افتحى
افتحي شنطة الهدوم دي فوراً يا ست أمينة، وإلا هتبقى أخر ليلة ليكي في الشغل! لو لقيت فيها حتى كيس دقيق واحد من الخبازة هنا، يبقى كتر خيرك لحد كده.
صوت المعلم فرج الكردي كان يرن في المخزن الخلفي لمخبز البركة، وهو مخبز مشهور في قلب حي السيدة زينب، المكان اللي كانت ريحة الفينو والمخبوزات الطازة بتلزق في هدومك زي ذكريات دافية.
الساعة كانت تسعة وتلت بالليل.
الصاجات الحديد كانت نصها مصلوب ومقفول، الصواني المغسولة بتتنشف جنب الحوض الكبير، وستة من العمال كانوا واقفين في مكانهم زي التماثيل، كأن حد طفى النور فجأة في الصالة.
قدامهم كانت واقفة عمة أمينة، ست عندها 64 سنة، لابسة الجلابية الرمادي المخصصة للشغل، إيديها مخشنة من كتر الغسيل والمسح، وجنبها شنطة سفر سوداء بعجل صغير.
اشتغلت في المخبز بقالها ثلاث سنين، عمرها ما اتأخرت دقيقة. تقريباً مابتطلبش أجازات، مابتتدخلش في القيل والقال بتاع العمال، وعمرها ما أخدت حتى قرص بلمسة من غير ما تدفع ثمنها.
وده بالظبط اللي خلي فرج يتحير ويشك فيها بأسلوب صعب.
بس خلال الشهرين اللي فاتوا، كان فيه حاجة مش مظبوطة بتحصل.
كل يوم بالليل، أمينة بتيجي بالشنطة دي وهي فاضية تقريباً، وبتخرج وهي بتجرها بالعافية وراها، تقيلة لدرجة إن العجل الصغير كان بيزيق بصوت عالي على البلاط.
وفي نفس الأسابيع دي، شكاير الدقيق، السكر، أزايز الزيت، علب اللبن البودرة، وشكاير الرز اللي فرج بيشتريها عشان الحلويات والقرص بدأت تختفي من المخزن.
في الأول، افتكر إن المورد الجديد هو اللي بيلغبط في العدد.
بعدها شك في دفاتر الحسابات والتسليم.
وبعد كده افتكرها سوء تنظيم من العمال.
بس الأرقام فضلت واضحة وصريحة.
لو حد فضّل ياخد حبة بحبة وانت سكت، الحوار ده هيكبر والنسف هيزيد، ده اللي قالتله مراته سعاد وهي بتراجع الفواتير معاه على ترابيزة المطبخ.
فرج مكنش راجل مفترس ولا ظالم. هو بنى مخبز البركة ده بقرض من البنك، وفرنين مستعملين، وليالي سهر من غير نوم أكتر من اللي يقدر يعدها. كان فاكر كويس لما كان بيمسح الأرضية بنفسه الساعة اتنين بالليل لأنه مكنش معايه فلوس يأجر حد يساعده.
عشان كده، كل كيلو ينقص من البضاعة كان بيحس بيه في قلبه.
راجع كاميرات المراقبة، ولا مرة شاف أمينة بتحط حاجة من المخبز جوة الشنطة دي.
بس الشنطة فضلت موجودة.
نفس الشنطة السوداء.
كل ليلة، أتقل من اللي قبلها.
في يوم ثلاثاء، جنب الباب الخلفي، سمعها بالصدفة بتتكلم في التليفون
أيوه يا بنتي.. عارفة إنك محتاجة حفاضات للبت.. اصبري شوية بس.. هجيب لك معايا بكرة. انتِ مش لوحدك، أوعدك.
صوتها كان مليان شجن ووجع.
فرج فكر يسألها فيه إيه.
بس مأسألهاش.
وعشان مأسألهاش، ساب الشكوك تكبر جوا دماغه.
العمال كمان بدأوا يتهامسوا.
مش عايزة أظلمها، ده اللي قالته إلهام الكاشير الكبيرة، بس الشنطة دي تقيلة قوي على إن يكون فيها شوية هدوم بس.
في اليوم اللي حصلت فيه المواجهة، المخبز كان زحمة جداً بسبب المولد اللي كان جنب الجامع. أمينة كانت بتتحرك ومابتقعدش. تنضف الترابيزات، تلم الكبايات، لقطت صاج سينامون كان هيقع على الأرض، وحتى ساعدت ست كبيرة في إنها تطلب تكسي.
ده خلي فرج يتردد للمرة الأخيرة.
بس الساعة تسعة وتلت، لمح الشنطة جنبه عند باب الخروج بتاع العمال.
مليانة على أخرها.
تقيلة.
والسوستتين مقفولين للاخر.
فرج قرب منها
يا عمة أمينة.. محتاجك تفتحي الشنطة دي.
رفعت عينها وبصت له.
مكنش باين عليها الخوف.
كان باين عليها التعب والشقاء.
انت فاكر إني باخد حاجات من المخبز بتاعك يا معلم فرج؟
أنا مش عارف أصدق إيه تاني.
كان ممكن تسألني بيني وبينك.
المكان بقى ساكت سكوت يوجع.
افتحي الشنطة، كرر كلامه ووشه مشدود.
واحد من الخبازين بص في الأرض. الكاشيرة ضمت شفايفها. ورامي، الشاب اللي ماسك المخزن، ربع إيده وقعد يتابع من غير ما ينطق.
أمينة مسكت إيد الشنطة بتمسك.
ماشي، قالتها بصوت واطي. بس أول ما تشوف اللي جواها، فكر كويس قبل ما تحرج حد قدام الناس تاني.
وطت بالراحة وبصعوبة.
صوت السوستة وهي بتفتح كان طالع بطيء وطويل كأنه مش هيخلص.
فرج كان بيمهد نفسه عشان يشوف شكاير دقيق، أزايز زيت، أو أكياس سكر.
بس لما أمينة رفعت غطا الشنطة، محدش في الأوضة تنفس.
جوة الشنطة كان فيه حفاضات أطفال مقاس أربعة، هدوم بنات صغيرة، علب لبن أطفال، رز وفول، فوط جديدة، بطانية وردي صغيرة، أدوية أطفال، ودوسيه أصفر فيه ورق رسمي.
أمينة مدت إيدها وطلعت صورة.
كانت صورة لبنت شابة شايلة طفلة عندها سنتين. الاتنين كان باين عليهم التعب والهم الشديد.
دي بنتي، أمينة قالت، ودي حفيدتي.
فرج حس ببطنه بتتعصر.
الشنطة مكنتش بتداري البضاعة الناقصة من المخبز.
كانت شايلة الحاجات اللي عيلة أمينة الغلبانة محتاجة لها للعيشة.
وفي الوقت اللي الكل كان واقف فيه، مستوعبين قد إيه ظلموها وجوا عليها، كان فيه حقيقة تانية لسة مستخبية
الشخص المسؤول بجد عن البضاعة اللي بتتسرق، كان لسة واقف جوة المخبز في القاهرة، كان اسمي ليان، وكنت متزوجة من فراس خالد لمدة عشر سنوات.
عشر سنين عشتها وأنا أظن أن بيتنا، رغم المشاكل والخلافات، سيظل قائمًا.
كان عندنا توأم، آدم وحمزة، وكانوا كل حياتي.
في بداية زواجنا، كانت ظروف فراس صعبة جدًا. ساعدته من ميراث أمي، وبعت جزءًا من ذهبي ومدخراتي، ووقفنا معًا حتى بدأ أول مشروع له.
وبالفعل نجح المشروع، وتحسنت أحوالنا.
لم أطلب منه يومًا أن يعيد لي ما دفعته.
كنت أعتبر أننا أسرة واحدة، وما أملكه يخص مستقبل أولادنا.
لكن مع مرور السنوات، أصبح فراس شديد الانشغال بعمله، وبدأت الخلافات بيننا تزيد.
لم تكن هناك خيانة.
لم تكن هناك امرأة أخرى.
كانت المشكلة بيننا هي المال، وضغط العمل، واختلافنا المستمر في طريقة تربية الطفلين.
وفي النهاية، وصلنا إلى قرار الانفصال.
كنت مستعدة أن أبدأ حياتي من جديد.
لم أطلب منه بيتًا ولا سيارة ولا أموالًا.
قلت له
أنا مش عايزة غير أولادي.
لكنه رفض أن تكون الحضانة معي.
وبعد أيام، وجدت نفسي داخل قاعة المحكمة.
كنت أرتدي عباءة بسيطة، وأجلس ويدي ترتجف تحت الطاولة.
أما فراس فكان يجلس أمامي بجوار محاميه.
بدأ المحامي يتحدث عن قدرته المادية، وعن المنزل الكبير الذي يستطيع أن يوفره للطفلين، وعن استقراره في العمل.
ثم بدأ يتحدث عني.
قال إنني عصبية، كثيرة البكاء، وإنني لا أستطيع التحكم في انفعالاتي، وإن الطفلين تأخرا عن المدرسة عدة مرات.
شعرت أن كل السنوات التي قضيتها في رعايتهما اختفت من أمام عيني.
فقلت
أنا اللي كنت معاهم كل يوم! أنا اللي كنت بذاكر لهم وأوديهم للدكتور وأصحى جنبهم لما يمرضوا!
نظر إليّ القاضي وقال
اهدئي يا مدام ليان.
جلست.
كنت أعرف أن أي انفعال مني يمكن أن يستخدم ضدي.
ثم نظر القاضي إلى آدم وحمزة.
كانا يجلسان في الصف الأول.
قال القاضي
آدم، تعال يا ابني.
اقترب آدم بخطوات بطيئة.
قال القاضي
أنا هسألك سؤال، ومحدش هيزعل منك مهما كانت إجابتك. فاهم؟
هز آدم رأسه.
هل بتحس بالأمان مع ماما؟
نظر آدم إلى أبيه.
ثم نظر إليّ.
وبقي صامتًا.
شعرت أن قلبي سيتوقف.
وأخيرًا رفع رأسه وقال
أيوه يا سيدي أنا بحس بالأمان مع ماما.
أغمضت عيني من شدة التأثر.
لكن القاضي سأله
طيب، في حاجة بتخليك خايف؟
ظل آدم صامتًا.
ثم أمسك يد أخيه حمزة.
وقال
أنا مش خايف على نفسي
توقف لحظة.
أنا خايف إن ماما تبقى لوحدها.
ساد الصمت في القاعة.
سأل القاضي
ليه؟
قال آدم
عشان هي لما بتعيط، بتستخبى عشان ما نقلقش عليها.
نظرت إليه وأنا أبكي.
لم أكن أعرف أنه كان يلاحظ ذلك.
ثم قال
بس ماما عمرها ما خلتنا نخاف. هي دايمًا بتقول لنا إن مهما حصل، إحنا هنفضل بخير.
نظر القاضي إلى فراس.
ثم قال
وأنت يا حمزة؟
رفع حمزة رأسه وقال
أنا عايز أعيش مع ماما، بس مش عايز أخسر بابا.
كانت تلك الجملة أقوى من أي مرافعة.
خفض فراس رأسه.
ولأول مرة منذ بدأت القضية، لم أره كرجل يحاول انتزاع أطفالي مني.
رأيته كأب خائف من خسارتهم.
وبعد مراجعة التقارير المدرسية والاجتماعية، تبين أنني كنت المسؤولة عن رعايتهما اليومية، وأن التأخير الذي حدث في المدرسة لم يكن دليلًا على إهمالي كما قيل في المحكمة.
وفي النهاية، صدر الحكم باستمرار الحضانة معي، مع تنظيم رؤية الطفلين لوالدهما بما يحقق مصلحتهما.
خرجت من المحكمة وأنا أمسك بيدي آدم وحمزة.
اقترب فراس منا.
نظر إلى الطفلين وقال
أنا آسف إني خليتكم تحسوا إنكم لازم تختاروا بيني وبين ماما.
قال آدم
يعني مش هنتخانق تاني؟
ابتسم فراس بحزن.