شاب مصري

لمحة نيوز

شاب مصري اشترى 90 عجل مريض كانوا بيكحّوا، والكل افتكره مجنون… وبعدها وباء ضرب مواشي المنطقة كلها، إلا مواشيه!

«١٥٠ جنيه.»

قالها يوسف عبدالسلام وهو بيحط الفلوس قدام صاحب الحظيرة.

الراجل بص له كأنه سمع أغبى نكتة في حياته.

«يا ابني… إنت فاهم إنت بتشتري إيه؟»

يوسف بص ناحية الحظيرة.

كان فيها 90 عجل صغير، هزيلين ومتكدسين ورا سور حديد قديم. بعضهم كان بيكح، وبعضهم عينيه بتدمع، و3 كانوا نايمين على الأرض ومش قادرين حتى يرفعوا راسهم.

يوسف قال بهدوء:

«فاهم.»

الراجل هز راسه.

«الحيوانات دي مريضة. صاحبها عايز يخلص منهم قبل ما يبدأ يدفع فلوس في دفنهم.»

يوسف رد:

«يبقى أنا هاخدهم.»

وفجأة، انفجرت ضحكة من وراه.

كان الحاج صابر الجندي، واحد من أكبر مربي المواشي في المنطقة، واقف بيتفرج عليه.

الحاج صابر كان عنده أكتر من 500 رأس ماشية، وأراضي واسعة حوالين مركز صغير في الصعيد، وكان مشهور إنه ما بياخدش حد على محمل الجد لو مش من عيلة كبيرة أو صاحب خبرة سنين.

قال بصوت عالي:

«سمعتوا يا جماعة؟ الواد اشترى 90 مقبرة ماشية!»

الناس ضحكت.

يوسف ما ردش.

كان عنده 19 سنة.

وقبل 3 شهور بس، رجع للقرية اللي اتولد فيها بعد سنين قضاها مع والدته في القاهرة.

أمه كانت بعد انفصالها عن والده بدأت حياة جديدة، واتجوزت، وبقى عندها بيت تاني وحياة تانية.

ويوسف مع الوقت بدأ يحس إنه مجرد شخص زيادة في البيت.

لحد ما في يوم، وهو عنده 19 سنة، خد شنطة هدومه ورجع للبلد.

رجع لأرض عيلته القديمة.

مزرعة النخيل.

الأرض كانت شبه مهجورة.

حوالي 60 فدان، أغلبهم بقى ناشف ومليان حشائش ومناطق ما حدش قرب منها من سنين.

كل أهل البلد كانوا بيقولوا نفس الجملة:

«الأرض دي ما تنفعش لمواشي.»

لكن يوسف كان عنده حاجة محدش يعرفها.

طول سنتين، كان بينزل في الإجازات ويشتغل مع الدكتور كريم الشاذلي، طبيب بيطري متخصص في المواشي.

ما كانش طبيب.

ولا كان معاه شهادة.

لكن اتعلم أهم حاجة:

إزاي يلاحظ.

ولما كل الناس في الحظيرة شافوا 90 عجل مريض، يوسف شاف حاجة مختلفة.

شاف إن أغلبهم عندهم عدوى في الجهاز التنفسي، زادتها قسوة الزحمة، والنقل، وقلة التهوية، والإهمال.

ما كانش يقدر يضمن إنهم هيعيشوا.

لكن كان عارف إن لو فصلهم عن بعض، ووفر لهم مياه نظيفة، وراحة، وتهوية كويسة، في منهم ممكن يتعافى.

الحاج صابر ضحك تاني وهو شايف يوسف بيبدأ ينقل العجول.

«حتى لو خفّوا، هتأكلهم منين؟ أرضك ما بيطلعش فيها غير التراب.»

يوسف ما ردش.

كان عارف إن في ناس مهما شرحت لهم، مش هيصدقوا.

لازم يشوفوا النتيجة بنفسهم.

نقل الـ90 عجل على كذا مشوار، ورفض يحطهم كلهم فوق بعض عشان يوفر فلوس النقل.

وصل آخر مجموعة بعد نص الليل.

كانت عمته الكبيرة الحاجة زينب قاعدة في المطبخ، قدامها كباية شاي.

بصت له وقالت:

«جبت كام؟»

«90.»

رفعت حاجبها.

«كام واحد فيهم مريض؟»

«تقريبًا كلهم.»

سكتت شوية.

«وتفتكر هتنقذ كام واحد؟»

يوسف فكر قبل ما يرد:

«مش عارف.»

الحاجة زينب هزت راسها وقالت:

«كويس.»

بص لها باستغراب.

«كويس إزاي؟»

قالت:

«اللي يبدأ وهو فاكر إنه هيقدر ينقذ الكل… بيتكسر قبل اللي بيحاول ينقذهم.»

تاني يوم بدأ الشغل الحقيقي.

يوسف قسم العجول لمجموعات صغيرة.

نضف الحظائر.

صلح السور.

فتح أماكن للتهوية.

وبدأ ينقل المياه بنفسه بعد ما اكتشف إن مواسير المزرعة القديمة مش شغالة.

كان بينام ساعات قليلة جدًا.

وخلال أول أسبوعين، مات 7 عجول.

كل موت كان بيسجله في كراسة قديمة.

التاريخ.

الوزن.

الأعراض.

والعلاج اللي جربه.

لما مات أصغر عجل فيهم، اللي كان دايمًا بيمشي وراه، يوسف دفنه بإيده بعيد عن الحظيرة.

الليلة دي ما أكلش.

الحاجة زينب ما سألتهوش مالك.

بس حطت قدامه طبق أكل تاني.

بالنسبة لها، دي كانت طريقة تقول له:

أنا حاسة بيك.

عدى شهر.

وبعدين شهر تاني.

وفي صباح يوم، يوسف وقف جنب حوض المياه.

وسمع صوت خلاه يرفع راسه.

الكحة اختفت تقريبًا.

العجول بدأت تتحرك.

بدأت تاكل.

وعينيها بقت أنضف.

من أصل 90…

83 عجل نجوا.

الحاجة زينب خرجت وقفت جنب السور وبصت لهم فترة طويلة.

وبعدين قالت:

«كل الناس شافت اللي كان ناقص فيهم.»

يوسف ابتسم.

فكملت:

«إنت الوحيد اللي شفت اللي لسه موجود.»

لكن ابتسامته اختفت لما قالت:

«ودلوقتي بدأت أصعب مرحلة.»

سألها:

«إيه؟»

قالت:

«الأكل.»

يوسف سكت.

كان معاه 327 جنيه بس.

العلف التجاري كان غالي.

والبنك مستحيل يدي شاب عنده 19 سنة قرض عشان مواشي اشتراها الناس أصلاً باعتبارها هتموت.

ولو ما لاقاش حل…

كل اللي عمله طول الشهور اللي فاتت هيروح هدر.

في اللحظة دي، الحاجة زينب بصت ناحية سقف البيت القديم.

وقالت:

«اطلع أوضة جدك.»

يوسف استغرب.

«ليه؟»

«دور على كراسات جدك الكبير.»

«كراسات إيه؟»

بصت له وقالت:

«الكراسات اللي العيلة كلها قررت تتجاهلها بقالها أكتر من 40 سنة.»

يوسف طلع الدور التاني.

الأوضة كانت مليانة تراب وصناديق قديمة.

وبعد بحث طويل، لقى صندوق خشب صغير.

فتحه.

جواه 9 كراسات سودا.

أول واحدة كان مكتوب عليها تاريخ من سنة 1968.

وتحت التاريخ اسم جده الأكبر:

عبدالرحمن عبدالسلام.

قعد يوسف على الأرض وبدأ يقلب الصفحات.

كان فيها ملاحظات عن الأرض.

المياه.

نوع التربة.

أماكن الزراعة.

وأغرب من كل ده… ملاحظات عن تربية المواشي.

قرأ لساعات.

وفي اليوم التالت، لقى جملة خلت قلبه يدق بسرعة:

«الأرض دي عمرها ما كانت فقيرة… إحنا بس بقالنا نص قرن بنسألها السؤال الغلط.»

يوسف فضل باصص للجملة.

وبعدين رجع يقرأ الصفحة اللي بعدها.

ولأول مرة، اكتشف إن أرض عيلته المهجورة كانت مخبية سرًا ممكن يغير مستقبل المزرعة كلها… ويخلي نفس الناس اللي ضحكت عليه واقفة على بابه تطلب منه المساعدة.

يتبع…

في اليوم الرابع، يوسف ما قدرش يبعد عينه عن الكراسة.

قعد على الأرض، والدفتر مفتوح قدامه، وكل صفحة كانت بتكشف له معلومة أغرب من اللي قبلها.

جده الأكبر ما كانش بيكتب مجرد ملاحظات عن الزراعة.

كان بيسجل تجاربه.

نوع النبات اللي بيزرعه.

كمية المياه.

إيه اللي بيحصل للتربة بعد المطر.

وإزاي بعض النباتات كانت بتفضل خضرا حتى في عزّ الصيف، رغم إن الأراضي اللي حواليها بتتحول لتراب ناشف.

يوسف قلب الصفحات بسرعة.

لحد ما لقى رسمًا قديمًا للأرض.

كان مرسوم عليه خط أزرق طويل، خارج من ناحية النخيل وداخل ناحية الجزء المهجور من المزرعة.

وتحت الرسم جملة:

«المياه موجودة… لكن الوصول ليها محتاج عقل، مش قوة.»

يوسف وقف فجأة.

المياه.

رجع يفتكر حاجة كان الدكتور كريم قالها له من سنتين.

كان دايمًا يقول له إن تربية المواشي مش مجرد شراء علف وبيع حيوانات.

المزرعة الناجحة لازم يكون عندها مصدر غذاء ثابت ومصدر مياه مضمون.

يوسف خرج من الأوضة وجري على الحظيرة.

الحاجة زينب كانت بتوزع العلف على العجول.

قال لها:

«عمتي… هو في بئر قديم في الأرض؟»

رفعت عينيها له.

وسكتت.

يوسف قرب منها.

«إنتِ عارفة؟»

قالت بهدوء:

«جدك كان بيتكلم عنه.»

«فين؟»

«لو كان لسه موجود… يبقى تحت شجرة التوت القديمة.»

يوسف ما استناش تكمل.

خرج يجري.

كانت شجرة التوت في آخر الأرض، وسط مساحة مليانة حشائش وشوك.

فضل يدور حواليها لحد ما لمح حجارة قديمة مدفونة تحت التراب.

بدأ يحفر بإيده.

حجر.

وبعده حجر.

وبعد شوية ظهر غطاء حديد صدئ.

يوسف قلبه بدأ يدق بسرعة.

استدعى عاملين من القرية، وبدأوا يرفعوا الغطاء بحذر.

تحت الغطاء كان فيه بئر قديم.

لكن المفاجأة ما كانتش البئر.

المفاجأة كانت إن المياه اللي جواه كانت موجودة فعلًا.

وبعد تنظيف المكان وتركيب مضخة بسيطة، اكتشفوا إن المياه بتتجدد باستمرار.

يوسف وقف قدامها مش مصدق.

لكن الدكتور كريم، لما جه وشاف المكان، ما ابتسمش.

قال:

«المياه دي لازم تتفحص قبل أي حاجة.»

يوسف وافق فورًا.

وبعد يومين ظهرت النتيجة.

المياه كانت صالحة للاستخدام الزراعي بعد معالجة بسيطة.

يوسف بدأ يفكر بطريقة مختلفة.

لو عنده مياه…

يبقى يقدر يزرع.

ولو قدر يزرع…

يبقى مش محتاج يشتري كل العلف من السوق.

وبالفعل بدأ ينظف أول قطعة أرض.

زرع فيها نباتات علفية سريعة النمو، واستخدم نظام ري بسيط عمله بإيده من مواسير قديمة.

أول أسبوع ما ظهرش أي شيء.

ثاني أسبوع…

برضه الأرض كانت شبه فاضية.

الحاج صابر مر من جنب السور، وشاف يوسف واقف وسط التراب.

ضحك وقال:

«لسه بتحارب الأرض يا ابني؟»

يوسف ابتسم:

«لسه.»

الحاج صابر هز راسه ومشي.

لكن بعد ثلاثة أسابيع…

وقف قدام نفس السور.

المرة دي ما ضحكش.

كان قدامه حقل صغير أخضر.

يوسف كان واقف وسطه.

والـ83 عجل كانوا في الناحية التانية، بياكلوا من أول محصول طلع من أرض العيلة بعد سنين طويلة.

الحاج صابر فضل ساكت.

وبعدين قال:

«إنت عملت ده إزاي؟»

يوسف رد:

«أنا ما عملتش حاجة… أنا بس بطلت أتعامل مع الأرض كأنها ميتة.»

لكن اللي يوسف ما كانش يعرفه…

إن في نفس الأسبوع، بدأ شيء غريب يظهر في مواشي المنطقة.

عجل عند الحاج صابر بدأ يكح.

وبعده يومين، اتنين تانيين.

ثم خمسة.

ثم عشرات.

الأطباء البيطريين بدأوا يتحركوا بين الحظائر.

الناس في البداية قالت إنها نزلة برد.

لكن خلال أيام قليلة…

المرض انتشر بشكل مخيف.

حظائر كاملة بدأت تسجل حالات إصابة.

القلق انتشر في القرى المحيطة.

والأغرب…

إن كلما زادت الحالات خارج مزرعة يوسف…

كانت مواشيه الـ83 بتتحسن أكثر.

الدكتور كريم جه المزرعة في ساعة متأخرة من الليل.

فحص أكتر من عجل.

وبعدين وقف وسط الحظيرة وقال:

«يوسف… عندي سؤال.»

«اتفضل.»

«إنت غيرت إيه في نظامهم من أول ما جبتهم؟»

يوسف بدأ يعد:

«التهوية… النظافة… المياه… التغذية…»

الدكتور هز راسه.

«في حاجة تانية.»

يوسف فكر.

«إيه؟»

الدكتور أشار ناحية العلف الأخضر.

«النبات ده… إنت جايبه منين؟»

يوسف بص له.

«من أرضنا.»

الدكتور أخذ عينة صغيرة من النبات، وحطها في كيس.

وبص ليوسف بنظرة مختلفة تمامًا.

«عايز أعمل تحليل للحاجة دي.»

«ليه؟»

الدكتور ما ردش فورًا.

ثم قال:

«لأن اللي بيحصل عندك مش طبيعي بالشكل ده.»

وفي صباح اليوم التالي…

ظهر أول تقرير.

يوسف فتح الورقة.

قرأ السطر الأول.

ثم الثاني.

ثم رفع عينيه للدكتور كريم.

كان وش الدكتور جادًا جدًا.

وقال:

«يوسف… النبات اللي بتزرعه هنا مش مجرد علف.»

سكت لحظة.

«ده ممكن يكون السبب في إن مواشيك قدرت تقاوم العدوى بشكل أفضل من غيرها.»

لكن قبل ما يوسف يستوعب الكلام…

وصلت عربية بيضاء مسرعة عند باب المزرعة.

نزل منها رجل غريب، ومعاه ملف كبير.

بص ناحية الحظائر.

وبعدين سأل:

«فين يوسف عبدالسلام؟»

يوسف قرب منه.

«أنا.»

الرجل فتح الملف وقال:

«أنا جاي من الإدارة البيطرية.»

ثم نظر خلف يوسف إلى العجول.

«وعندنا مشكلة كبيرة جدًا… لأن المرض انتشر في المنطقة كلها.»

توقف لحظة.

«ومزرعتك هي المزرعة الوحيدة اللي ما سجلتش حالة إصابة واحدة.»

يوسف بص للدكتور كريم.

ولأول مرة…

حس إن الـ90 عجل اللي الناس ضحكت عليه بسببهم…

يمكن ما كانواش مجرد صفقة ناجحة.

يمكن كانوا بداية حاجة أكبر بكتير مما تخيل.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه مستخبية في آخر صفحات كراسة جده…

صفحة كتب عليها:

«لو جاء يوم وانتشر المرض بين المواشي، لا تبحث عن الدواء أولًا… ابحث عن السبب الذي جعل بعضها لا يمرض.»

يوسف قلب الصفحة.

وتجمد مكانه.

لأن الصفحة التالية كانت تحمل اسمًا وتاريخًا…

وتكشف أن جده كان قد واجه نفس الوباء قبل أكثر من خمسين سنة.يوسف فضل واقف مكانه، والكراسة مفتوحة بين إيديه.

رجع قرأ السطر مرة تانية.

وبعدين بص للدكتور كريم.

«يعني جدي شاف نفس المرض ده قبل كده؟»

الدكتور مد إيده للكراسة.

قلب الصفحات بحذر، وبدأ يقرأ.

«سنة 1968… بدأت المواشي تمرض واحدة وراء التانية. الكحة، ارتفاع الحرارة، فقدان الشهية… والحظائر اللي فيها زحمة كانت بتنهار أسرع.»

يوسف ابتلع ريقه.

«طب عمل إيه؟»

الدكتور قلب الصفحة.

«هنا المشكلة.»

الصفحة اللي بعدها كانت ناقصة.

نصفها مقطوع بعناية.

يوسف قال:

«مين قطعها؟»

الحاجة زينب، اللي كانت واقفة عند الباب، ردت بصوت منخفض:

«مش عارفة.»

يوسف بص لها.

«إنتِ كنتِ تعرفي إن جدي كان عنده الكراسة دي؟»

سكتت.

ثم قالت:

«أنا كنت أعرف إن أبويا كان بيعتبرها أهم حاجة عنده… لكن بعد وفاته، الكراسة اختفت سنين.»

«واختفت فين؟»

«مش عارفة.»

يوسف رجع للكراسة.

وفي أسفل الصفحة كان فيه رقم مكتوب بالقلم الرصاص:

17

الدكتور كريم لاحظه.

قال:

«ده رقم إيه؟»

يوسف هز راسه.

«مش عارف.»

لكن فجأة افتكر حاجة.

نفس الرقم كان موجود على باب مخزن قديم في آخر المزرعة.

المخزن اللي محدش استخدمه من سنين.

يوسف أخد الكراسة وجري.

الدكتور كريم والحاجة زينب وراه.

وصلوا للمخزن.

الباب كان مقفول بقفل صدئ.

يوسف حاول يفتحه، لكن القفل ما اتحركش.

الدكتور قال:

«استنى.»

جاب قطعة حديد من الأرض، وبعد محاولتين انكسر القفل.

فتحوا الباب.

ريحة تراب قديم خرجت منه.

المكان كان مليان أدوات زراعية مكسورة وصناديق خشب.

لكن في آخر المخزن كان فيه دولاب حديد صغير.

وعليه نفس الرقم:

17

يوسف قرب.

فتح الدولاب.

جواه ملف جلدي قديم.

فتحه.

وكانت الصدمة…

تقارير بيطرية.

تحاليل.

رسومات للنباتات.

وتسجيلات مكتوبة بخط جده.

لكن وسط الأوراق كان فيه ظرف بني مقفول.

يوسف فتحه.

جواه ورقة واحدة.

كتب فيها جده:

«لو وصلت للورقة دي، يبقى الوباء رجع.»

يوسف حس بقشعريرة.

كمل القراءة.

«لا تبيع الأرض، مهما عرضوا عليك.»

رفع يوسف عينه.

«مين؟»

مافيش إجابة.

رجع للورقة.

«لأن الأرض ليست فقط أرضًا. تحتها سر يجعلها مختلفة عن كل الأراضي المحيطة بها.»

الدكتور كريم قرب منه.

«كمّل.»

يوسف قرأ:

«منذ سنوات، اكتشفت أن مجرى المياه القديم يمر بالقرب من طبقة طبيعية غنية بعناصر نادرة، وعندما تنمو النباتات فوقها… تتغير قيمتها الغذائية بطريقة لم أفهمها بالكامل.»

الدكتور سكت.

يوسف قال:

«يعني جدي كان عارف إن العلف اللي بيطلع هنا مختلف؟»

«واضح.»

قلب يوسف الورقة.

لكن آخر سطر كان أكثر غموضًا:

«ولا تجعل أحدًا يعرف الحقيقة كاملة… لأن بعض الناس لن يروا في الأرض علاجًا للمواشي، بل سيرون فيها فرصة للثراء.»

في نفس اللحظة…

سمعوا صوت عربية بتقف خارج المخزن.

الحاجة زينب بصت من الشباك الصغير.

وشها اتغير.

يوسف سأل:

«مين؟»

قالت:

«الحاج صابر.»

خرج يوسف.

كان الحاج صابر واقف جنب عربيته، لكن المرة دي ما كانش لوحده.

كان معاه رجلين من خارج القرية.

الحاج صابر بص ناحية يوسف وقال:

«سمعت إن عندك حاجة جديدة.»

يوسف سأل:

«حاجة إيه؟»

الحاج صابر ابتسم ابتسامة غريبة.

«الناس كلها بتتكلم عن مواشيك.»

ثم قرب خطوة.

«بيقولوا إنك لقيت سر في أرض جدك.»

يوسف سكت.

الرجل اللي كان واقف جنب الحاج صابر قال:

«إحنا مش جايين نعمل مشكلة.»

ثم أضاف:

«جايين نشتري جزء من الأرض.»

يوسف رد فورًا:

«مش للبيع.»

الرجل ابتسم.

«حتى لو السعر كبير؟»

«مش للبيع.»

الحاج صابر تدخل:

«يا يوسف، فكر بعقلك. الأرض دي مهجورة من سنين. إنت لسه عندك 19 سنة، ومش هتعرف تدير كل ده لوحدك.»

يوسف بص له بثبات.

«أنا هتعلم.»

الحاج صابر سكت.

ثم قال جملة جعلت يوسف يشك أكثر:

«إنت مش فاهم إنت لقيت إيه.»

يوسف سأله:

«وإنت فاهم؟»

لأول مرة، اختفت الابتسامة من وجه الحاج صابر.

سكت ثواني.

ثم قال:

«أكتر مما تتخيل.»

وركب عربيته ومشي.

يوسف فضل واقف يتابع العربية وهي بتبعد.

الدكتور كريم قرب منه.

«إنت شاكك فيه؟»

يوسف قال:

«أنا مش شاكك في حد.»

ثم رفع الكراسة.

«بس واضح إن جدي كان عارف إن اليوم ده هييجي.»

وفي نفس الليلة…

بدأت الأخبار تنتشر إن المرض وصل إلى قرية تانية.

وبعدها بساعات، وصل اتصال للدكتور كريم.

رد.

وشه اتغير.

قفل المكالمة وقال:

«المرض اتسجل في 11 مزرعة جديدة.»

يوسف سأل:

«ومواشينا؟»

الدكتور بص له.

«ولا حالة.»

يوسف سكت.

ثم قال:

«يبقى لازم نعرف ليه.»

لكن قبل ما يبدأوا البحث…

وصل خبر أخطر.

واحد من أكبر مربي المواشي في المنطقة أُصيبت عنده كل الحيوانات تقريبًا.

والناس بدأت تتجمع أمام مزرعته.

وفي وسط الفوضى…

كان فيه شخص واحد واقف بعيد، بيراقب مزرعة يوسف من آخر الطريق.

ولما شاف النور انطفى في بيت يوسف…

طلع هاتفه واتصل بشخص مجهول.

وقال:

«أيوه… لقينا الأرض.»

سكت لحظة.

ثم أضاف:

«والولد بدأ يفهم السر.»

وأغلق الهاتف.في صباح اليوم التالي، يوسف صحى على صوت خبط شديد على باب المزرعة.

فتح الباب، فلقى الدكتور كريم واقف ومعاه رجلين من الإدارة البيطرية.

الدكتور قال بسرعة:

«لازم نفحص المواشي كلها.»

يوسف اتوتر.

«ليه؟»

«وصلتنا تعليمات إن أي مزرعة في المنطقة لازم تتفحص، خصوصًا المزارع اللي ما ظهرتش فيها إصابات.»

يوسف فتح لهم البوابة.

دخلوا الحظائر، وفحصوا العجول واحدة واحدة.

حرارة.

تنفس.

عينين.

شهية.

معدل الحركة.

وبعد ساعة تقريبًا، أحد الأطباء وقف مذهولًا.

«كلهم طبيعيين.»

الدكتور كريم ابتسم، لكن ابتسامته كانت ناقصة.

قال:

«وده اللي مخوفني.»

يوسف بص له.

«ليه؟»

«لأن مقاومة المرض بالشكل ده مش مجرد صدفة.»

في نفس اللحظة، واحد من الأطباء شاور ناحية حوض المياه.

«المياه دي منين؟»

يوسف شرح لهم قصة البئر القديم.

الطبيب طلب عينة فورًا.

ثم طلب عينة من العلف الأخضر.

وبعد ما خرجوا، قال الدكتور كريم:

«النتائج دي ممكن تغير طريقة تعاملنا مع المزارع كلها.»

يوسف سأل:

«يعني نقدر نساعد باقي المواشي؟»

الدكتور رد بحذر:

«ممكن نساعد، لكن لازم نعرف السبب الحقيقي الأول.»

يوسف رجع للكراسة.

«جدي كان عارف.»

فتح الصفحة اللي فيها الملاحظات القديمة.

«بس في صفحات ناقصة.»

الدكتور كريم قال:

«يبقى ندور على النسخة الأصلية.»

يوسف بص له باستغراب.

«نسخة أصلية؟»

الدكتور أشار للكراسة.

«جدك كان بيسجل كل حاجة بالتفصيل. مستحيل يكون كتب أهم اكتشافاته في كراسة واحدة بس.»

بدأوا البحث في المخزن.

صندوق وراء صندوق.

أوراق قديمة.

خرائط.

فواتير.

صور بالأبيض والأسود.

لكن مفيش شيء.

لحد ما الحاجة زينب قالت:

«استنوا.»

كانت ماسكة صورة قديمة.

الصورة كانت لجده الأكبر واقف قدام الأرض، وخلفه مجموعة من الرجال.

يوسف قرب منها.

«مين دول؟»

الحاجة زينب قالت:

«ناس كانوا بيشتغلوا معاه زمان.»

يوسف ركز في الصورة.

واحد من الرجال كان ماسك لوحة خشبية عليها رقم.

17

يوسف تجمد.

«المخزن رقم 17…»

قلب الصورة.

على ظهرها كان فيه كلام مكتوب:

«المكان اللي بدأ منه كل شيء.»

يوسف رفع عينيه.

«يعني في مكان تاني؟»

الحاجة زينب هزت رأسها.

«يمكن.»

خرجوا من المخزن وبدأوا يراجعوا الخريطة القديمة.

الخط الأزرق اللي رسمه جده كان ممتدًا لمسافة أبعد مما توقع يوسف.

كان خارج حدود الأرض الحالية.

واصل ناحية منطقة صخرية مهجورة.

يوسف قال:

«أنا عمري ما رحت هناك.»

الدكتور كريم رد:

«يبقى نروح.»

بعد ساعة، كانوا واقفين عند نهاية المزرعة.

كان المكان مليان صخور وأشجار برية.

مفيش أي علامة تدل على وجود شيء.

لكن يوسف لاحظ حجرًا كبيرًا عليه نفس الرمز القديم.

حركه.

ظهر تحته صندوق معدني صغير.

فتحوه.

جواه زجاجات قديمة جدًا، وبعض الأوراق.

لكن أهم شيء كان دفتر صغير.

يوسف فتحه.

وكانت أول جملة فيه:

«التجربة نجحت.»

الدكتور كريم قرب منه.

بدأوا يقرأوا.

جده كان قد اكتشف أن نوعًا معينًا من النباتات البرية ينمو فقط في جزء محدد من الأرض، وأن المواشي التي تتغذى عليه بانتظام كانت تتمتع بصحة أفضل.

لكن كان فيه شيء آخر.

جملة تكررت أكثر من مرة:

«لا تستخدمه قبل معرفة سبب المرض.»

الدكتور كريم قال:

«دي نقطة مهمة جدًا.»

يوسف سأله:

«ليه؟»

«لأن جدك ما كانش بيتعامل مع النبات كدواء. كان بيعتبره جزءًا من نظام غذائي، والفرق كبير.»

يوسف بدأ يفهم.

الموضوع ما كانش وصفة سحرية.

كان نظامًا كاملًا.

مياه نظيفة.

تهوية.

نظافة.

غذاء متوازن.

والنبات ده كجزء من التغذية.

لكن قبل ما يكملوا…

وصلهم صوت محرك سيارة.

التفتوا.

عربية سوداء كانت واقفة بعيد.

نزل منها رجل.

كان نفس الرجل اللي شافه يوسف مع الحاج صابر.

لكن المرة دي كان لوحده.

قال بصوت مرتفع:

«يوسف!»

يوسف ما ردش.

الرجل قرب.

«أنا جاي أتكلم معاك للمرة الأخيرة.»

يوسف قال:

«اتفضل.»

الرجل أشار ناحية الأرض.

«إنت لسه صغير، ومش مدرك قيمة اللي تحت رجليك.»

يوسف سأله:

«وإنت عايز إيه؟»

«نشتري الأرض.»

«قلت لأ.»

الرجل ابتسم.

«مش لازم تبيعها كلها.»

يوسف سكت.

الرجل كمل:

«بيع الجزء اللي فيه البئر والمزرعة القديمة.»

الدكتور كريم تدخل:

«وليه الجزء ده بالذات؟»

الرجل ما ردش.

وهنا يوسف فهم.

هو مش عايز الأرض كلها.

هو عايز يعرف مكان المياه.

يوسف قرب منه وقال:

«مين بعتك؟»

الرجل ابتسم.

«فكر في السؤال ده كويس.»

ثم ركب عربيته ومشي.

الدكتور كريم بص ليوسف.

«واضح إن الموضوع أكبر من الوباء.»

يوسف رجع يبص للدفتر القديم.

وفي آخر صفحة…

لقى خريطة صغيرة.

عليها علامة حمراء.

وتحتها جملة واحدة:

«إذا ظهر الوباء مرة أخرى، ابحث عن الحجر الأبيض قبل أن يبحث الآخرون عنك.»

يوسف رفع رأسه.

وعلى بعد أمتار قليلة…

كان فيه حجر أبيض كبير وسط الحشائش.

لكن قبل ما يروح له…

سمع صوت صراخ من ناحية الحظائر.

جرى بأقصى سرعته.

ولما وصل…

لقى أحد العجول واقع على الأرض.

وكان أول عجل من الـ83 تظهر عليه أعراض غريبة.

الدكتور كريم ركع جنبه.

فحصه بسرعة.

ثم قال:

«يوسف… لازم نتحرك فورًا.»

«ماله؟»

الدكتور رفع عينه.

«دي أول حالة عندك.»

يوسف بص للعجل، ثم بص للكراسة.

لأن جده كان كاتب جملة واضحة جدًا:

«إذا مرض أول عجل عندك، لا تكرر خطئي.»

يوسف قلب الصفحة التالية بسرعة…

لكن الصفحة كانت ممزقة.

والجزء الوحيد المتبقي منها كان يحمل ثلاث كلمات:

«اذهب إلى الحجر… الآن.»يوسف ما استناش ثانية.

ساب الدكتور كريم مع العجل، وجري ناحية الحجر الأبيض.

كان قلبه بيخبط بعنف، وكل خطوة كان بيحس إن جملة جده بتتردد في دماغه:

«اذهب إلى الحجر… الآن.»

وصل عند الحجر.

لف حواليه.

مفيش حاجة.

حاول يحركه، لكنه كان تقيل جدًا.

نادى على عاملين من المزرعة، وبعد دقائق بدأوا يحفروا حوله.

وبمجرد ما شالوا التراب من جانبه…

ظهر غطاء معدني صغير.

يوسف ركع وفتحه.

تحته كان فيه تجويف ضيق، وفيه صندوق خشبي ملفوف بقماش زيتي قديم.

طلعه بحذر.

الدكتور كريم كان وصل له.

قال:

«افتحه.»

يوسف فتح الصندوق.

جواه ثلاث حاجات فقط:

زجاجة زجاج صغيرة محكمة الغلق.

كراسة رفيعة.

ومفتاح نحاسي قديم.

يوسف مسك الكراسة.

أول صفحة كانت مكتوب فيها:

«إلى ابني… أو إلى من يأتي بعدي.»

بدأ يقرأ.

«لو وصلت إلى هنا، فاعلم أنني لم أكن أبحث عن علاج لمرض بعينه. كنت أبحث عن طريقة تجعل الماشية أقوى قبل أن يأتي المرض.»

الدكتور كريم قال:

«كمّل.»

«المرض لا يبدأ دائمًا داخل الحيوان. أحيانًا يبدأ من البيئة المحيطة به… من المياه، من التهوية، من الزحام، من الغذاء، ومن إهمال أبسط التفاصيل.»

يوسف سكت.

الجملة كانت منطقية جدًا.

لكن بعدها ظهر شيء أكثر أهمية.

«والنبات الموجود في أرضنا ليس علاجًا سحريًا. قوته تأتي من التربة والمياه وطريقة زراعته. إذا أفسدت واحدًا منها، فلن تحصل على نفس النتيجة.»

يوسف رفع عينيه.

«يعني لازم نحافظ على كل حاجة.»

الدكتور هز رأسه.

«بالضبط.»

ثم قلب يوسف الصفحة.

وكانت المفاجأة.

جده كان قد كتب أسماء مزارع قديمة، وتواريخ إصاباتها.

وفي آخر القائمة اسم واحد:

مزرعة الحاج صابر الجندي.

يوسف اتجمد.

«الحاج صابر كان موجود وقتها؟»

الدكتور أخذ الكراسة منه.

قرأ الاسم.

ثم قال:

«واضح إن عيلته كانت بتربي مواشي هنا من زمان.»

يوسف قلب الصفحة التالية.

لكن بدل ما يلاقي شرحًا، وجد رسمًا بسيطًا للأرض.

خط أزرق.

نقطة حمراء.

وسهم يشير إلى مكان البئر.

ثم جملة:

«من يسيطر على الماء، يستطيع أن يسيطر على الأرض.»

يوسف حس بقشعريرة.

فجأة فهم ليه الرجل الغريب كان عايز الجزء اللي فيه البئر.

لكن قبل ما يقول حاجة…

سمعوا صوت عربية تقترب.

كانت عربية الحاج صابر.

نزل منها وهو غاضب.

«يوسف!»

يوسف وقف.

«نعم؟»

الحاج صابر بص للدكتور كريم، ثم للكراسة اللي في إيد يوسف.

وشه تغير.

«لقيتها؟»

السؤال وقع على يوسف كالصاعقة.

«إنت عارف الكراسة؟»

الحاج صابر سكت.

الدكتور كريم وقف بجانب يوسف.

«رد عليه.»

الحاج صابر بص للأرض.

وبعد لحظات قال:

«أبويا كان بيحكي لي عن جدك.»

يوسف قال:

«عن إيه؟»

«عن الأرض.»

«وعن الوباء؟»

الحاج صابر رفع عينه.

«أيوه.»

يوسف اقترب.

«إنت كنت عارف كل ده وسكت؟»

الحاج صابر رد:

«لأني ما كنتش متأكد.»

«طب ليه حاولت تشتري الأرض؟»

الحاج صابر ما جاوبش.

وفي اللحظة دي، رن هاتفه.

بص للشاشة.

وتغير وجهه.

رد بسرعة.

«ألو؟»

سكت.

ثم قال:

«إيه؟»

صوته ارتفع.

«كلها؟»

أنهى المكالمة.

يوسف سأله:

«في إيه؟»

الحاج صابر قال بصوت منخفض:

«الوباء وصل عندي.»

الدكتور كريم سأل:

«كام رأس؟»

الحاج صابر بلع ريقه.

«أكتر من 200.»

ساد الصمت.

يوسف بص له.

لأول مرة شاف الخوف الحقيقي في عيني الرجل اللي طول عمره كان شايف نفسه أقوى واحد في المنطقة.

الحاج صابر قرب منه.

«أنا محتاج مساعدتك.»

يوسف ما ردش.

الحاج صابر قال:

«مش عشان الفلوس.»

«أمال عشان إيه؟»

«عشان أنا خسرت ناس كتير في حياتي… ومش مستعد أخسر كل اللي عندي بسبب مرض ممكن نوقفه.»

يوسف بص للدكتور كريم.

الدكتور قال:

«لو هنساعده، لازم نعرف كل التفاصيل عن مزرعته.»

الحاج صابر وافق فورًا.

لكن يوسف كان عنده سؤال واحد:

«مين الرجل اللي جه معاك؟»

الحاج صابر سكت.

ثم قال:

«أنا ما جبتهوش.»

«أمال مين جابه؟»

قبل ما يرد…

سمعوا صوت سيارة أخرى.

لكن هذه المرة لم تتوقف عند بوابة المزرعة.

توقفت بعيدًا.

ونزل منها نفس الرجل الغريب.

كان واقفًا ويراقبهم.

الحاج صابر شافه.

وشه اصفر.

يوسف سأله:

«إنت تعرفه؟»

الحاج صابر قال بصوت خافت:

«ده الشخص اللي كان بيشتري مني الأرض من سنتين.»

يوسف اتصدم.

«يعني إيه؟»

الحاج صابر بص للرجل.

ثم قال:

«واللي أنا رفضت أبيع له… كان الجزء اللي تحت منه البئر القديم.»

في اللحظة دي…

يوسف فهم إن الموضوع مش مجرد مرض.

ولا مجرد أرض.

ولا حتى مجرد مواشي.

في حد كان يعرف سر الأرض من قبل ما يوسف يرجع للقرية.

وكان مستني اللحظة المناسبة عشان ياخده.

لكن يوسف ما كانش يعرف إن الكراسة اللي في إيده فيها معلومة أخطر من كل اللي عرفه لحد دلوقتي…

معلومة ممكن تكشف مين تسبب في ضياع الكراسة الأصلية قبل عشرات السنين.يوسف فضل ساكت، لكن عينه ما فارقتش الرجل اللي واقف بعيد.

الرجل ما حاولش يقرب.

بس كان واقف كأنه مستني حاجة.

الدكتور كريم قال:

«خلينا نرجع للمزرعة الأول. عندنا عجل مريض ولازم نتصرف بسرعة.»

رجعوا للحظيرة.

العجل كان لسه واقع على الأرض.

الدكتور بدأ يفحصه بدقة، وسجل كل عرض ظهر عليه.

يوسف وقف جنبه.

«هو نفس المرض؟»

الدكتور رد:

«لسه بدري نحكم.»

ثم رفع رأسه.

«بس في حاجة غريبة.»

«إيه؟»

«الأعراض مختلفة عن الحالات اللي شفتها عند الحاج صابر.»

يوسف اتفاجئ.

«يعني إيه؟»

«هناك المرض منتشر بسرعة. هنا العجل ده عنده أعراض تنفسية بسيطة، لكن مفيش نفس التدهور.»

يوسف افتكر كلام جده:

«لا تكرر خطئي.»

قال:

«يمكن جدي كان يقصد إننا ما نحاولش نعالج الحيوان قبل ما نعرف السبب.»

الدكتور ابتسم.

«أهو كده بدأت تفكر زيه.»

قضوا ساعات في متابعة العجل.

وبعد منتصف الليل، بدأت حرارته تنخفض.

وفي الصباح…

وقف العجل على رجليه.

يوسف تنفس براحة.

الدكتور قال:

«نجا.»

لكن بدل ما يفرحوا فقط، قرروا يعملوا مقارنة بين الحظيرتين.

نفس السلالة تقريبًا.

نفس العمر.

لكن الفرق كان في طريقة التربية.

التهوية.

المياه.

النظافة.

والغذاء.

الدكتور كتب كل شيء.

ثم قال:

«لو النتائج المعملية أكدت اللي إحنا شايفينه، نقدر نعمل نظام وقائي للمزارع اللي لسه ما اتأثرتش.»

يوسف قال:

«وممكن نساعد اللي اتصاب بالفعل؟»

«نقدر نقلل الخسائر، لكن لازم كل مزرعة تتعامل حسب حالتها وتحت إشراف بيطري.»

يوسف هز رأسه.

في نفس اليوم، بدأ يساعد الحاج صابر في تحسين التهوية وتقليل الزحام وعزل الحالات المريضة، بينما كان الدكتور كريم يتابع الحيوانات ويحدد العلاج المناسب.

بعد يومين، حصل شيء لم يتوقعه أحد.

عدد الحالات الجديدة في مزرعة الحاج صابر بدأ يقل.

والحيوانات اللي كانت في بداية الإصابة بدأت تتحسن.

الخبر انتشر بسرعة.

وبدأت المزارع الأخرى تسأل عن الطريقة.

لكن يوسف رفض ياخد فلوس من أي حد.

قال:

«لو عرفنا نوقف الخسارة، يبقى ده مكسب للبلد كلها.»

الحاج صابر سمعه.

وسكت فترة.

ثم قال:

«أبوك كان هيبقى فخور بيك.»

يوسف اتجمد.

لم يكن يحب الحديث عن والده.

لكنه لم يرد.

الحاج صابر لاحظ ذلك، فقال:

«أنا عارف إن بينك وبين أبوك مشاكل.»

يوسف قال:

«مش عايز أتكلم في الموضوع.»

«مش هتكلم.»

ثم أضاف:

«بس في حاجة لازم تعرفها.»

يوسف بص له.

«أبوك زار الأرض دي قبل كده.»

يوسف اتصدم.

«إمتى؟»

«من حوالي عشر سنين.»

«ليه؟»

الحاج صابر هز رأسه.

«كان بيدور على حاجة.»

يوسف سأل بسرعة:

«إيه؟»

«مش عارف.»

«طب ليه ما قلتليش قبل كده؟»

الحاج صابر رد:

«لأني ما كنتش أعرف إنك رجعت.»

يوسف سكت.

رجع البيت في نفس الليلة.

الحاجة زينب كانت مستنياه.

أول ما شافته قالت:

«عرفت؟»

يوسف وقف.

«إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا جه هنا؟»

الحاجة زينب تنهدت.

«أيوه.»

يوسف اتضايق.

«وليه محدش قال لي؟»

«لأن أبوك طلب مننا ما نتكلمش.»

«كان بيدور على إيه؟»

الحاجة زينب بصت ناحية الأوضة القديمة.

«على نفس الشيء اللي بتدور عليه إنت دلوقتي.»

يوسف قرب منها.

«إيه هو؟»

قالت:

«الدفتر.»

«أي دفتر؟»

«الدفتر الأصلي اللي كان فيه كل أسرار الأرض.»

يوسف سأل:

«بس إحنا لقينا كراسات جدي.»

«دي مش الأصلية.»

سكت يوسف.

«أمال فين الأصلية؟»

الحاجة زينب قالت:

«أبوك أخدها.»

يوسف حس إن الأرض اتحركت تحته.

«إنتِ متأكدة؟»

«أيوه.»

«ليه؟»

«قال إنها لو وقعت في إيد الشخص الغلط، ممكن تضيع الأرض كلها.»

يوسف بدأ يفكر.

لو والده كان عنده الدفتر…

يبقى ليه ساب الأرض؟

وليه ما قالش له أي حاجة؟

وقبل ما يسأل أكثر…

سمعوا طرقًا على الباب.

الحاجة زينب قالت:

«مين؟»

صوت رجل من الخارج:

«يوسف عبدالسلام؟»

يوسف فتح الباب.

كان رجل مسن، ماسك ظرفًا بنيًا.

قال:

«أنا كنت أعرف جدك.»

ثم مد الظرف ليوسف.

«ده كان لازم أوصله لك من سنين.»

يوسف أخده.

«إيه ده؟»

الرجل قال:

«آخر رسالة كتبها جدك قبل ما يموت.»

يوسف فتح الظرف بيد مرتعشة.

وكانت الرسالة قصيرة جدًا:

«يوسف… لو وصلت للحقيقة، لا تبحث عن الدفتر عند الغرباء.»

«ابحث عنه عند أقرب شخص إليك.»

تحتها كان فيه سطر أخير:

«وأول شخص يجب أن تسأله… هو والدك.»

يوسف رفع عينيه.

ولأول مرة، السؤال اللي كان بيهرب منه سنين بقى قدامه مباشرة:

إيه اللي كان والده يعرفه عن الأرض؟

وفي اللحظة نفسها، وصلته رسالة على هاتفه من رقم مجهول:

«لو عايز تعرف الحقيقة، تعالى لوحدك عند المخزن القديم قبل منتصف الليل.»

يوسف بص للرسالة.

ثم بص للحاجة زينب.

وكان يعرف إن الليلة دي…

هتغير كل حاجة.يوسف فضل باصص للرسالة فترة طويلة.

الحاجة زينب لاحظت القلق في عينيه.

قالت:

«مين؟»

يوسف ما أخبيش عليها.

ناولها الهاتف.

قرأت الرسالة، وبعدين رفعت عينيها له.

«مش هتروح.»

يوسف قال:

«لازم أعرف.»

«المعرفة مش معناها إنك تمشي ورا أي رسالة من مجهول.»

الدكتور كريم، اللي كان لسه موجود في البيت، تدخل:

«لو هتروح، مش هتروح لوحدك.»

يوسف اعترض:

«هو كاتب لوحدي.»

الدكتور رد:

«وده بالضبط سبب إنك ما تروحش لوحدك.»

اتفقوا إن يوسف يروح للمكان، لكن يفضل الدكتور كريم قريب منه، من غير ما يظهر.

وقبل منتصف الليل بقليل، وصل يوسف عند المخزن القديم.

القرية كانت هادئة.

والهواء بارد.

المخزن واقف وسط الظلام، والباب الحديدي بيصدر صوت خفيف مع كل نسمة.

يوسف دخل.

«أنا جيت.»

مفيش رد.

مشى خطوتين.

ثم سمع صوتًا من آخر المخزن:

«كنت عارف إنك هتيجي.»

ظهر رجل في الظلام.

يوسف قرب خطوة.

وكانت المفاجأة…

إنه الرجل الغريب.

قال يوسف:

«إنت اللي بعت الرسالة؟»

الرجل رد:

«أيوه.»

«وعايز إيه؟»

«عايزك تسمع الحقيقة قبل ما تسمعها من شخص تاني.»

يوسف سكت.

الرجل أخرج صورة قديمة من جيبه.

«بص.»

يوسف أخذ الصورة.

كانت لجده الأكبر، واقف جنب رجل أصغر سنًا.

يوسف حدق في الرجل.

ثم شهق.

«ده أبويا.»

الرجل هز رأسه.

«الصورة دي اتصورت قبل ما تتولد بسنين.»

يوسف قال:

«كان بيعمل إيه مع جدي؟»

الرجل رد:

«كان بيساعده في البحث.»

يوسف اتصدم.

«يعني أبويا كان عارف كل حاجة؟»

«كان عارف جزء كبير.»

«طب ليه خبى عني؟»

الرجل سكت قليلًا.

ثم قال:

«لأنه كان بيحاول يحميك.»

يوسف ضحك بسخرية.

«يحمني؟ وهو سايبني سنين وأنا فاكر إن الأرض دي مجرد أرض مهجورة؟»

الرجل قال:

«لأن اللي حصل قبل كده كان خطر.»

يوسف قرب منه.

«احكي.»

الرجل أخرج دفترًا صغيرًا.

«في آخر سنة من حياة جدك، بدأ ناس يعرضوا عليه فلوس ضخمة عشان يبيع الجزء اللي فيه البئر.»

يوسف قال:

«مين الناس دي؟»

«شركة كانت عايزة الأرض عشان تعمل مشروع زراعي كبير.»

«وجدي رفض.»

«أيوه.»

«وبعدين؟»

«بدأت المشاكل.»

الرجل فتح الدفتر.

«محاولات لشراء الأرض بأسماء مختلفة. عروض أكبر. ضغط من ناس في المنطقة.»

يوسف سأل:

«وهل حصل حاجة لجدي؟»

الرجل هز رأسه.

«هو ما اتأذاش، لكن حصل شيء أخطر.»

«إيه؟»

«اختفت الكراسة الأصلية.»

يوسف قال:

«والدي كان عارف مكانها؟»

«كان آخر شخص شافها.»

يوسف تجمد.

«يعني هو أخدها؟»

الرجل قال:

«أيوه.»

يوسف سكت.

«بس مش عشان يبيع الأرض.»

ثم مد له مفتاحًا صغيرًا.

«أبوك أخدها وخباها.»

يوسف سأل:

«فين؟»

الرجل قال:

«أنا ما أعرفش.»

«يبقى إنت عايز مني إيه؟»

«عايزك تعرف إن الناس اللي كانت بتدور عليها زمان… رجعت تدور عليها دلوقتي.»

يوسف سأله:

«والوباء؟»

الرجل سكت.

يوسف كرر:

«هل الوباء له علاقة باللي بيحصل؟»

الرجل رد بسرعة:

«ما تتهمش حد من غير دليل.»

ثم قال:

«المرض حقيقي، ولازم يتعامل معاه الأطباء البيطريين. لكن في ناس استغلت ظهوره عشان تحاول تشتري الأراضي من أصحابها بأسعار قليلة.»

يوسف بدأ يفهم.

لو المزارع خسرت مواشيها…

أصحابها هيفقدوا مصدر دخلهم.

وساعتها بيع الأرض هيبقى أسهل.

لكن الرجل أضاف:

«وفي حاجة أخطر.»

يوسف رفع عينيه.

«إيه؟»

«الشخص اللي بيشتري الأراضي مش مهتم بالمواشي أصلًا.»

«أمال مهتم بإيه؟»

الرجل أشار ناحية الأرض.

«بالمياه.»

في اللحظة دي…

اتسمع صوت خطوات خارج المخزن.

الرجل اتوتر.

«حد جاي.»

يوسف بص للباب.

ثم سمع صوت عربية بتقف.

الرجل قال:

«لازم تمشي دلوقتي.»

«وأنت؟»

«أنا هتصرف.»

يوسف خرج من الباب الخلفي.

اختبأ خلف سور قديم.

وبعد ثواني، شاف رجلين يدخلوا المخزن.

كان واحد منهم الحاج صابر.

والثاني…

كان والد يوسف.

يوسف اتجمد مكانه.

والده واقف قدامه بعد سنوات طويلة.

لكن والده ما كانش يعرف إن ابنه واقف على بعد أمتار قليلة، بيسمع كل كلمة.

الحاج صابر قال:

«يوسف بدأ يعرف.»

والده رد:

«كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»

الحاج صابر قال:

«يبقى لازم نوقفه قبل ما يفتح الدفتر.»

والد يوسف سكت.

ثم قال:

«أنا مش هسمح لحد يقرب من الأرض.»

يوسف حبس أنفاسه.

ولأول مرة فهم…

إن والده لم يكن بعيدًا عن القصة كما كان يعتقد.

لكن السؤال الأكبر كان:

هل والده جاء ليحمي الأرض… أم ليخفي سرًا أخطر؟يوسف فضل مستخبي ورا السور، وكل كلمة من كلام أبوه كانت بتدخل دماغه زي الصدمة.

الحاج صابر قال:

«لازم تقول له الحقيقة.»

والد يوسف رد بصوت هادي:

«الحقيقة مش كلها تتقال مرة واحدة.»

«الولد كبر.»

«عارف.»

«وبقى عنده مزرعة، و83 عجل، والناس كلها بدأت تتكلم عنه.»

سكت الأب لحظة.

ثم قال:

«وده اللي مخوفني.»

يوسف حس إن قلبه بيدق أسرع.

الحاج صابر سأله:

«إنت كنت فاكر إنه هيرجع للأرض؟»

الأب رد:

«لا.»

«طب ليه ما حاولتش تمنعه؟»

الأب تنهد.

«لأني كنت عارف إن الأرض هتنادي عليه في يوم من الأيام.»

يوسف اتصدم من الجملة.

الحاج صابر قال:

«بس الدفتر؟»

الأب رد:

«لسه عندي.»

يوسف كتم نفسه.

الدفتر عند أبوه.

الحاج صابر قال:

«ومين عايزه؟»

الأب سكت.

ثم قال:

«نفس الناس اللي كانوا بيدوروا عليه زمان.»

«رجعوا؟»

«من فترة.»

«وعارفين إن يوسف بدأ يشتغل في الأرض؟»

«أيوه.»

يوسف حس إن رجليه بتترعش.

لكن قبل ما يسمع أكتر، صدر صوت حجر تحت قدمه.

والده التفت فورًا.

«مين هناك؟»

يوسف جرى.

طلع من الناحية التانية للمخزن، وسمع والده بينادي:

«يوسف!»

لكنه ما وقفش.

جرى لحد ما وصل عند العربية اللي كان الدكتور كريم مستنيه فيها.

ركب بسرعة.

الدكتور سأله:

«إيه اللي حصل؟»

يوسف قال وهو بياخد نفسه:

«أبويا عنده الدفتر.»

الدكتور سكت.

«وسمعتهم بيقولوا إن في ناس بتدور عليه.»

رجعوا للمزرعة.

طوال الطريق يوسف ما اتكلمش.

كان عنده ألف سؤال.

لكن أهم سؤال كان:

ليه أبوه أخفى الدفتر عنه؟

في الصباح، قرر يوسف يواجهه.

راح للبيت القديم اللي كان أبوه بيقعد فيه وقت زياراته للبلد.

وقف قدام الباب.

وخبط.

الباب اتفتح.

والده وقف قدامه.

ثواني طويلة مرّت من غير كلمة.

ثم قال:

«كنت عارف إنك هتيجي.»

يوسف رد:

«إنت عندك الدفتر.»

والده سكت.

يوسف قال:

«ما تنكرش.»

والده دخل الصالة.

«اقعد.»

يوسف ما قعدش.

«عايز أعرف الحقيقة.»

والده بص له.

«الحقيقة إن جدك كان بيحاول يحمي الأرض من ناس طمعانة فيها.»

«وإنت؟»

«أنا كملت اللي بدأه.»

«طب ليه سيبتني؟»

السؤال خرج من يوسف بعفوية.

والده اتوجع، لكن ما ردش فورًا.

ثم قال:

«لأن وجودي في حياتك وقتها كان ممكن يجر عليك مشاكل أكبر.»

يوسف قال بغضب:

«وأنا اللي دفعت الثمن.»

الأب خفض عينيه.

«عارف.»

«ليه ما قلتليش؟»

«لأنك كنت صغير.»

«أنا دلوقتي مش صغير.»

الأب رفع عينه.

«عشان كده أنا مستعد أقول لك كل حاجة.»

ذهب إلى خزانة قديمة.

فتح درجًا سريًا.

وأخرج دفترًا جلديًا أسود.

وضعه أمام يوسف.

«ده هو.»

يوسف مد إيده.

لكن قبل ما يفتحه…

الأب قال:

«في شرط.»

يوسف بص له.

«إيه؟»

«لو هتفتح الدفتر، لازم تكون مستعد تعرف حاجة ممكن تغير نظرتك لعيلتنا كلها.»

يوسف قال:

«أنا عايز أعرف.»

فتح الدفتر.

أول الصفحات كانت ملاحظات جده.

لكن بعد عدة صفحات…

ظهر اسم لم يكن يوسف يتوقعه.

اسم والدته.

يوسف اتجمد.

قرأ السطر مرة.

ثم مرة ثانية.

«ماما؟»

والده سكت.

يوسف رفع رأسه.

«هي كانت تعرف؟»

والده قال:

«أيوه.»

«كانت تعرف عن الأرض؟»

«أكتر مما تتخيل.»

يوسف بدأ يقلب الصفحات بسرعة.

وجد رسائل قديمة.

ملاحظات.

وتاريخًا قبل سنوات من زواجهما.

وفي آخر صفحة كانت هناك جملة مكتوبة بخط مختلف:

«إذا عاد يوسف إلى الأرض، يجب أن يعرف الحقيقة كاملة.»

يوسف بص لأبوه.

«إيه الحقيقة؟»

الأب مد إيده وأشار إلى الصفحة الأخيرة.

«اقرأ.»

يوسف قرأ:

«الأرض ليست ملكًا لمن يحمل أوراقها… بل أمانة لمن يعرف كيف يحافظ عليها.»

ثم تحت الجملة كان فيه اسم شخص.

يوسف قرأه.

وتغير وجهه.

كان اسم الرجل الذي حاول شراء الأرض.

لكن بجانبه كانت توجد ملاحظة أخطر:

«هو ليس المالك الحقيقي.»

يوسف سأل:

«أمال مين؟»

والده قال:

«دي هي الحكاية اللي لازم تعرفها قبل ما تعمل أي خطوة.»

وفي نفس اللحظة، رن هاتف يوسف.

كان الدكتور كريم.

يوسف رد.

جاءه صوت الدكتور متوترًا:

«يوسف… عندنا مشكلة.»

«إيه؟»

«جيت المزرعة الصبح، ولقيت باب الحظيرة مفتوح.»

يوسف وقف.

«المواشي؟»

«كلها موجودة.»

«أمال إيه المشكلة؟»

الدكتور سكت لحظة.

ثم قال:

«حد دخل المزرعة وغيّر مصدر المياه.»

يوسف اتجمد.

الدكتور كمل:

«وفي عينة من المياه الجديدة طلعت ملوثة.»

يوسف بص للدفتر.

ثم لوالده.

لأن الجملة الأخيرة في كراسة جده عادت إلى ذهنه:

«من يسيطر على الماء، يستطيع أن يسيطر على الأرض.»

ولأول مرة…

بدأ يوسف يشك إن الخطر الحقيقي مش الوباء نفسه.

الخطر هو الشخص اللي يحاول يصنع كارثة داخل مزرعته، ثم يستغلها لانتزاع الأرض منه.يوسف قفل الدفتر بسرعة.

قال لأبوه:

«لازم أرجع المزرعة دلوقتي.»

والده وقف.

«هجيلك.»

يوسف بص له باستغراب.

«إنت؟»

«أيوه.»

ولأول مرة من سنين، خرج الأب وابنه من نفس الباب جنب بعض.

في الطريق، يوسف ما قدرش يمنع نفسه من السؤال:

«إنت كنت عارف إن حد ممكن يحاول يلوث المياه؟»

والده رد:

«كنت خايف من ده من زمان.»

«طب ليه ما حذرتنيش؟»

«لأني كنت فاكر إن إبعادك عن الموضوع هيحميك.»

يوسف قال بغضب:

«واضح إنه ما حمانيّش.»

الأب سكت.

وبعد دقائق وصلوا المزرعة.

الدكتور كريم كان واقف عند البئر، ومعاه رجال من الإدارة البيطرية.

قال:

«محدش يستخدم المياه دي لحد ما نتيجة التحليل تطلع.»

يوسف سأل:

«المواشي شربت منها؟»

«عدد قليل جدًا.»

يوسف تنفس براحة.

«والباقي؟»

«وقفنا المياه فورًا.»

ثم أشار الدكتور إلى الأرض.

«بس في حاجة أهم.»

كانت هناك آثار أقدام واضحة بالقرب من البئر.

أحد الأشخاص دخل من ناحية السور الخلفي.

يوسف ركع.

بص للآثار.

ثم لاحظ شيئًا صغيرًا عالقًا في الطين.

قطعة قماش سوداء.

والده شافها.

وشه اتغير.

يوسف سأله:

«إيه؟»

الأب قال:

«دي مش أول مرة أشوفها.»

«فين؟»

«في صورة قديمة.»

يوسف فتح الدفتر بسرعة.

رجع للصورة اللي كان الرجل الغريب وريهاله.

دقق في ملابس أحد الأشخاص الواقفين خلف جده.

كان على كتفه نفس الشعار الموجود على قطعة القماش.

دائرة صغيرة بداخلها خطين متقاطعين.

الدكتور كريم قال:

«الشعار ده معناه إيه؟»

والد يوسف رد:

«كان تابع لجمعية زراعية قديمة.»

يوسف سأله:

«جمعية إيه؟»

«اسمها جمعية النيل للتنمية الزراعية.»

الدكتور قال:

«وهل لسه موجودة؟»

الأب هز رأسه.

«لا. اتقفلت من أكتر من عشرين سنة.»

يوسف قال:

«أمال ليه حد لسه بيستخدم شعارها؟»

مفيش حد عرف يرد.

في المساء، ظهرت نتيجة التحليل.

المياه الجديدة كانت ملوثة فعلًا.

لكن لحسن الحظ، لم تصل إلى معظم الحيوانات.

الدكتور كريم قال:

«لازم نغير مصدر المياه بالكامل مؤقتًا، ونمنع أي استخدام للبئر لحد ما نطهر النظام ونعرف حصل إيه.»

يوسف وافق.

لكن الحاج صابر وصل في نفس اللحظة.

كان وجهه متوترًا.

قال:

«يوسف، لازم تيجي معايا.»

«فين؟»

«مزرعتي.»

الدكتور كريم سأله:

«في حالة جديدة؟»

الحاج صابر هز رأسه.

«لا.»

ثم نظر إلى يوسف.

«لقيت حاجة في المخزن القديم.»

يوسف ذهب معه.

دخلوا المخزن.

الحاج صابر أخرج صندوقًا معدنيًا من تحت ألواح خشبية.

وقال:

«ده كان عند أبويا.»

فتح الصندوق.

جواه أوراق قديمة جدًا.

يوسف بدأ يقلبها.

وكانت هناك قائمة بأسماء الأراضي التي حاولت الجمعية القديمة شراءها.

أرض.

أرض.

أرض.

حتى وصل إلى اسم أرض عائلته.

وبجواره ملاحظة:

«لم يتم البيع.»

لكن في أسفل الورقة كان فيه اسم آخر.

يوسف قرأه.

وتوقف.

كان اسم والدته.

الحاج صابر قال:

«أنا مش فاهم ليه اسمها موجود هنا.»

يوسف ما ردش.

أخذ الورقة.

رجع للمزرعة.

دخل غرفة جده القديمة.

بدأ يبحث في الصناديق.

بعد وقت طويل، وجد ظرفًا صغيرًا خلف لوح خشبي.

فتحه.

فيه رسالة من جدته.

قرأها:

«عبدالرحمن… لو قررت تبيع الأرض يومًا، لا تجعلهم يعرفون أن الماء هو السبب. سيحاولون شراء كل شيء بأقل سعر عندما يظنون أن الأرض ضعيفة.»

يوسف قرأها مرة أخرى.

ثم فهم.

كل السنين اللي الناس قالت فيها إن الأرض فقيرة…

كانت الأرض في الحقيقة تخفي مصدر قوتها.

لكن كان هناك شيء آخر.

آخر سطر في الرسالة:

«وابنتي تعرف أكثر مما تظن.»

يوسف رفع رأسه.

ابنتي.

هل كانت تقصد والدته؟

أم شخصًا آخر؟

وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت سيارة أمام المزرعة.

خرج يوسف.

كانت سيارة الرجل الغريب.

لكن الرجل لم ينزل.

فقط فتح الشباك وقال:

«يوسف، عندي عرض أخير.»

يوسف رد:

«مش مهتم.»

الرجل قال:

«اسمع الأول.»

«اتفضل.»

«هنشتري الأرض بسعر يساوي عشرة أضعاف قيمتها.»

الحاجة زينب، التي كانت تقف خلف يوسف، شهقت.

لكن يوسف قال:

«لأ.»

الرجل ابتسم.

«حتى لو قلت لك إننا هنضمن لك مستقبل مريح طول حياتك؟»

يوسف قال:

«قلت لأ.»

الرجل سكت.

ثم قال:

«يبقى للأسف… أنت اخترت الطريق الأصعب.»

تحركت السيارة.

يوسف فضل واقفًا.

والدكتور كريم قال:

«العرض الكبير ده معناه إن الأرض أهم مما كنا فاكرين.»

والد يوسف رد:

«وأخطر من كده… إنهم بدأوا يستعجلوا.»

يوسف بص له.

«ليه؟»

الأب قال:

«لأنهم لو عرفوا إننا اكتشفنا الحقيقة، مش هيكتفوا بمحاولة شراء الأرض.»

سكت.

ثم قال:

«هيحاولوا يخلونا نبيعها غصب عننا.»

وفي نفس اللحظة، جاء اتصال جديد.

هذه المرة من الإدارة البيطرية.

قال الصوت:

«يوسف… في مزرعة جديدة ظهر فيها المرض.»

يوسف سأل:

«فين؟»

جاء الرد:

«في المزرعة اللي جنبكم مباشرة.»

ثم أضاف الرجل:

«والأغرب إن صاحبها بيقول إن حد شاف سيارة سوداء واقفة عند البئر قبل ظهور الحالات بساعات.»

يوسف رفع عينيه ناحية والده.

لأن نفس السيارة…

كانت واقفة الآن عند آخر الطريق.

لكنها لم تكن سيارة الرجل الغريب.

كانت سيارة شخص آخر.

شخص يعرفه يوسف جيدًا.

والده.

يوسف التفت إليه ببطء.

ولأول مرة، بدأ يشك في السؤال الأصعب:

هل كان والده فعلًا يحميه؟

أم أن هناك جزءًا من الحقيقة لم يخبره به حتى الآن؟يوسف فضل باصص للعربية.

ثم بص لأبوه.

«العربية دي عربيتك؟»

والده ما ردش فورًا.

يوسف كرر:

«بابا… العربية اللي هناك دي عربيتك؟»

الأب قال بهدوء:

«أيوه.»

يوسف اتنفس بحدة.

«كنت واقف عند البئر بتاع المزرعة اللي جنبنا؟»

الأب هز رأسه.

«كنت هناك.»

الحاجة زينب قربت.

«ليه؟»

الأب قال:

«لأني كنت بتابع حاجة.»

يوسف قال بغضب:

«إيه الحاجة؟»

الأب فتح باب العربية وأخرج ملفًا.

«من كام أسبوع، بدأت أراقب حركة العربيات اللي بتدخل المنطقة.»

فتح الملف.

كان فيه صور لأرقام سيارات، وتواريخ، وأماكن.

«العربية دي ظهرت أكتر من مرة عند المزارع اللي ظهرت فيها الإصابات.»

يوسف سكت.

الأب كمل:

«وأنا كنت بحاول أعرف مين صاحبها.»

الدكتور كريم أخذ الملف.

بدأ يقلب الصور.

ثم قال:

«دي مش نفس العربية اللي جت عند مزرعتك.»

الأب رد:

«عارف.»

يوسف سأله:

«طب ليه كنت عند البئر؟»

«كنت بحاول أتأكد إن محدش دخل.»

يوسف سكت.

الغضب بدأ يهدأ قليلًا.

لكن سؤالًا جديدًا ظهر.

«طب ليه ما قلتليش؟»

الأب قال:

«لأني كنت عايز أتأكد قبل ما أخوفك.»

يوسف نظر إليه طويلًا.

ثم قال:

«أنا مش عايز حماية ناقصة. عايز الحقيقة.»

الأب هز رأسه.

«وهتعرفها.»

في اليوم التالي، بدأ الدكتور كريم مع الإدارة البيطرية في وضع خطة لمراقبة المزارع.

كل مزرعة جديدة تظهر فيها إصابة يتم تسجيل وقت ظهور الأعراض، ومصدر المياه، وحركة الأشخاص والسيارات.

وبعد أسبوع…

ظهر نمط غريب.

معظم الإصابات كانت تظهر بعد زيارة سيارة معينة للمزرعة بساعات.

لكن لم يكن هناك دليل كافٍ على من يقودها.

يوسف بدأ يحتفظ بسجل خاص.

التاريخ.

المزرعة.

مصدر المياه.

الزوار.

وأي حركة غير طبيعية.

وبعد عدة أيام، اكتشف شيئًا.

كل المزارع المصابة كانت تقع بالقرب من مجرى المياه القديم.

قال للدكتور كريم:

«شايف؟»

الدكتور راجع الخريطة.

«أيوه.»

يوسف أشار إلى نقطة.

«والأرض بتاعتنا هي آخر نقطة في المجرى.»

الدكتور سكت.

ثم قال:

«لو حد كان بيحاول يلوث المياه في أماكن مختلفة، ممكن يكون هدفه مش الماشية.»

«أمال إيه؟»

«إجبار أصحاب الأراضي على بيعها.»

يوسف افتكر كلام الرجل الغريب.

«عشان يشتروها بسعر قليل.»

الدكتور قال:

«بالضبط.»

لكن كانت هناك مشكلة.

كيف يثبتون ذلك؟

في مساء اليوم نفسه، جاء الحاج صابر ومعه رجل عجوز.

قال:

«ده عم نجيب. كان شغال مع جدك.»

الرجل سلم على يوسف.

ثم قال:

«أنا افتكرت حاجة.»

يوسف سأله:

«إيه؟»

«زمان، قبل ما الوباء الأول ينتشر، كان فيه واحد بيزور جدك كل أسبوع.»

«مين؟»

الرجل قال اسمًا.

يوسف اتصدم.

كان نفس اسم والد الرجل الغريب الذي حاول شراء الأرض.

عم نجيب أضاف:

«جدك كان بيرفض يقابله أحيانًا.»

يوسف سأله:

«ليه؟»

«لأنه كان عايز يشتري الأرض.»

ثم أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا.

«وجدك في آخر مرة شفته فيها قال لي: لو رجعوا بعد وفاتي، افتح لهم الصندوق رقم 4.»

يوسف أخذ المفتاح.

«فين الصندوق؟»

عم نجيب أشار ناحية المزرعة.

«في غرفة التخزين القديمة.»

ذهبوا جميعًا.

كان هناك أربعة صناديق.

فتحوا الأول.

فارغ.

الثاني.

أدوات.

الثالث.

أوراق.

الرابع…

كان مقفولًا.

يوسف أدخل المفتاح.

فتح الصندوق.

في الداخل كانت هناك خرائط كثيرة.

لكن وسط الخرائط كان هناك مستند رسمي.

يوسف قرأه.

ثم رفع رأسه ببطء.

المستند يثبت أن أرض العائلة كانت فوق منطقة مياه جوفية ممتدة تحت عدة قرى.

لكن الأهم…

كان هناك مخطط لمشروع قديم لتحويل المياه.

وفي آخر الصفحة اسم الشركة التي كانت تريد شراء الأرض.

يوسف قال:

«دي نفس الشركة اللي الرجل بيتكلم باسمها؟»

والده أخذ الورقة.

«أيوه.»

الحاج صابر قال:

«يعني كانوا مخططين من زمان.»

لكن الدكتور كريم أشار إلى تاريخ المستند.

«استنوا…»

التاريخ كان حديثًا نسبيًا.

أحدث من عمر جد يوسف بكثير.

يوسف بص لأبوه.

«مين جدد المخطط ده؟»

والده لم يرد.

ثم أخرج هاتفه.

فتح صورة.

وقال:

«أنا عارف مين.»

الصورة كانت لرجل يقف أمام مكتب الشركة.

يوسف حدق في وجهه.

كان نفس الرجل الغريب.

لكن المفاجأة أن بجانبه كان يقف شخص آخر.

يوسف عرفه فورًا.

كان واحدًا من أقارب الحاج صابر.

الحاج صابر صُدم.

«مستحيل.»

يوسف قال:

«لازم نعرف هو شغال معاهم ولا لأ.»

وفجأة…

دخل أحد العمال يجري.

قال:

«يا يوسف!»

«في إيه؟»

«العجول بدأت تكح تاني.»

يوسف جرى للحظيرة.

لكن هذه المرة، لم تكن المشكلة في المياه.

ولا في العلف.

ولا في التهوية.

كل شيء كان سليمًا.

الدكتور كريم فحص المكان.

ثم انحنى والتقط شيئًا من الأرض.

كان كيسًا صغيرًا، مفتوحًا.

يوسف سأله:

«ده إيه؟»

الدكتور شم الرائحة، ثم قال:

«مادة مطهرة قوية.»

يوسف اتوتر.

«مين حطها هنا؟»

الدكتور هز رأسه.

«مش عارف، لكن وجودها هنا ممكن يسبب مشاكل للحيوانات لو اتعرضوا لكمية كبيرة منها.»

يوسف بص للباب.

ثم للسور.

ثم قال:

«يعني حد دخل الحظيرة.»

الدكتور رد:

«واضح.»

يوسف سكت.

ثم قال:

«المرة الجاية مش هنستناه.»

وفي تلك الليلة، قرر يوسف وضع كاميرات مراقبة حول المزرعة.

لكن قبل ما يركب أول كاميرا…

وصلته رسالة من رقم مجهول:

«لو عايز تمسك اللي بيدخل مزرعتك… سيب له بابًا مفتوحًا.»

يوسف قرأ الرسالة أكثر من مرة.

ثم رفع عينيه.

وفهم أن هناك شخصًا آخر يراقب ما يحدث…

شخصًا يعرف تفاصيل المزرعة بدقة.

والأخطر من ذلك…

أن الرسالة التالية وصلت بعد دقيقة واحدة فقط:

«لكن لما يدخل… ما تثقش في أول شخص هتشوفه.»يوسف فضل ماسك الهاتف، وعينه ثابتة على الرسالة.

«ما تثقش في أول شخص هتشوفه.»

قال للدكتور كريم:

«حد عارف كل خطوة بنعملها.»

الدكتور بص له بجدية.

«يبقى ما نتصرفش بعشوائية.»

يوسف قرر ما يردش على الرقم.

بدل كده، عملوا الليلة كلها في هدوء.

ركبوا كاميرات عند البوابة، وعند الحظائر، وقرب البئر.

لكن يوسف ترك بابًا جانبيًا مفتوحًا فعلًا.

مثلما قالت الرسالة.

منتصف الليل عدى.

الواحدة.

الاتنين.

القرية كلها تقريبًا كانت نايمة.

وفجأة…

ظهر ظل عند الباب الجانبي.

شخص دخل بهدوء.

وقف لحظات، وبص حوله.

ثم اتجه ناحية الحظيرة.

يوسف كان بيتابع من شاشة صغيرة في غرفة المراقبة.

الدكتور كريم بجانبه.

قال يوسف:

«دخل.»

الدكتور رد:

«استنى.»

الشخص اقترب من الحظيرة.

أخرج شيئًا من جيبه.

يوسف بدأ يتحرك، لكن الدكتور مسكه من ذراعه.

«لسه.»

الشخص انحنى عند حوض المياه.

وبعد ثوانٍ وقف.

يوسف قال:

«دلوقتي.»

خرجوا من غرفة المراقبة.

الرجل سمع صوت الباب.

حاول يجري.

لكن الحاج صابر كان واقف عند المخرج الآخر.

أمسكه.

وقع شيء من جيب الرجل على الأرض.

يوسف قرب.

كان مفتاحًا.

نفس المفتاح النحاسي القديم الموجود في صندوق جده.

يوسف بص للرجل.

«إنت مين؟»

الرجل سكت.

الحاج صابر قال:

«اتكلم.»

رفع الرجل رأسه.

وكانت المفاجأة…

إنه أحد العمال الذين يعملون في مزرعة يوسف منذ أسابيع.

يوسف اتصدم.

«إنت؟»

الرجل قال:

«أنا ما كنتش عايز أضر الحيوانات.»

الدكتور كريم قال:

«أمال كنت بتعمل إيه؟»

الرجل بدأ يرتجف.

«أنا كنت باخد عينات.»

يوسف سأله:

«عينات من إيه؟»

«المياه… والتربة… والعلف.»

«لمين؟»

الرجل سكت.

يوسف قرب منه.

«لمين؟»

قال الرجل أخيرًا:

«للشركة.»

الحاج صابر انفعل:

«أي شركة؟»

الرجل قال اسم الشركة.

نفس الشركة الموجودة في المستندات القديمة.

يوسف شعر بغضب شديد.

«ليه؟»

الرجل قال:

«قالوا لي إنهم محتاجين يعرفوا هل الأرض فعلًا فيها المياه اللي بيتكلموا عنها.»

الدكتور كريم سأله:

«ومين طلب منك؟»

الرجل قال:

«شخص اسمه سامح.»

يوسف تجمد.

سامح كان اسم الرجل الغريب.

لكن العامل أضاف:

«بس سامح مش هو اللي بيدير الموضوع.»

يوسف سأله:

«أمال مين؟»

الرجل نظر إليه.

«حد أقرب منك.»

ساد الصمت.

يوسف قال:

«مين؟»

الرجل أخرج ورقة مطوية.

«أنا ما أعرفش اسمه، بس شفت رقمه بيتصل بيا من تليفون واحد من أهل البلد.»

يوسف فتح الورقة.

كان عليها رقم هاتف.

والدكتور كريم قال:

«خلينا نتحقق منه قبل ما نتهم حد.»

لكن الحاج صابر كان ينظر للرقم بصمت.

يوسف لاحظ.

«إنت تعرف الرقم؟»

الحاج صابر لم يرد.

يوسف كرر:

«تعرفه؟»

قال أخيرًا:

«أيوه.»

«بتاع مين؟»

الحاج صابر رفع عينيه.

«بتاع ابن أخويا.»

يوسف افتكر المستند والصورة.

نفس القريب الذي ظهر مع الرجل الغريب.

الحاج صابر قال:

«بس أنا مش مصدق إنه يعمل كده.»

يوسف رد:

«لازم نتأكد.»

في الصباح، ذهبوا لمقابلة الرجل.

لكن البيت كان مقفولًا.

الجيران قالوا إنه خرج قبل الفجر.

يوسف سأل:

«راح فين؟»

أحدهم قال:

«مش عارف.»

ثم أضاف:

«بس شفته شايل شنطة كبيرة.»

يوسف رجع للمزرعة.

وكانت هناك مفاجأة جديدة تنتظره.

والده كان واقف عند البوابة.

وفي يده الدفتر الأسود.

قال:

«لازم تشوف الصفحة دي.»

يوسف أخذه.

فتح الأب الصفحة.

كان فيها مخطط للمياه الجوفية.

لكن تحت المخطط كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط جده:

«المصدر ليس في البئر.»

يوسف رفع رأسه.

«إيه؟»

الأب قال:

«البئر مجرد نقطة وصول.»

الدكتور كريم قرب.

«يعني المصدر الحقيقي في مكان تاني؟»

الأب أشار إلى الخريطة.

كان هناك خط يمتد من أرض العائلة إلى منطقة بعيدة عن المزرعة.

ثم يتوقف عند علامة حمراء.

يوسف قال:

«الحجر الأبيض.»

والده هز رأسه.

«أيوه.»

ثم أضاف:

«وجدك كان مخبي الحقيقة الأهم هناك.»

يوسف سأل:

«إيه الحقيقة؟»

والده لم يجاوب.

لأنه في نفس اللحظة، وصلت سيارة الشرطة إلى باب المزرعة.

نزل منها ضابط.

وتوجه مباشرة إلى يوسف.

قال:

«يوسف عبدالسلام؟»

«أيوه.»

الضابط أخرج ورقة.

«إحنا جايين بأمر تفتيش للمزرعة.»

يوسف اتصدم.

«ليه؟»

الضابط قال:

«وصلنا بلاغ إن في مواد ملوثة دخلت مصدر المياه هنا، وإن المزرعة ممكن تكون مصدر انتشار المرض.»

يوسف بص للدكتور كريم.

ثم لأبوه.

فهم فورًا…

حد قلب الموضوع ضده.

والضابط أضاف:

«وفي حاجة تانية.»

«إيه؟»

«البلاغ اتقدم باسم شخص من عيلتك.»

يوسف اتجمد.

«مين؟»

الضابط فتح الورقة.

وكان الاسم المكتوب هو:

والد يوسف عبدالسلام.يوسف بص لأبوه وكأنه مستني منه ينكر.

لكن والده ما قالش حاجة.

الضابط كرر:

«البلاغ مقدم باسم والدك، وبيقول إن فيه مخالفات داخل المزرعة ومصدر مياه غير آمن.»

يوسف قال:

«بس هو كان معايا طول الوقت!»

الضابط رد:

«إحنا مش جايين نتهم حد. إحنا جايين نتحقق.»

الدكتور كريم تدخل:

«وده الأفضل. أي عينة تتاخد تتسجل رسميًا وتتعمل لها تحاليل.»

بدأ التفتيش.

فحصوا الحظائر.

المخزن.

البئر.

وحتى غرفة الأدوات.

يوسف كان واقف متوتر، لكن والده كان هادئًا بشكل غريب.

بعد حوالي ساعة، أحد أفراد القوة خرج من غرفة التخزين ومعاه كيس بلاستيك صغير.

قال:

«لقينا ده.»

يوسف قرب.

كان بداخله مسحوق أبيض.

الدكتور كريم فحص العبوة من الخارج.

«دي مش من أدوات المزرعة.»

الضابط سأل:

«موجودة فين؟»

«ورا صندوق قديم.»

يوسف قال:

«الصندوق ده محدش بيفتحه.»

لكن والده فجأة قال:

«أنا عارف الصندوق ده.»

يوسف التفت له.

«إنت؟»

الأب قال:

«كان موجود من أيام جدك.»

الضابط سأله:

«هل تعرف محتواه؟»

«لا.»

يوسف شعر أن الأمر أصبح أخطر.

تم أخذ العبوة والعينات رسميًا.

وقبل ما الضابط يمشي، قال:

«لو ظهرت نتيجة التحليل، هنرجع لك.»

خرجت القوة.

يوسف لف ناحية أبوه.

«إنت اللي قدمت البلاغ؟»

الأب قال:

«لا.»

«بس اسمك موجود.»

«حد استخدم اسمي.»

«مين؟»

الأب هز رأسه.

«مش عارف.»

الحاج صابر قال:

«لازم نعرف مين عنده نسخة من بياناتك.»

الدكتور كريم أضاف:

«والأهم نعرف مين حط العبوة دي.»

يوسف سكت.

ثم تذكر الكاميرات.

رجعوا لغرفة المراقبة.

بدأوا يراجعوا التسجيلات.

الساعة 2:13 صباحًا.

ظهر العامل.

الساعة 2:17.

ظهر شخص آخر.

يوسف قرب من الشاشة.

الشخص كان لابس ملابس واسعة وغطى وجهه.

اتجه مباشرة إلى غرفة التخزين.

ثم خرج بعد أقل من دقيقة.

يوسف قال:

«كبر الصورة.»

كبروها.

الحركة كانت واضحة، لكن الوجه لا يزال مخفيًا.

ثم لاحظ يوسف شيئًا.

الشخص كان يعرج في رجله اليسرى.

الحاج صابر قال:

«أنا أعرف حد بيمشي كده.»

يوسف بص له.

«مين؟»

الحاج صابر قال:

«ابن أخويا.»

في اليوم التالي، ذهبوا إلى بيت الرجل.

كان فارغًا.

لكن الباب الخلفي كان مفتوحًا.

دخلوا.

المكان مرتب، لكن واضح إن صاحبه خرج على عجل.

في غرفة النوم وجد يوسف حقيبة مفتوحة.

داخلها أوراق.

وبين الأوراق…

صورة قديمة.

يوسف أخذها.

كانت لجده الأكبر مع مجموعة من الرجال.

وفي الخلف، ظهر جزء من مبنى قديم.

الدكتور كريم قال:

«استنى.»

أشار إلى زاوية الصورة.

كان هناك نقش على الحائط.

نفس شعار الجمعية القديمة.

الحاج صابر قال:

«المبنى ده كان مخزن الجمعية.»

يوسف سأله:

«فين؟»

«على بعد حوالي 15 كيلومتر من هنا.»

ذهبوا إلى المكان.

كان مبنى مهجورًا منذ سنوات.

الباب مكسور.

والنوافذ مغطاة بالتراب.

دخلوا.

في الداخل وجدوا ملفات قديمة.

وبينها سجلات بيع وشراء الأراضي.

يوسف بدأ يقلبها.

ثم وجد اسم عائلته.

لكن المفاجأة كانت في الصفحة التالية.

اسم والد يوسف كان موجودًا أيضًا.

وبجواره ملاحظة:

«تم تسليم الدفتر الأصلي إليه.»

يوسف رفع رأسه.

«يعني أبوه ما كانش بيخبي الدفتر من غير سبب.»

ثم وجد ورقة أخرى.

كانت حديثة.

وعليها أسماء أشخاص زاروا المخزن خلال آخر شهر.

أحد الأسماء كان:

سامح.

والاسم الثاني:

ابن أخو الحاج صابر.

لكن الاسم الثالث…

كان شخصًا لم يتوقع يوسف أبدًا أن يجده.

والدته.

يوسف فضل ساكت.

الحاج صابر قال:

«يوسف…»

لكن يوسف رفع إيده.

«محدش يتكلم.»

قلب الورقة.

كانت هناك ملاحظة بجانب اسم والدته:

«تواصلت معنا بخصوص الدفتر.»

يوسف شعر أن كل شيء ينهار حوله.

والده كان يخفي الدفتر.

والدته ظهرت في سجلات الجمعية.

والشركة القديمة عادت.

والوباء انتشر.

وفوق كل ده، شخص يحاول تلويث مزرعته.

لكن قبل أن يغادروا المبنى…

وجد يوسف ظرفًا مدفونًا خلف أحد الأرفف.

فتحه.

في داخله رسالة قصيرة:

«إذا قرأ يوسف هذه الرسالة، فلا تبحث عن العدو خارج العائلة.»

«الحقيقة موجودة داخلها.»

وتحت الرسالة كان اسم واحد فقط.

اسم والد يوسف.

يوسف أغلق عينيه.

ثم قال:

«أنا لازم أواجه أبويا.»

لكن عندما عادوا للمزرعة…

كانت الصدمة في انتظارهم.

باب الحظيرة كان مفتوحًا.

والعجول كلها موجودة.

لكن الدفتر الأسود…

اختفى.يوسف وقف قدام غرفة أبوه، والباب مفتوح.

الدفتر اختفى.

دخل بسرعة وفتش المكان كله.

الأدراج.

الخزانة.

الصناديق.

ولا أثر له.

الحاجة زينب قالت:

«مين كان هنا؟»

يوسف رد:

«محدش يعرف مكان الدفتر غيرنا.»

الدكتور كريم قال:

«يبقى اللي أخده كان قريب جدًا منكم.»

يوسف بص للكاميرات.

راجع التسجيلات.

لكن في الفترة اللي اختفى فيها الدفتر…

الكاميرات كلها كانت مطفأة.

حد قطع الكهرباء عن نظام المراقبة لمدة 11 دقيقة فقط.

يوسف قال:

«11 دقيقة… كفاية جدًا.»

الحاج صابر سأل:

«مين كان موجود؟»

يوسف بدأ يعد:

«أنا، الدكتور كريم، عمتي، أبويا…»

ثم سكت.

«وأحد العمال.»

الحاج صابر قال:

«العامل اللي مسكناه؟»

«لا. ده كان تحت المراقبة.»

الدكتور كريم قال:

«يبقى لازم نعرف مين دخل المكان.»

يوسف رجع يشوف تسجيل الكاميرا الخارجية.

بعد لحظات ظهر شخص.

كان لابس قبعة وملابس غامقة.

دخل من الباب الخلفي.

يوسف وقف الفيديو.

«كبر.»

ظهرت يده.

كان في إصبعها خاتم مميز.

يوسف عرفه فورًا.

«الخاتم ده…»

الحاجة زينب قالت:

«إيه؟»

يوسف رد:

«شوفته قبل كده.»

لكن قبل ما يكمل، سمعوا صوت عربية.

خرجوا.

كان والده.

أول ما شافهم، قال:

«إيه اللي حصل؟»

يوسف رد بحدة:

«الدفتر اختفى.»

والده اتجمد.

«إزاي؟»

«قول لي إنت.»

الأب اقترب.

«أنا كنت بره.»

يوسف قال:

«بس الدفتر كان معاك.»

الأب سكت.

يوسف أخرج الصورة التي وجدها في المخزن القديم.

«إيه ده؟»

والده نظر إليها.

وجهه تغير.

«مين إداهالك؟»

«لقيتها في مكان تابع للجمعية.»

الأب أخذ نفسًا عميقًا.

«كان لازم أعرف إنك هتوصل لهنا.»

يوسف قال:

«أنا عايز الحقيقة كلها.»

والده جلس على الكرسي.

ثم قال:

«أمك كانت تعرف عن الأرض.»

يوسف سكت.

«وكانت تعرف عن الجمعية.»

«ليه؟»

«لأنها كانت تشتغل معاهم زمان.»

يوسف اتصدم.

«ماما؟»

«قبل ما تتجوزني.»

«كانت بتشتغل عندهم؟»

«أيوه.»

«وكانت تعرف عن البئر؟»

«كانت تعرف إن فيه مياه جوفية مهمة، لكنها ما كانتش تعرف كل التفاصيل.»

يوسف قال:

«طب ليه اسمها موجود في السجلات؟»

الأب رد:

«لأنها كانت بتحاول تمنعهم من شراء الأرض.»

يوسف سكت.

«يعني ماما كانت بتحاول تساعد؟»

«أيوه.»

ثم أضاف:

«لكن لما اكتشفت إنهم مش هيقفوا، خرجت من الموضوع.»

يوسف سأله:

«طب وإنت؟»

الأب قال:

«أنا كملت.»

«ليه؟»

«لأن جدك سلمني الدفتر.»

يوسف قال:

«بس الدفتر اختفى.»

الأب رفع عينيه.

«أنا اللي أخدته.»

يوسف اتجمد.

«إنت؟»

«أيوه.»

«إمتى؟»

«قبل ما توصل أنت للمخزن.»

يوسف قال:

«ليه؟»

الأب رد:

«لأن في صفحة في الدفتر فيها معلومة لو وقعت في إيد الشخص الغلط، ممكن تدمر الأرض.»

يوسف قرب منه.

«إيه المعلومة؟»

الأب قال:

«مكان المصدر الحقيقي للمياه.»

يوسف سكت.

ثم قال:

«بس الدفتر مش معاك دلوقتي.»

الأب نظر إليه.

«أيوه.»

«مين أخده؟»

الأب قال:

«أنا كنت عارف إنهم هيحاولوا ياخدوه.»

«مين؟»

الأب سكت لحظة.

ثم قال:

«سامح.»

يوسف اتصدم.

«سامح؟»

«أيوه.»

«بس إزاي دخل؟»

الأب قال:

«لأنه مش بيشتغل لوحده.»

في اللحظة دي، رن هاتف يوسف.

رقم مجهول.

فتح.

جاءه صوت سامح:

«معاك الدفتر.»

يوسف وقف.

«عايز إيه؟»

«مقابلة.»

«فين؟»

«عند الحجر الأبيض.»

يوسف بص لأبوه.

سامح كمل:

«والمرة دي… هتحضر لوحدك.»

ثم أغلق الهاتف.

يوسف قال:

«أنا رايح.»

والده وقف.

«وأنا جاي معاك.»

«قال لوحدي.»

«وده سبب أكبر إني أكون معاك.»

لكن قبل ما يتحركوا…

وصلت رسالة ثانية من سامح.

كانت صورة.

يوسف فتحها.

الصورة كانت للعجول الـ83 داخل الحظيرة.

وتحتها جملة:

«لو ما جتش لوحدك… المرة الجاية مش هصور لك الحيوانات.»

يوسف شعر بالغضب.

الدكتور كريم قال:

«ما تروحش.»

يوسف رد:

«لو الشخص ده فعلاً ناوي يؤذي المواشي، لازم نعرف هو عايز إيه.»

والده قال:

«هتروح، لكن مش بالطريقة اللي هو متوقعها.»

يوسف نظر إليه.

«إزاي؟»

الأب فتح حقيبته.

وأخرج شيئًا لم يره يوسف من قبل.

كان دفترًا ثانيًا.

أقدم من الأول.

قال:

«سامح فاكر إن الدفتر اللي أخده هو المفتاح.»

ثم وضعه أمام يوسف.

«لكن الحقيقة إن الدفتر المسروق مجرد نسخة.»

يوسف فتح عينيه بدهشة.

الأب أكمل:

«أما المفتاح الحقيقي… فهو هنا.»

وأشار إلى الصفحة الأخيرة.

كان عليها رسم للحجر الأبيض.

وتحت الرسم جملة:

«من يصل إلى الحجر أولًا، سيعرف لماذا اختار المرض هذه المنطقة بالذات.»

يوسف قرأها.

ثم رفع رأسه.

لأن فجأة…

كل شيء بدأ يرتبط ببعضه.

المرض.

المياه.

الأرض.

والجمعية القديمة.

لكن الإجابة كانت تنتظرهم عند الحجر الأبيض.

والليلة…

كان يوسف على وشك معرفة السر الذي جعل 90 عجلًا مريضًا نقطة البداية لحكاية أكبر بكثير.الجزء الثالث عشر

وصل يوسف وأبوه إلى الحجر الأبيض قبل منتصف الليل بدقائق.

المكان كان هادئًا بشكل مخيف.

لا صوت غير الريح وهي بتحرك سعف النخيل.

الدكتور كريم كان بعيدًا يراقب من السيارة، والحاج صابر واقف ناحية الطريق.

يوسف بص لأبوه وقال:

«لو سامح ظهر… أنا اللي هتكلم.»

والده هز رأسه.

«بس اسمع قبل ما تحكم.»

وفجأة، ظهرت أضواء عربية من بعيد.

العربية وقفت.

نزل سامح.

وفي إيده الدفتر الأسود.

قال:

«كنت متأكد إنك هتيجي.»

يوسف رد:

«هات الدفتر.»

سامح ابتسم.

«إنت لسه فاكر إن الدفتر هو المهم؟»

يوسف قال:

«أمال إيه؟»

سامح أشار للحجر.

«ده.»

يوسف بص للحجر.

«إيه اللي تحته؟»

سامح قال:

«الحاجة اللي خلت عيلتك ترفض بيع الأرض لأكتر من خمسين سنة.»

والد يوسف تدخل:

«سامح… كفاية.»

سامح بص له.

«أنت أكتر واحد عارف إن الموضوع مش هيفضل مستخبي.»

ثم أخرج ورقة قديمة.

«أنا ما جيتش أسرق أرضك يا يوسف.»

يوسف قال:

«أمال إنت بتعمل إيه؟»

«بحاول أشتري حق الوصول للمياه.»

يوسف استغرب.

«إيه الفرق؟»

سامح رد:

«فرق كبير.»

ثم فتح الورقة.

كانت خريطة ضخمة للمنطقة.

وأوضح عليها خطًا أزرق ممتدًا تحت الأرض.

وقال:

«في طبقة مياه جوفية قديمة تحت الأرض دي. مش ملك مزرعتك وحدها. لكنها بتغذي مناطق كبيرة.»

يوسف قال:

«وده أنا عارفه.»

سامح هز رأسه.

«لأ. إنت لسه ما تعرفش أهم حاجة.»

وأشار إلى نقطة حمراء في منتصف الخريطة.

«المصدر الحقيقي مش البئر.»

ثم أشار إلى الحجر الأبيض.

«المصدر هنا.»

يوسف اقترب.

«إزاي؟»

سامح قال:

«تحت الحجر فيه مجرى طبيعي قديم.»

والد يوسف قال:

«كان لازم يفضل بعيد عن أي حفر.»

سامح رد:

«بالضبط.»

يوسف بص لأبوه.

«إنت كنت عارف؟»

«أيوه.»

«وجدّي؟»

«هو أول واحد اكتشفه.»

سامح قال:

«وعشان كده الأرض كانت مهمة.»

ثم أضاف:

«لكن في مشكلة.»

يوسف سأله:

«إيه؟»

«المياه بدأت تتغير.»

الدكتور كريم، الذي اقترب منهم دون أن يشعروا، قال:

«بسبب التلوث؟»

سامح هز رأسه.

«التلوث جزء من المشكلة.»

يوسف قال:

«أمال إيه السبب؟»

سامح أشار إلى الخريطة.

«في حد بيحفر في المنطقة من الناحية التانية.»

سكت الجميع.

يوسف قال:

«مين؟»

سامح رد:

«الشركة.»

الحاج صابر قال:

«يعني الشركة بتحاول توصل للمياه من مكان تاني؟»

«أيوه.»

الدكتور كريم قال:

«ولو وصلوا؟»

سامح رد:

«ممكن يغيروا مسار المياه بالكامل.»

يوسف شعر بصدمة.

فجأة فهم ليه الشركة كانت مستعدة تدفع عشرة أضعاف ثمن الأرض.

هم لم يكونوا يريدون الأرض.

كانوا يريدون السيطرة على مصدر المياه.

لكن يوسف لاحظ شيئًا في الخريطة.

«استنى…»

أشار إلى خط آخر.

«إيه الخط ده؟»

سامح سكت.

يوسف كرر:

«الخط ده داخل أرضنا.»

سامح قال:

«ده أقدم مسار للمياه.»

والد يوسف اقترب من الخريطة.

ثم تغير وجهه.

«المسار ده اتردم.»

يوسف سأله:

«إمتى؟»

الأب قال:

«قبل ما تتولد.»

«مين ردمه؟»

الأب لم يجب.

يوسف نظر إلى سامح.

سامح قال:

«جدك.»

يوسف اتصدم.

«جدي؟ ليه؟»

سامح رد:

«عشان يمنع المياه من الوصول للجزء اللي كانوا عايزين يحفروا فيه.»

يوسف سكت.

ثم قال:

«يعني جدي كان بيحمي المياه؟»

سامح هز رأسه.

«كان بيحمي الأرض والناس.»

ثم مد الدفتر الأسود إلى يوسف.

«خده.»

يوسف أخذه.

«ليه بتديني إياه؟»

سامح قال:

«لأن اللي جاي أكبر مني ومنك.»

وفجأة…

وصل صوت محرك سيارة من بعيد.

سامح بص ناحية الطريق.

«هم وصلوا.»

يوسف سأل:

«مين؟»

سامح قال:

«الشركة.»

ثم أضاف بسرعة:

«بس قبل ما يظهروا، لازم تعرف مين اللي كان بيساعدهم من جوه البلد.»

يوسف قال:

«مين؟»

سامح نظر إلى الحاج صابر.

الحاج صابر اتوتر.

سامح قال:

«الشخص اللي كان بيسرب لهم خرائط الأرض.»

يوسف بص للحاج صابر.

ثم إلى والده.

وسامح قال الجملة التي جعلت الجميع يصمت:

«مش ابن أخو الحاج صابر.»

«الشخص ده أقرب ليوسف بكتير مما تتخيلوا.»النهاية

يوسف وقف مكانه، وقلبه بدأ يدق بسرعة.

بص لسامح وقال:

«أقرب ليا؟ مين؟»

سامح ما ردش.

والده هو اللي اتكلم:

«أنا.»

يوسف اتجمد.

«إنت؟!»

الأب تنهد وقال:

«أنا اللي كنت بسرب لهم معلومات… لكن مش عشان أبيع الأرض.»

يوسف بص له بغضب.

«أمال ليه؟»

«عشان أعرف هم عايزين إيه، وأعرف أحميك والأرض قبل ما يوصلوا للحقيقة.»

ثم أخرج ورقة قديمة.

«أنا دخلت بينهم من سنين، وكنت بديهم معلومات ناقصة ومضللة. لكن من فترة اكتشفوا إن فيه مصدر مياه حقيقي تحت الحجر الأبيض.»

يوسف سكت.

«وعشان كده بدأت محاولات تلويث المياه وشراء الأراضي.»

الدكتور كريم قال:

«يبقى لازم نبلغ الجهات المختصة فورًا.»

وفعلًا، تم تسليم الخرائط والعينات والتسجيلات للجهات المسؤولة، ومعها كل الأدلة التي جمعها يوسف والدكتور كريم.

التحقيقات كشفت أن مجموعة من الأشخاص كانت تحاول استغلال انتشار المرض لإجبار أصحاب المزارع على بيع أراضيهم بأسعار منخفضة، بينما كانت هناك أعمال حفر غير قانونية بالقرب من مجرى المياه الجوفية.

أما العامل الذي كان يأخذ العينات، فتم التعامل مع الأمر قانونيًا بعد اعترافه بكل ما يعرفه.

وبعد فترة، ثبت أن مصدر انتشار المرض لم يكن مزرعة يوسف كما حاول البعض الادعاء.

بل إن مزرعته كانت من أقل المزارع خسائر بسبب العزل والتهوية والنظافة والمتابعة البيطرية.

أما الـ90 عجلًا…

فمنهم 83 نجوا.

ومع مرور الشهور، كبروا وأصبحوا من أفضل المواشي في المنطقة.

يوسف لم يبعهم.

احتفظ بهم كنقطة بداية لمشروعه.

وبدأ يزرع أرض العائلة من جديد، مستفيدًا من ملاحظات جده، لكن تحت إشراف متخصصين في الزراعة والطب البيطري.

وبعد سنة واحدة فقط…

كانت الأرض التي وصفها أهل القرية بأنها «ميتة» قد عادت خضراء.

وأصبح يوسف شابًا يعتمد على نفسه، وأصبح الناس يأتون إليه يسألونه عن طريقة تربية المواشي والعناية بالأرض.

أما الحاج صابر…

فلم يعد يسخر منه.

في يوم، وقف بجواره أمام الحظائر وقال:

«فاكر أول يوم اشتريت فيه العجول؟»

يوسف ضحك.

«أيوه.»

«أنا وقتها قلت إنك اشتريت 90 مقبرة.»

يوسف ابتسم.

«وطلعوا 83 بداية.»

الحاج صابر هز رأسه.

«لأ… طلعوا أكتر من كده.»

«إزاي؟»

قال:

«طلعوا سبب إنك تكتشف قيمة الأرض، وسبب إن البلد كلها تتعلم إن الوقاية والعلم أهم من الكلام اللي بيتقال في القهاوي.»

ثم مد له يده.

«وأنا غلطت لما حكمت عليك من سنك.»

يوسف صافحه.

أما والده…

فكانت علاقته بيوسف مختلفة تمامًا.

لم تختفِ سنوات البعد في يوم واحد، لكن الأب بدأ يعوض ابنه بالفعل، لا بالكلام.

وفي إحدى الليالي، جلسا سويًا أمام المزرعة.

قال الأب:

«أنا آسف.»

يوسف سكت.

ثم قال:

«أنا مش محتاج إنك ترجع الزمن.»

«أمال محتاج إيه؟»

يوسف ابتسم:

«محتاجك ما تختفيش تاني.»

والده وضع يده على كتفه.

«مش هختفي.»

وبعد سنوات، أصبح اسم يوسف معروفًا في المنطقة.

ليس لأنه اشترى 90 عجلًا مريضًا.

ولا لأنه اكتشف سرًا مدفونًا.

لكن لأنه فهم شيئًا لم يفهمه أغلب الناس حوله:

أحيانًا الناس تشوف الضعف فتخاف منه… بينما الشخص اللي عنده صبر وعلم يشوف فيه فرصة.

وفي صباح يوم جديد، وقف يوسف أمام المزرعة.

كانت الأرض خضراء.

والـ83 عجلًا أصبحت قطيعًا قويًا.

رفع عينه ناحية الحجر الأبيض، وابتسم.

وتذكر أول يوم سمع فيه الناس يضحكون عليه.

ثم قال لنفسه:

«كانوا فاكرين إني اشتريت 90 عجل مريض… لكن الحقيقة إني اشتريت أول فرصة في حياتي.»

ومن يومها…

لم يعد أحد في القرية يضحك عندما يسمع اسم يوسف عبدالسلام.

تم نسخ الرابط