ابن سلفتى

لمحة نيوز

ابن سلفتي كان لسه بيتعلم المشي، ودخل ناحية فرن العيش المشتعل...
ومحدش شافه غيري.
كان ممكن ألحقه في ثانية...
لكن كلام أمه اللي قالتهولي قبلها بيومين خلاني أتجمد مكاني.
وفي اللحظة دي، عملت حاجة عمري ما كنت أتخيل إني أعملها...
أنا علية، متجوزة من أحمد، وعايشة معاه في بيت عيلة كبير في الريف.
البيت كان بيضمنا كلنا، وكلنا بنشتغل ونساعد بعض.
وأم جوزي، الحاجة زينب، كانت ست عادلة جدًا.
وقت موسم الحصاد، كانت كلنا ننزل الأرض.
ولما المحصول يتباع، كانت تجمع الفلوس وتوزعها بالعدل على كل واحد حسب تعبه.
في يوم، كان أخو جوزي رجع من بيع المحصول، وادّى الحاجة عشرة آلاف جنيه عشان توزعهم.
قالت الحاجة لرحمة، مرات أخو جوزي
يا رحمة، خدي خمسة آلاف ليكي، وخمسة آلاف لعلية. هي جوه بتغسل السجاد، وجوزها مش موجود. اديها فلوسها.
رحمة أخدت الفلوس.
وبعد شوية دخلت لي.
حطت في إيدي تلاتة آلاف جنيه بس.
وقالت
دي فلوسك.
أنا ما شكيتش.
بصيت للفلوس، وقلت
رضا من عندك يا رب.
وخبيتهم.
بعد يومين، كنا قاعدين في الحوش.
الحاجة سألتني
مش كنتي عايزة تشتري طقم الحلل الجديد؟
قلت لها
آه يا حجة، بس الطقم ب، وأنا معايا تلاتة آلاف بس. هستنى لما جوزي يقبض.
الحاجة بصت لي باستغراب
تلاتة آلاف؟!
قلت
أيوه.
وش رحمة اتغير فجأة.
الحاجة سألت
طب فين باقي الفلوس؟
قبل ما أجاوب، رحمة قامت بسرعة وقالت
عن إذنكم، أنا هروح أشوف الأكل.
لكنني وقفتها.
استني يا رحمة.
بصت لي.
قلت
الحاجة كانت مديالك عشرة آلاف، صح؟
سكتت.
الحاجة قربت منها وقالت
أيوه يا بنتي، خمسة ليكي وخمسة لعلية.
رحمة وطت عينيها.
وبعدين قالت
أنا أخدت ألفين بس.
اتصدمت.
ألفين؟!
قالت
كنت محتاجاهم.
قلت لها
كنتي تقوليلي!
ردت بعصبية
وإنتي كنتي هتديهم؟
قلت
أيوه.
لكنها ضحكت وقالت جملة جرحتني أكتر من الفلوس نفسها
إنتي فاكرة إنك هتفضلي تاخدي وتجمعي فلوس؟ إحنا في الآخر عيلة واحدة.
سألتها
يعني إيه؟
قالت
يعني كل اللي في البيت ده في الآخر هيروح لأولادنا.
سكتُّ.
ثم قالت
وأنا ابني هو اللي هيشيل اسم أبوه ويكمل بعدنا.
قلت لها
ده مش معناه إنك تاخدي حقي.
رحمة سكتت، ثم دخلت شقتها.
لكن كلامها فضل في دماغي.
خصوصًا لما قالت
كل واحد بياخد نصيبه في الدنيا.
رجعت أوضتي وأنا موجوعة.
مش عشان ألفين جنيه.
عشان إحساسي إن تعبي ممكن ما يكونش له قيمة عند الناس اللي عايشة معايا.
عدى يومين.
وفي صباح اليوم الثالث، الحاجة كانت بتخبز عيش شمسي.
الفرن الطيني كان مشتعلًا والنار عالية.
خرجت من شقتي عشان أساعدها.
وفجأة...
سمعت صوت حاجة بتقع.
بصيت ناحية باب شقة رحمة.
لقيت ابنها الصغير خرج لوحده.
كان لسه بيتعلم المشي.
بيخطو خطوتين ويقع.
قام تاني.
وبدأ يتحرك ناحية الفرن.
صرخت في سري
يا نهار أبيض!
جريت ناحيته.
لكن في نفس اللحظة، لعبته وقعت جوه فتحة الفرن.
الطفل قرب أكتر.
مد جسمه الصغير ناحية النار.
وأنا كنت على بعد خطوات.
كان ممكن أوصل له.
لكن فجأة...
افتكرت كلام رحمة.
كل اللي في البيت ده هيروح لأولادنا.
ابني هو اللي هيكمل.
وقفت.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت أخطر ثانية في حياتي.
بصيت للطفل.
ولقيته بيحاول يمد إيده ناحية لعبته.
وفجأة حسيت بالخوف من نفسي.
قلت
لأ!
جريت بكل قوتي.
مسكته من هدومه وسحبته بعيد عن الفرن.
وقع الطفل على الأرض وبدأ يعيط.
وأنا وقعت جنبه وأنا برتعش.
حضنته.
وقلت
إنت مالكش ذنب يا حبيبي...
في اللحظة دي خرجت رحمة من شقتها.
ولما شافت ابنها في حضني، صرخت
ابني!
جريت وخطفته مني.
وبدأت تبوسه وتعيط.
الحاجة جريت علينا.
ولما فهمت اللي حصل، بصت لرحمة وقالت
ابنك كان هيدخل النار يا رحمة!
رحمة بصت لي.
وبعدين سكتت.
قلت لها
أنا زعلت منك جدًا... لكن ابنك ملوش ذنب.
دموعها نزلت.
ولأول مرة، ما لقيتش عندها رد.
في المساء، الحاجة جمعتنا كلنا.
طلعت دفتر الحسابات وقالت
من النهارده كل واحد له حق مكتوب، ومحدش هيمسك فلوس حد.
وبعدين بصت لرحمة
واللي حصل النهارده لازم يعلمنا حاجة.
سكت الجميع.
قالت
الولد ده كان ممكن يموت بسبب إهمال بسيط.
ثم بصت لي
وعلية كانت تقدر تتجاهله بسبب كلام أمه...
رحمة شهقت.
الحاجة كملت
لكنها اختارت تنقذه.
رحمة بدأت تبكي.
قربت مني وقالت
أنا ظلمتك.
قلت
أيوه.
قالت
وسرقت فلوسك.
قلت
أيوه.
قالت
وجرحتك بكلام ما كانش لازم أقوله.
سكتُّ.
ثم قالت
بس النهارده فهمت إنك أرحم بابني مني.
هزيت راسي وقلت
أنا ما أنقذتش ابنك عشانك يا رحمة.
بصت لي.
قلت
أنقذته عشان هو طفل بريء.
الحاجة ابتسمت وقالت
ودي يا بنتي أغلى تربية ممكن الإنسان يربيها لنفسه.
من اليوم ده، اتغيرت علاقتنا.
رحمة رجعتلي الألفين جنيه، واعتذرت قدام العيلة كلها.
وأنا ما نسيتش اللي حصل...
لكن سامحتها.
أما الطفل...
فكل ما كان يشوفني، كان يجري عليّ ويضحك.
وفي كل مرة كنت أبص له، أفتكر اليوم اللي وقفت فيه قدام الفرن.
اليوم اللي اكتشفت فيه إن الإنسان ممكن يتوجع جدًا...
ومع ذلك يختار يعمل الصح.
لأن في النهاية...
الفلوس ممكن تتعوض، والحقوق ممكن ترجع، لكن لو ضيعنا إنسانيتنا... مش هنعرف نشتريها بأي فلوس في الدنيا أكيد، نكمل من بعد ما هديت الأمور، لكن هنفتح سر جديد يخلي القصة أقوى.
عدّى أسبوع تقريبًا على اللي حصل.
البيت رجع هادي، وكل واحدة فينا بقت مشغولة في شغلها.
رحمة ما بقتش تتعامل معايا بنفس الطريقة القديمة.
بالعكس، كل ما تشوفني كانت تسكت شوية، وبعدين تقول
ربنا يجازيكي خير يا علية.
وأنا كنت برد عليها
ربنا يصلح حالنا كلنا.
كنت فاكرة إن الحكاية انتهت عند كده.
لكن اللي حصل بعد أسبوع...
خلاني أعرف إن موضوع الفلوس ما كانش هو المشكلة الحقيقية.
في يوم، كنت بنضف أوضة الحاجة زينب، ولقيت ظرف قديم واقع ورا الدولاب.
كان عليه اسم جوزي.
استغربت.
مسكته وخرجت أسأل الحاجة.
أول ما شافته في إيدي، وشها اتغير.
قالت بسرعة
إنتِ لقيتيه فين؟
قلت
ورا الدولاب.
سكتت.
وبعدين قعدت على الكرسي وقالت
كنت مستنية الوقت المناسب عشان أقولك.
قلبي دق بسرعة.
تقولِيلي إيه؟
فتحت الظرف.
كان جواه ورق قديم.
أوراق أرض.
وأسماء.
وبصيت في أول ورقة...
لقيت اسم جوزي مكتوب.
قلت
دي بتاعة إيه؟
الحاجة قالت
دي أرض أبو جوزك.
اتصدمت.
يعني إيه؟
قالت
أبو أحمد قبل ما يموت كتب جزء من الأرض باسمه، والجزء التاني باسمي عشان أضمن حق كل أولاده.
سألتها
طب ورحمة كانت بتتكلم ليه عن إن كل حاجة هتروح لابنها؟
الحاجة بصت لي بحزن.
عشان هي فاهمة الموضوع غلط.
وفي اللحظة دي دخل أحمد.
ولما شاف الأوراق، وقف مكانه.
إنتِ عرفتي؟
بصيت له.
كنت تعرف؟
قال
آه.
وليه ما قلتليش؟
تنهد وقال
عشان ما كنتش عايز مشاكل.
سكتُّ لحظات.
وبعدين قلت
يعني أنا طول الوقت كنت فاكرة إن تعبي وتعبك هيروح لحد تاني... وإنت كنت عارف إن ليك حق ثابت؟
هز رأسه.
أيوه.
بصيت للحاجة.
فقالت
وأنا اللي طلبت منه ما يقولش دلوقتي.
ليه؟
ردت
لأن رحمة كانت بدأت تتعامل مع ابنها كأنه صاحب البيت كله، وأنا كنت عايزة أعرف مين بيحترم حق غيره ومين لأ.
فضلت ساكتة.
وفجأة...
سمعنا صوت خبط على الباب.
كانت رحمة.
دخلت وهي ماسكة ورقة.
وقالت
يا حجة... أنا محتاجة أكلمك.
الحاجة بصت لها.
ادخلي.
رحمة حطت الورقة قدامها.
وقالت
دي الفلوس اللي أخدتها من علية.
بصيت لها.
قالت
رجعتها كاملة.
ثم بصت لي
وعندي حاجة تانية.
مدت لي ظرف صغير.
فتحته.
لقيت فيه مبلغًا إضافيًا.
قلت
إيه ده؟
قالت
ده مش حقك.
أمال إيه؟
قالت
ده تمن الحاجة اللي بعتها من عندي عشان أسدد اللي عليا.
اتصدمت.
إنتِ كنتِ مديونة؟
هزت رأسها.
آه.
ثم بدأت تحكي.
كانت مديونة لتاجر مستلزمات زراعية، وكانت خايفة تقول لجوزها لأنه كان داخل على موسم زراعة جديد.
لكن بدل ما تطلب مساعدة...
غلطت.
وأخذت من فلوسي.
قلت لها
كان ممكن تيجي تقوليلي.
قالت وهي بتعيط
عارفة.
ثم بصت للحاجة وقالت
بس أنا اتعلمت.
الحاجة

تم نسخ الرابط