سأله
المقبرة؟
محمود هز رأسه.
لأ.
عزت قال فجأة
في البئر.
نوال بصت له.
إنت عارف؟
عزت رد
جدك قال لي قبل ما يموت.
سامح اتجه للباب.
يبقى نروح البئر.
لكن فؤاد وقف في طريقه.
مش هتروح.
سامح قال
حاول تمنعني.
فؤاد ظل ساكتًا.
ثم ابتعد خطوة.
روح.
سامح استغرب.
ليه؟
فؤاد ابتسم ابتسامة غامضة.
لأنك لو فتحت الصندوق هتعرف إن أبوك مش هو الوحيد اللي خدعك.
سامح خرج.
نوال ومحمود وعزت وكمال لحقوه.
بعد دقائق، وصلوا للبئر القديم خلف البيت.
كان مغطى بألواح خشبية وحجارة.
محمود أشار لواحدة من الحجارة.
هنا.
سامح أزاحها.
ظهر سلم حديدي نازل لتحت.
عزت قال
أنا هنزل.
سامح منعه.
لأ.
ده سر جدك.
وأنا حفيده.
سامح نزل أولًا.
ثم نزل محمود.
المكان كان ضيقًا ومظلمًا.
وفي القاع، ظهر صندوق حديدي صغير.
سامح أخرج مفتاح نوال.
دخله في القفل.
لكن قبل ما يلفه
سمع صوت حركة فوقهم.
رفع رأسه.
صوت نوال جاء من أعلى السلم
سامح!
أيوه؟
اقفل الصندوق ومتفتحهش!
سامح اتجمد.
ليه؟
نوال صرخت
لأن اللي جوه مش أوراق!
سامح بص لمحمود.
محمود قال
افتحه.
ماما بتقول لأ.
محمود رد
عشان هي عارفة إيه اللي جواه.
سامح لف المفتاح ببطء.
تك.
فتح الصندوق.
ولما شاف اللي جواه
اتراجع خطوة.
ماكانش فيه عقد ملكية.
ولا فلوس.
ولا صور.
كان فيه دفتر صغير، ومسجل صوت قديم، ومفتاح سيارة، ورسالة باسم سامح.
سامح فتح الرسالة.
أول سطر كان
يا سامح لو فتحت الصندوق، يبقى فؤاد وصل لك قبلي.
سامح رفع عينه لمحمود.
جدي كان عارف فؤاد؟
محمود قال
أكتر مما تتخيل.
وفجأة
المسجل اشتغل لوحده.
وخرج منه صوت جدهم
سامح أهم حاجة لازم تعرفها إن الشخص اللي خان أمك مش هو الشخص اللي سرق أملاكها.
سامح قرب من المسجل.
الصوت كمل
والفرق بين الاتنين هو السبب اللي خلاني أخبي الحقيقة عن الجميع.
ثم توقف التسجيل لثوانٍ.
وبعدها قال
أما عن فؤاد فلا تثق فيه، حتى لو أنقذ حياتك.
سامح بص لمحمود.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت الباب الحديدي فوقهم بيتقفل.
ثم جاء صوت فؤاد من الخارج
خليكوا جوه شوية
وضَحك.
عندي لكم مفاجأة أهم من كل اللي في الصندوق سامح ضرب الباب الحديدي بإيده.
فؤاااد! افتح الباب!
مفيش رد.
بس صوت خطواته كان بيبعد ببطء.
محمود قرب من الباب وحاول يفتحه، لكنه كان مقفول من بره.
عزت قال بصوت متوتر
كان لازم أقولكم الحقيقة من زمان.
سامح لف له بعصبية
حقيقة إيه تاني؟! كل شوية واحدة جديدة!
عزت بص في الأرض.
فؤاد مش غريب عن العيلة.
محمود قال بسرعة
اسكت يا عزت.
لأ كفاية.
سامح بص بينهم.
اتكلم.
عزت أخذ نفس طويل.
فؤاد كان شريك أبويا في الأرض.
سامح اتصدم.
شريكه؟
أيوه بس مش شراكة عادية. جدك كان عنده أرض كبيرة، وفؤاد كان مسؤول عن تسجيل عقودها ومتابعة الضرائب والأوراق.
محمود قاطعه
وبعدها بدأ يزوّر.
عزت هز رأسه.
لما أبويا اكتشف، هدده إنه يفضحه.
سامح قال
وده سبب اختفاء محمود؟
محمود سكت.
عزت رد
لأ.
سامح قرب منه.
أمال إيه؟
عزت قال
محمود اختفى عشان يحمي نوال.
نوال من فوق كانت بتصرخ
سامح!
سامح رفع رأسه.
ماما، إحنا هنا!
صوتها كان مرتجف
افتحوا الدفتر الصفحة الأخيرة.
سامح رجع للصندوق.
فتح الدفتر بسرعة.
الصفحات كلها كانت مليانة أرقام وأسماء وتواريخ.
قلب للآخر.
كانت فيه صفحة واحدة فاضية تقريبًا.
مكتوب فيها
لو وصلت لهنا، افتح الدرج السري في مكتب عزت.
سامح بص لأبوه.
درج سري؟
عزت وشه اصفر.
محمود قال
كنت عارف إنهم هيلاقوه.
سامح سأله
مين هم؟
محمود رد
الناس اللي فؤاد كان بيشتغل معاهم.
وفجأة
صوت خبطة قوية جه من فوق.
وبعدها صوت نوال
عزت!
عزت صرخ
نوال!
سامح حاول يطلع، لكن الباب كان لسه مقفول.
ثم سمع صوت رجل غريب من فوق
متخافيش يا حاجة إحنا مش جايين نأذيكي.
سامح صرخ
سيبو أمي!
الرجل رد بهدوء
إحنا جايين ناخد حاجة واحدة بس.
سامح
إيه؟
الصندوق.
محمود قرب من سامح وقال
لازم نلاقي مخرج تاني.
سامح بدأ يدور في الجدران.
وفجأة لمح فتحة صغيرة خلف الصندوق.
حرك الصندوق.
ظهر ممر ضيق جدًا.
عزت قال
ده مخرج قديم.
سامح دخل أولًا، ومحمود خلفه.
قبل ما يدخل عزت، سمع صوت نوال من فوق
عزت!
وقف.
أنا هنا!
قالت له
لو حصل لي حاجة قول لسامح الحقيقة.
عزت اتجمد.
أي حقيقة؟
نوال ردت بصوت مكسور
الحقيقة اللي وعدت أبوك إنك عمرك ما تقولها.
سامح سمع الجملة.
وقف مكانه.
بابا؟
عزت لم يرد.
سامح رجع خطوة.
ماما بتتكلم عن إيه؟
عزت بص له طويلًا.
ثم قال
عن اللي حصل ليلة موت جدك.
سامح حس إن رجليه مش شايلينه.
قلت إن جدي مات طبيعي.
عزت غمض عينه.
كذبت.
محمود قال
قول له.
عزت أخذ نفسًا عميقًا.
جدك ما ماتش في بيته.
سامح قال
أمال مات فين؟
عزت بص للظلام قدامه.
في المكان اللي كان فؤاد بيخبي فيه الأوراق.
سامح اتصدم.
يعني فؤاد كان معاه؟
أيوه.
وإنت؟
عزت سكت.
سامح صرخ
وإنت كنت فين؟!
عزت قال بصوت منخفض
كنت واقف بره الباب.
وسمعت إيه؟
عزت رفع عينه.
سمعت أبوك بيصرخ.
سامح اتجمد.
أبويا؟
عزت هز رأسه.
جدك قال اسم شخص واحد قبل ما يموت.
سامح سأل
مين؟
عزت فتح فمه
لكن قبل ما ينطق، سمعوا صوت ارتطام قوي من الناحية الأخرى للممر.
محمود شد سامح.
حد دخل الممر!
سامح همس
فؤاد؟
ومن وسط الظلام ظهر شخص يحمل كشافًا.
رفع الكشاف ناحية وشهم.
لكن الشخص لم يكن فؤاد.
كان عادل أخو سامح.
وكان في إيده ظرف بني قديم.
بص لسامح وقال
أنا مش جاي أحاربكم.
ثم مد الظرف ناحيته.
أنا جاي أقولك إن فؤاد كذب عليك في حاجة واحدة أخطر من كل اللي عرفته.
سامح لم يتحرك.
عادل قال
الصندوق ده مش كان المفروض تلاقيه إنت كان المفروض تلاقيه أنا سامح بص لأخوه عادل وهو مش مستوعب كلامه.
إنت؟! ليه إنت اللي كان المفروض تلاقيه؟
عادل بلع ريقه.
لأن أبويا سلّمني رسالة من جدنا من سنين.
سامح اتصدم.
رسالة؟!
أيوه وقالي أخبيها مهما حصل.
محمود قرب منه.
وريني.
عادل شد الظرف لصدره.
مش قبل ما سامح يعرف الحقيقة.
سامح قال
قول.
عادل فتح الظرف وطلع ورقة قديمة.
كان مكتوب في أولها
إلى عادل لو في يوم سامح رجع وسأل عن الأرض، ما تدّيلوش الورقة دي إلا لما تتأكد إن نوال عرفت كل الحقيقة.
سامح بص لأخوه.
وإنت كنت عارف إن أنا هارجع؟
عادل هز رأسه.
أبويا كان عارف.
من إمتى؟
من أول يوم سافرت فيه.
سامح حس بغضب.
يعني كل السنين دي وإنتوا سايبيني بعيد؟
عادل قال بسرعة
مش كلنا.
محمود تدخل
أنا اللي طلبت من أبوك يخليك بعيد.
سامح لف له.
ليه؟
محمود قال
لأن فؤاد كان بيدور عليك.
ليه؟
محمود سكت لحظة.
ثم قال
لأنك كنت آخر شخص يقدر يرث الأرض قانونيًا.
سامح عقد حاجبيه.
أنا؟
عادل قال
جدنا كتب وصية.
سامح
وصية بإيه؟
عادل رفع الورقة.
إن الأرض ما تتباعش ولا تتقسم إلا بموافقة أصغر حفيد ذكر.
سامح اتجمد.
يعني أنا؟
أيوه.
فجأة سمعوا صوت نوال من آخر الممر.
مش هو
الجميع لفوا.
نوال كانت واقفة عند المدخل.
سامح جري عليها.
ماما! إنتِ كويسة؟
هزت رأسها.
أنا كويسة.
وبصت لعادل.
إنت عملت إيه بالرسالة؟
عادل قال
جبتها لسامح.
نوال أغمضت عينيها.
كان لازم أقول له بنفسي.
سامح أمسك إيدها.
تقولي إيه؟
نوال سكتت.
ثم قالت
إن الأرض دي مش أهم حاجة.
أمال إيه؟
نوال نظرت إلى الصندوق.
اللي جواه.
سامح فتح الدفتر مرة تانية.
إيه اللي جواه؟
نوال قالت
دليل يثبت إن جدك كان عارف إن في حد من العيلة بيبيع أسرارنا لفؤاد.
عادل اتوتر.
مين؟
نوال لم تجب.
سامح بص لها.
ماما مين؟
نوال قالت بهدوء
الشخص اللي كان بيدخل مكتب أبوك من غير ما حد يشوفه.
سامح بدأ يراجع كل الأسماء في دماغه.
عادل؟
عزت؟
فؤاد؟
محمود؟
لكن نوال قالت
مش أي واحد فيهم.
ثم أخرجت من جيبها صورة قديمة.
حطتها قدام سامح.
الصورة كانت لجد سامح واقف قدام مخزن قديم، وبجواره ثلاثة أشخاص.
فؤاد.
عزت.
وشخص ثالث وجهه متخفي تقريبًا وراء الظل.
سامح قرب الصورة من عينه.
مين ده؟
محمود أخذ الصورة.
وفجأة تغيّر وجهه.
مستحيل
سامح سأله
تعرفه؟
محمود لم يرد.
نوال قالت
أنا أعرفه.
سامح
مين؟
نوال رفعت عينيها وقالت
الراجل اللي كلنا افتكرنا إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
ساد الصمت.
وفجأة
جاء صوت من خلفهم
وأنا كمان افتكرت إنكم نسيتوني.
الجميع استدار.
كان رجلًا مسنًا واقفًا عند مدخل الممر.
محمود تراجع خطوة.
عزت شهق
لأ
سامح بص إليه.
إنت تعرفه يا بابا؟
عزت لم يرد.
الرجل ابتسم وقال
قول له يا عزت.
ثم أضاف
قول لابنك مين اللي كان سبب موت جده عزت كان واقف كأنه اتشل.
بص للرجل العجوز، وبعدين بص لسامح.
سامح قرب منه.
بابا مين الراجل ده؟
الرجل ابتسم ابتسامة هادية وقال
أنا اسمي رجب.
محمود شهق
رجب!
سامح بص لمحمود.
رجب؟! عمك اللي قالوا إنه مات؟
رجب هز رأسه.
قالوا كتير حاجات وصدقوها.
نوال قربت منه وهي بتبكي.
إنت عايش كل السنين دي؟
رجب بص لها.
كنت عايش بس بعيد.
سامح سأله
ليه؟
رجب رد
لأن اللي حصل لجدك كان بداية سلسلة أسرار، ولو ظهرت وقتها كان ممكن العيلة كلها تضيع.
سامح قال بعصبية
كل واحد فيكم بيقول إنه كان بيحمينا! طيب مين اللي أذى جدي؟
رجب سكت.
ثم بص لعزت.
قول له.
عزت أنزل عينه.
رجب هو اللي أنقذني.
سامح اتصدم.
إيه؟
رجب قال
ليلة موت أبوك فؤاد كان موجود.
سامح
وفؤاد قتله؟
رجب رد بسرعة
لا.
أمال مين؟
رجب أخذ نفسًا طويلًا.
جدك ما اتقتلش.
سامح اتجمد.
يعني إيه؟
رجب أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
جدك مات بسبب أزمة قلبية بعد ما اكتشف إن حد سرق المستندات الأصلية.
محمود قال
وفضلنا فاكرين إن فؤاد هو اللي عملها.
رجب هز رأسه.
فؤاد كان بيزور الأوراق، أيوه لكنه ما كانش الشخص اللي سرق الأصل.
سامح قال
مين سرقه؟
رجب نظر إلى عادل.
عادل تراجع خطوة.
ليه بتبص لي؟
رجب قال
مش أنت.
ثم نظر إلى عزت.
ولا إنت.
وبص إلى نوال.
ولا هي.
سامح قال
أمال مين؟
رجب فتح الورقة.
الشخص ده كان موجود في البيت ليلة وفاة جدك.
سامح قرب منه.
مين؟
رجب قال
زينب.
الجميع سكت.
سامح هز رأسه.
زينب؟! الشغالة؟
رجب قال
زينب مش مجرد شغالة.
نوال شهقت
لأ
رجب كمل
هي كانت واحدة من الناس اللي جدك وثق فيهم.
محمود قال
لكن ليه تعمل كده؟
رجب رد
لأنها كانت بتحاول تحمي ابنها.
سامح قال
ابنها مين؟
رجب لم يجب.
وفجأة، جاء صوت من خلفهم
أنا.
الجميع استدار.
كانت زينب واقفة عند مدخل الممر.
وشها مليان دموع.
سامح قال
إنتِ؟
زينب هزت رأسها.
أيوه.
نوال قربت منها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
زينب قالت
كنت عارفة جزء.
سامح
جزء إيه؟
زينب بصت لرجب.
إنت وعدتني إنك مش هتقول.
رجب رد
الوعد انتهى.
زينب أغمضت عينيها.
ثم قالت لسامح
أبوك ما كانش عارف الحقيقة كاملة.
سامح بص لعزت.
وأنا؟
زينب قالت
إنت كنت الطفل اللي كانوا بيحاولوا يبعدوه عن كل ده.
سامح
ليه أنا بالذات؟
زينب سكتت.
ثم مدت إيدها داخل حقيبتها وأخرجت صورة قديمة جدًا.
كانت صورة لسامح وهو طفل صغير.
لكن بجواره كان واقف رجل لم يره سامح من قبل.
وتحت الصورة مكتوب بخط جدّه
لو حصل لي حاجة سلّموا سامح للرجل ده، لأنه الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة.
سامح قلب الصورة.
وعلى ظهرها كان اسم الرجل.
قرأه بصوت منخفض
كمال.
سكت الجميع.
سامح رفع عينه.
كمال اللي خدني من البيت وأنا عندي 18
سنة؟
رجب قال
أيوه.
سامح اتوتر.
يعني كمال كان بيحميني؟
زينب ردت
مش بس بيحميك.
ثم نظرت إلى نوال.
كان بينفذ آخر طلب من جدك.
سامح سأل
إيه الطلب؟
زينب قالت
إنك لما ترجع لازم تعرف إن الأرض مش باسمك أصلًا.
سامح اتجمد.
أمال باسم مين؟
زينب بصت إلى نوال.
ونوال قالت بصوت مرتجف
باسمي أنا من البداية.
وقبل ما سامح يستوعب كلامها، سمعوا صوت باب الممر بيتفتح بعنف.
وفؤاد ظهر عند المدخل.
وفي إيده ورقة.
قال
كفاية أسرار.
ثم رفع الورقة قدامهم.
لأن عندي مستند يثبت إن كل الكلام ده اتبنى على كذبة واحدة.
وسامح بص للمستند
ثم تغير لون وجهه لما شاف توقيع أمه في أسفل الصفحة سامح فضل باصص على الورقة كأنه مش قادر يصدق عينه.
التوقيع كان واضح.
نوال عزت عبدالسلام
وتحته إقرار بالتنازل عن الأرض بالكامل.
سامح رفع عينه لأمه
ماما إنتِ مضيتي على ده؟
نوال قربت من الورقة، وبمجرد ما شافتها، إيديها بدأت ترتعش.
ده مش توقيعي.
فؤاد ابتسم بسخرية.
الورقة رسمية.
نوال هزت رأسها بقوة.
أنا عمري ما وقعت على ورقة بالشكل ده.
فؤاد رد
يبقى المحكمة هي اللي تحدد.
محمود خطف الورقة منه.
إنت فاكر إننا هنصدقك؟
فؤاد قال
مش مطلوب تصدقوني. المطلوب تشوفوا التاريخ.
سامح بص للتاريخ.
كان مكتوبًا
12 أكتوبر 1998.
سامح عقد حاجبيه.
ده كان قبل ما أتولد.
نوال قالت
وأنا كنت وقتها في المستشفى.
فؤاد سكت لحظة.
سامح انتبه.
فين المستشفى؟
نوال ردت
مستشفى المركز كنت بولد عادل.
عادل اتقدم.
يعني الورقة مستحيلة.
فؤاد قال
إلا لو نوال كانت موجودة.
عادل غضب
إنت بتتهم أمي بالكذب؟
رجب تدخل
محدش يتهمها.
ثم أخذ الورقة من محمود، وقربها من الضوء.
دي مش الورقة الأصلية.
فؤاد قال
وإنت عرفت منين؟
رجب ابتسم.
لأن الورق ده اتعمل بعد سنة 2005.
سامح بص له.
إزاي؟
رجب أشار لحافة الورقة.
نوع الورق ده ماكانش موجود سنة 1998.
فؤاد سكت.
محمود قال
يعني مزورة.
فؤاد لم يرد.
سامح قرب منه
مين زوّرها؟
فؤاد بص له مباشرة.
الشخص اللي كان عنده أصل توقيع أمك.
نوال اتوترت.
مين؟
فؤاد قال
عادل.
عادل صرخ
أنا؟!
سامح بص لأخوه.
إنت؟
عادل رجع خطوة.
والله ما عملت حاجة.
فؤاد أخرج ورقة أخرى.
عندي دليل.
سامح أخذها.
كانت إيصالًا قديمًا من مكتب توثيق.
والاسم
الموجود عليه
عادل عزت عبدالسلام.
لكن عادل بمجرد ما شافه قال
ده مش خطي.
سامح قال
يبقى مين استخدم اسمك؟
رجب تدخل
دي النقطة اللي لازم نعرفها.
وفجأة نوال قالت
أنا عارفة.
الجميع التفت لها.
نوال كانت تنظر إلى فؤاد.
الشخص ده كان بيقلد توقيعاتنا كلنا.
فؤاد سألها
إنتِ متأكدة؟
نوال ردت
أيوه.
ثم أشارت إلى الورقة.
لأن فيه غلطة واحدة مايعرفهاش غير اللي عاش معانا في البيت.
سامح
إيه الغلطة؟
نوال أخذت الورقة.
اسمي.
سامح استغرب.
اسمك مكتوب صح.
نوال هزت رأسها.
لأ.
وأشارت إلى التوقيع.
أبويا كان بيناديني نوالة.
عادل قال
وإيه علاقة ده بالتوقيع؟
نوال ردت
أي ورقة قانونية كنت بمضي عليها زمان، كان والدي بيخليني أكتب اسمي بالكامل بنفس الطريقة اللي علمني إياها.
ثم أشارت إلى حرف معين في التوقيع.
اللي زوّر التوقيع عرف اسمي لكنه ماعرفش طريقة كتابة الحرف ده.
رجب أخذ الورقة.
وبعد لحظات قال
عندك حق.
سامح بدأ يحس إن الحقيقة بتقرب.
لكن فجأة
فؤاد ضحك.
ضحكة قصيرة وهادية.
سامح بص له
بتضحك على إيه؟
فؤاد قال
لأنكم لسه بتدوروا على المزور.
ثم أخرج هاتفه.
وأنا عندي تسجيل للمزور نفسه.
الجميع سكت.
فؤاد شغّل التسجيل.
صوت رجل كان واضحًا.
صوت قريب جدًا من صوت أحد الموجودين.
سامح قرب من الهاتف.
ثم اتسعت عيناه.
مستحيل
التسجيل انتهى بجملة واحدة
اعمل الورقة باسم عادل وخلي نوال هي اللي تتحمل كل حاجة.
سامح رفع عينه ببطء.
ثم نظر إلى أخوه.
عادل كان واقفًا مصدومًا.
سامح أنا أقسم لك
لكن سامح لم يكن ينظر إليه.
كان ينظر إلى أبيه عزت.
لأن الصوت في التسجيل
كان صوته هو سامح فضل ساكت ثواني طويلة، وعينه ثابتة على أبوه.
الصوت ده صوتك يا بابا.
عزت ما أنكرش.
أنزل رأسه وقال
أيوه صوتي.
نوال حطت إيدها على قلبها.
ليه يا عزت؟
عزت قرب منها، ووشه كان مليان ندم.
لأني خفت.
سامح صرخ
خفت من إيه؟! خفت على إيه لدرجة إنك ظلمت أمي سنين؟!
عزت قال
فؤاد كان بيهددني. كان عايز الأرض بأي طريقة. ولما أبويا اكتشف اللي بيحصل، حاول يوقفه وبعدها مات.
رجب قاطعه
أبوك مات بأزمة قلبية، لكن الصدمة اللي عاشها قبل موته كانت بسبب الخيانة اللي اكتشفها.
عزت أغمض عينيه.
وأنا غلطت لما حاولت أخبي كل حاجة.
نوال قالت بحزن
إنت ماخبيتش بس إنت سبتني أعيش عمري كله خايفة.
عزت لم يجد ما يقوله.
سامح أخرج الدفتر القديم.
بس فيه حاجة لسه مش مفهومة. جدي كان كاتب إن الأرض باسمي لو رجعت.
رجب ابتسم.
لأنه كان عارف إنك الوحيد اللي ممكن يواجه كل ده من غير ما تكون داخل في الصراع القديم.
سامح قال
والأرض؟
محمود رد
رجعت لصاحبتها.
ونظر إلى نوال.
بعد أسابيع من التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة.
التسجيلات القديمة، والدفتر، وشهادة رجب، وتقارير الخبراء أثبتت أن أوراق التنازل مزورة، وأن جزءًا من المستندات اتخبّى لسنين لإجبار نوال على التخلي عن حقها.
أما فؤاد، فتم التحقيق معه في وقائع التزوير والاستيلاء على المستندات.
وعادل، بعدما ثبتت براءته، وقف أمام أمه وقال
سامحيني أنا كنت شايفك بتتعبي ومفهمتش اللي كان بيحصل.
نوال حضنته.
المهم إنك عرفت الحقيقة.
أما عزت، فكانت أصعب لحظة في حياته لما وقف قدام نوال وقال
أنا عارف إن الاعتذار مش هيرجع السنين اللي ضاعت.
نوال بصت له طويلًا.
لأ مش هيرجعها.
ثم أضافت
بس تقدر تبدأ تصلح اللي باقي.
ومن اليوم ده، تغير البيت كله.
نوال بطلت تنام في المخزن القديم.
سامح جهزلها أوضة واسعة ومريحة، وجاب لها سرير جديد، وخلاها تختار بنفسها كل حاجة فيها.
والأهم
ما بقاش حد ياكل قبليها.
كل يوم كانت السفرة بتتجهز، ونوال هي أول واحدة تقعد.
وفي يوم، سامح حط قدامها طبق أكل كبير.
ابتسم وقال
المرة دي محدش هيقرب من طبقك.
ضحكت نوال، وعينيها دمعت.
أنا مش عايزة طبق كبير يا ابني.
سامح سألها
أمال عايزة إيه؟
قالت
عايزة آكل وأنا مرتاحة من غير ما أخاف إن حد ياخد مني اللقمة.
سامح مسك إيدها.
خلاص يا ماما من النهارده محدش هيخوفك تاني.
وبعدها بأيام، نوال فتحت صندوق الصفيح القديم للمرة الأخيرة.
طلعت منه صورة قديمة لجدها.
كان مكتوب خلفها
المال ممكن يرجع الأرض ممكن ترجع لكن كرامة الإنسان لو ضاعت، أصعب حاجة ترجع.
نوال فضلت تقرأ الجملة، ثم حطت الصورة مكانها.
وسامح فهم أخيرًا ليه أمه كانت ساكتة كل السنين دي.
هي ما كانتش ضعيفة.
كانت بتحاول تحمي أولادها بالطريقة الوحيدة اللي كانت تعرفها.
لكن الحقيقة لما ظهرت
ما أنقذتش الأرض بس.
الحقيقة أنقذت نوال نفسها.
ومن يومها، بقى طبقها محفوظ على السفرة قبل أي حد.
مش لأن الأرض رجعت لها
لكن لأن البيت أخيرًا عرف قيمة الست اللي قضت عمرها كله وهي بتطعم الجميع، بينما محدش سألها يومًا
إنتِ أكلتي؟

تم نسخ الرابط